Category

2010

2010, جريدة النهار, مقالات

دخول السيد الى أورشليم / السبت 27 آذار 2010

هذا هو دخول السيد الأخير الى أورشليم «قاتلة الأنبياء والمرسَلين اليها»، والذي نقيم ذكراه غدًا. يسوع عالم بمكيدة اليهود، وهذا ذُكر غير مرة في الأناجيل. في ايماننا ان المعلّم تطوّع لموته وان كان قتيلا سياسيا. أما قال قيافا: «ان يموت رجل واحد فدى الشعب خير لكم» (يوحنا 18: 14). هذا الدخول الى أورشليم، الذي بدا ظافرا وموضع ترحاب من الأمة وأطفالها، كان طريقا الى الموت. «ألا أشرب كأس الآلام التي جعلها لي الآب»؟ (يوحنا 18: 11).

يسوع الناصري على وداعته كان صداميا بامتياز. ومن درس الإنجيل جيدا يفهم ان هذا الصدام لا بدّ من ان ينتهي بكارثة. كيف انسان فقير أعزل لا يحميه أحد يقاوم رؤساء الكهنة والعلماء وحزب الفريسيين النافذ بكل هدأة فيه وشراسة عند الأعداء الذين أظهروا قدرتهم في تحدّي الوالي حتى أجبروه على قتل يسوع!

يدخل المدينة المقدسة عالما انه يقدّم نفسه ذبيحة، ولكن عالما ايضًا انه يطلق بهذا الانصلاب المحبة في العالم ونموذجا لشهداء الله المسحوقين في كل الأرض، الفصيحة دماؤهم ابدًا.

دم الناصري قال لنا: «هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد». للمرة الأولى فهمت البشرية ان الله ليس إله جيوش ولو كانت جيوش الشعوب التي تحسب انها خصيصة الله. عند الناصري دمه كان فقط لغة محبته للعالم. اقتضت المحبة ان ينزل ابن الله نفسه الى العالم ليقول للناس ان طبيعة إلهه تضطره إلى ان يبلغهم بالدم انه يحبّهم.

ما ضاع وقت يسوع بين يوم الشعانين (عيده غدًا) ويوم ذبحه. لا مجال هنا لذكر كل ما صنع في هذه الفترة القصيرة، ولكنها مليئة بإطلالات له بليغة من اهمها انه «طرد جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل. فقلب مناضد الصيارفة ومقاعد باعة الحمام»، هؤلاء الذين يجعلون الهيكل مغارة لصوص. اللص ليس عنده مقدس. يأخذ مقاما له في الكنيسة او في الدولة. هل نطرد نحن اللصوص من كل مقاماتهم؟ هل نحن حريصون على قدسية الدنيا في كل مجالاتها ام استرخينا لاعتقادنا ان لا مجال لمكافحة الفساد؟
# #
#

إطلالة فريدة اخرى هي غسله أقدام تلاميذه في العشاء الأخير. هنا يضعنا يوحنا في السياق الفكري لهذا العمل: «وكان يسوع يعرف ان الآب جعل في يديه كلّ شيء وانه جاء من عند الله والى الله يعود. فقام من العشاء وخلع ثوبه وأخذ منشفة واتزر بها. ثم صبّ ماءً في مغسلة وبدأ يغسل أرجل التلاميذ». ثم فسّر لهم ذلك: «واذا كنت انا السيد والمعلم غسلت أرجلكم، فيجب عليكم انتم ايضا ان يغسل بعضكم أرجل بعض». معنى ذلك على الدوام ان كل كبير منا لا يكتمل كبره الا اذا احسّ بنفسه انه على مستوى اقدام البشر جميعا، لأن الكل بلا استثناء افضل منه، واذا لم يشعر بذلك ليس خصيص المسيح. ذلك لأننا وجدنا لنخدم كل انسان حولنا خدمة كاملة حتى منتهى الحب. هذا وحده ينجينا من كبريائنا.

لعل أفصح إطلالة ليسوع الباقية في الكنيسة الى الأبد والمتخذة معناها من موته وقيامته إطلالة العشاء السرّيّ التي يرويها لوقا هكذا: «وأخذ خبزا وشكر وكسره وناولهم، وقال: هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم، اعملوا هذا لذكري». وكذلك الكأس ايضًا بعد العشاء، فقال: «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يسفك من أجلكم». هذا صار، عند المسيحيين، القداس. لقد أراد يسوع ان يعقل فاعليّة موته وقيامته بهذه الصورة. ومعنى كلامه الذي لا يحتمل معنى آخر انكم اذا أتممتم هذه الرتبة في اجتماعكم يوم الأحد تصيرونني وأصيركم. هذا يفهمه من يستطيع القول: «انا من أهوى ومن أهوى انا».

ما يبرر هذه القراءة ان الجسد في الحضارة العبرية يدلّ على الشخصيّة ذاتها. ان تأكلوا جسدي يعني ان تأكلوني انا، ان تستدخلوني ذواتكم فلا يبقى من مسافة بيني وبينكم. لا مجال هنا للرمزية او الاستعارة ولدلالة للجسد ليست دلالته العبرية. انتم في القداس الإلهي تأخذونني كليا.

واذا قال دمي، فالدم عندهم هو الحياة. المعنى ان حياتي كلها تصبح حياتكم وحياتكم حياتي. هذه تبدو مائدة على الأرض الا انه هو القائل: «وانا أعطيكم ملكوتا كما أعطاني أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي».

إطلالة المسيح بالقرابين المقدسة هذه لا يستنفذ معناها الا في خطبة الوداع التي تبدأ من الإصحاح (او الفصل) 14، الآية 31 عند يوحنا حتى نهاية الإصحاح السابع عشر، وهي تتحدث مليًّا عن علاقة يسوع بالآب والروح القدس كما تتحدث عن علاقته بالمؤمنين به. اظن اني لا اتجنّى على العهد الجديد ان قلت ان خطبة الوداع ذروته، ولو كان هو كله فيها. هنا تقرأ قوله: «انا هو الطريق والحق والحياة». هنا تفهم طبيعة المسيح: «من رآني رأى الآب»، ولا معنى تاليا للجدل حول الطبيعة والطبيعتين. هذا السجال عرفناه اليوم انه جدل لفظي فقط، اذ ما من مسيحي لا يؤمن ان من رأى المسيح فهو يرى الآب، اي ليس من مسيحيّ لا يؤمن ان مسيحه إله تام وإنسان تام.

الى هذا كلام صعب على السلوك: «اذا كنتم تحبوني عملتم بوصاياي». ويتردد هذا الكلام بصيغة او بأخرى. كل معنى القرابين المقدسة في قوله: «اثبتوا فيّ وانا فيكم». هذا يتضمّن ردا على كل من حسب ان المسيحية روحانية فقط ولا تتعلق بهذه الأرض. سؤالي: هل الأرض تتعلق بالأرض ام أن الأرض تأتي بها السماء؟ ما السلوك سوى إسقاط السماء على الأرض؟ ان لم تصل الى اعتماد خطبة الوداع تكون انت المسيحي مقيما طقوسا وبانيا أبنية كنائس ويكون كهنتك لابسين لباسا خاصا، وببساطة تكون على ديانة شكلية لا علاقة لها بالأنوار الساطعة من الله والحب النازل عليك من قلب المسيح. اذا غدوت ساعيا الى المسيحية في دسمها، فهذا هو الدسم.

# #
#

كل آلام المسيح، التي لن أتكلّم عليها اليوم، مرتبطة بهذه الخطبة. ما حدث للسيّد متصل بما قاله. وما قاله يكشف معنى الأحداث التي شاءها لنفسه. كل حنان خطبة الوداع سيظهر في عذابه وصبره وانخطافه الدائم الى الآب قبل انخطافه الأخير وفي انخطافه.
هنا افهم ما قاله بولس لإحدى الكنائس: «لست أعرف بينكم الا المسيح واياه مصلوبا» (1كورنثوس 2: 2). حدث الصلب ان لم تجعله معنى فيك يبقى ضعيفًا. كل شيء عندنا معنى الا وهو انكشاف الله في الإنسان المسمّى يسوع الناصري. به تظهر الألوهة غير نظرية، قائمة فينا على تعاليمها وضامنة لفصحيتنا.

الفصح هو هذا العبور الدائم من عثراتنا الى وجه الله، ذلك العبور الذي كان محققه في التاريخ المسيح في جسده وفي كلامه. قيامته هي التعبير الفصيح عن انه قام حيا من بين الأموات لكي لا يبقى للموت فاعلية في الوجود البشري، لكي نصبح نورا والكون من بعدنا نورا.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مكانة المرأة / السبت 20 آذار 2010

سريعا سأتناول دور المرأة في الحياة العامة لأقول توّا إنها مؤهّلة لرئاسة الجمهورية ومقاعد الوزارات والمجلس النيابي ووظائف الفئة الأولى لسبب هو غاية في البساطة وهو اكتشاف العلماء أنها معطاة ذكاء كاملا ليس أدنى من ذكاء الرجل. والقول إنها كائن «اللطف» بامتياز لغو. قوّتها تذهب بها في غير بلدٍ اليوم الى انها تُعيّن وزيرة دفاع اي انها مطّلعة على المدفع والدبابة والطائرة الحربية ولو كان مديرها العام هو التقنيّ.

الى هذا -وبعد اعتقاد الناس في أيام شبابي- أن الشابة مؤهلة للموسيقى والرسم والخياطة والتطريز صارت في الجامعات أقدر من الفتى في الرياضيات وأحيانا تفوقه في الأدب.

لست أودّ أن أبحث في كل مؤهلاتها. هنا يعوزني الاطّلاع. ولكن في معظم العلوم هي قادرة في الحياة العامة، في الإدارة والمال على أن تضطلع بكل المسؤوليات. ولذلك وجب -على هذا الصعيد- ألا نتكلّم على دور المرأة ولكن على دور الإنسان المثقف كائنا ما كان جنسه.

ليس عندي فكرة واضحة عن الكوتا النسائية في انتخاب كل المجالس اذ المرأة في لبنان -على حدّ معرفتي- دون الرجل علما، فقد لا يكون تكافؤ في مستوى النقاش. لذلك أفهم أن يؤخذ المستوى العلمي بعين الاعتبار مع أن هذا ضد الديموقراطية. فإذا تبيّن لنا أن المستوى واحد بين الجنسين على وجه التقريب فلترتفع الكوتا النسائية كثيرا. ذلك أن النسوة حتى الآن في لبنان مزينات بشيء من عفّة اللسان والحشمة مما يجعل المجالس المنتخبة أرقى في أخلاق الكلام وربما أرقى في الرقّة والتواضع.

وربما كانت هذه المجالس أمكنة لتصحيح أوهام الرجال عن النساء. فهنّ عند الكثيرين منهم على شيء من الدونيّة وهن أضعف. واذا اكتشف الرجل المعرفة عند زميلته وبات أعظم تقديرا لها يقوى احترامه لزوجته والقريبات منه.

يجب أن نتحرر من تصوّر المرأة ممرضة او معلّمة وما الى ذلك لممارسة ما طلبه بولس في كلامه عن الخضوع المتبادل بين الناس (أفسس 5: 21).

# #
#
إن شيئا من رؤية الرجل الى المرأة على أنها كائن اللذة لا بد أن يصحّح إن رأى أنها كاملة العطاء وكاملة القدرة في نطاق خارج عن الجنس. اذا رآها موهوبة في كل الحقول او معظمها، يرى كل إنسانيتها ولا يبقى مهووسا بالجنس عند عودته الى بيته. قال لي مرة الأب ديمتري ستانيلوايه الرومانيّ، وكان من أعظم اللاهوتيين الأرثوذكسيين، عندما كنت أتمشى في شوارع بوخارست، وكان كاهنا متزوجا، قال إن الزواج يخفف من وطأة الجنس اذ يجعله يتكامل ووجود سقف واحد وأولاد وعمل. أبني على فكرته هذه لأقول إن المشاركة في الحياة العامة تقوّي التوازن في الحياة العائلية فلا يُنفق عليها كليا فيسيطر ولكنهما ينفقان معا على أهل البيت. ما من شك أن من أعطاك من ماله اذا ضعف روحيا يستكبر فيطغى.

والحياة ليست كلها في الزوجية ولكنها اولاً في ذاتية الرجل وذاتية المرأة. في شبابي منذ خمسين او ستين سنة كانت الفتاة يلقّنها ذووها منذ طفولتها بأن ذروة حياتها عرسها، فكانت تغنج وتتبرّج «تبرّج الجاهلية الأولى» كما يقول القرآن وتحيا للسحر الذي كانت تغذّيه في مسلكها. التبرّج نعرفه من قبل العصور التاريخية. وما كانت صياغة المصريين القدامى أقلّ جمالا من صياغة اليوم. ولكن أن يكون التزيّن طاغيا على المرأة فهذا يجعل اهتمامها بالفكر والعمل ضعيفا. واجب علينا للجنسين أن نجعل كل طاقاتهما متكاملة ليأتي توازن الطاقات أعظم صحة وفي النهاية أكثر خلابة.

أنا ما دعوت الى التساوي فالتكامل هو الصحيح لأنه ثابت عند العلماء اليوم أن هناك سيكولوجية ذكورية وسيكولوجية نسائية ولكنهما لا يتهذّبان إلا إذا سعى كل منهما الى تنمية ذاته. فإذا كان للمرأة ملكات عقلية كاملة فإنها ترغب أن تنمو بها بالاستقلال عن الزواج. الزواج فقط وجه من وجوه النموّ عند المرأة. انها لا تعطي الإنسانية بنين وبنات فقط. هي تعطي قدراتها الكاملة لترى نفسها ليس في المرآة كل صباح ولكن لترى نفسها حيّة ومحيية بالفكر والعمل.

# #
#

أُدرك أن الأمومة باب من أبواب القداسة لأنها تنشئ المحبة والإخلاص ما ذهب ببولس الرسول أن يقول : «إن المرأة ستخلص بولادة الأولاد إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقّل» (1تيموثاوس 2: 15). ولكنها تتقدس ايضا بذاتها، والبتول تتقدس ولا تعرف الأمومة. والبتول الحقيقيّة تمارس أمومة أعظم اذا ولدت لربّها بنات بالروح. قد لا تكون الأم محبة بشكل جارف. قد تكون متسلطة وقاسية. عظمة المرأة ليست بالإنجاب وحده ولكن بنوعية الأولاد اذا تربّوا اي اذا ذهب بهم ذووهم الى الرب. الأمومة ليست شيئا سكونيا ولا هي آلية. هي تعظم بعد الإنجاب بالتقوى. الانسان -أيّا كان جنسه- محبة أولاً ثم فكر وعمل.

أما مسألة التوفيق بين تربية الأولاد وعمل الأم خارج البيت فمسألة حقيقيّة ليس لها جواب أحادي. أمومة أَم عمل خارج المنزل؟ على المرأة أن تُبدع الحل لهذه القضيّة. الحياة كلها جهد. هناك نساء موهوبات للعمل بشكل مذهل، شكل يحتوي تقوى وإبداعا معا.

الى هذا أخذ الرجال ربما قليلا عندنا ولكن كثيرا في الخارج يزداد اهتمامهم بأولادهم. هذا يقتضي منهم قناعة أنهم ليسوا فقط آباء عند اتصالهم بزوجاتهم ولكن عند تواصلهم واولادهم كل يوم بحيث لا تُلقى مسؤولية التربية على الأم وحدها وبحيث يكون حضور الرجال في المنزل يستغرق من الرجل وقتا لا يقضيه في الملهى وندوات الرجال فقط. هناك ضرورة ملازمة الرجل بيته ينظّمها مع زوجته حتى لا يحرم المجتمع قدراتها والتماعها.

المرأة ليست فقط للرجل وليس هو فقط لها. هذا وجه من وجوه الوجود الإنساني. الحضور في الجماعة البشرية لإغنائها هو الوجود. من يفهم هذا يكون حاملا في ذاته وخدمته الله. الله عند الآخرين مسؤولية كل مخلوق عاقل حتى تأتي الجماعة البشرية كيانا مشتركا مؤلها.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الروم الأرثوذكس / السبت 13 آذار 2010

كنيستهم ذات أصول رسولية بمعنى أنه لم ينقضِ زمن من يوم العنصرة لم تكن فيه وبمعنى أنه لم ينشئها إنسان. في المصطلح الكنسيّ القديم يقال عن الإيمان أنه أرثوذكسي وهي كلمة يونانية تعني المستقيم الرأي او المستقيم تمجيده. ذلك أن استقامة الفكر مكشوفة في العبادات. اذًا لا يقال في الأصل كنيسة أرثوذكسية. يقال فقط كنيسة جامعة (كاثوليكي في اللغة اليونانية). وقد قيل عن كنيسة الروم الأرثوذكس في العصور المتأخرة أرثوذكسية كاثوليكية. إنهما في الحقيقة لفظتان مترادفتان. اذًا أن نجعل الأرثوذكسية مقابلة للكاثوليكية غير مستند الى شيء لغويا.

العرب المسلمون سَمّوا كنيسة الروم الحالية ملكانية او ملكية لاعتبارهم آنذاك أنها على مذهب ملوك الروم. هذا لم يكن صحيحًا دائما إذ اختلفنا مع أباطرة بيزنطية في فترة قصيرة على عهد هرقل الذي كان من أنصار المشيئة الواحدة، وبعد هرقل اختلفنا مع الأباطرة الذين قاموا بحرب الأيقونات التي انتهت السنة 843.

يبقى أن التسمية العربية الغالبة كانت صحيحة لأن الروم الذين ذكرهم القرآن كانوا الرومان الشرقيين اي الإمبراطورية البيزنطيّة وهي تسمية غربية لرومان الشرق الذين اعتبروا أنفسهم من إمبراطورية روما التي في حسّهم لا تنقسم. فلفظة روم لم تعنِ يوما اليونانيين. هذا خطأ وقع فيه الأوربيون لما ترجموا عبارة روم أرثوذكس بـ grec orthodoxe  بالفرنسية او ما يشبهها بالإنكليزية. نحن لسنا بقايا عسكر الاسكندر اليونانيين القلائل الذين سكنوا هذه السواحل. لقد أثبت بندلي الجوزي صاحب القاموس الروسي العربي أننا عند مجيء رسل المسيح الى بلاد الشام او الهلال الخصيب كنا آراميين. عبارة روم أرثوذكس لا تعني اذًا أن لنا نسبًا يونانيًا.

اللغة الطقوسية شيء آخر. كانت يونانية في المدن وهذا نتيجة احتلال الاسكندر، وسريانية في الريف. وهذا لا علاقة له بالمذاهب. كل المسيحيين كانوا على اليونانية او السريانية حسب المناطق، وتَعرّب لساننا تدريجيا، وكتبنا العربية منذ القرن التاسع الميلادي، وكنّا فصحاء فيها في القرن الحادي عشر لما كنّا نُجادل المسلمين في بلاط الخليفة العباسيّ في بغداد وما كانت لغتهم أجمل. وبقيت السريانية بجانب العربية في الطقوس، وكان يستعمل الكاهن هذه اللغة او تلك حسبما يعرف رعيته، أي ان الطقس المعروف بالبيزنطيّ كان يؤدّى فترة طويلة من الزمن باللغة السريانية، وكان الإنجيل يُقرأ فيها في كنائسنا حتى القرن السادس عشر.
# #
#
فالقول إن هذه الكنيسة كانت عربية من حيث العرق او الدم او اللغة ليس صحيحا. أما أنها في زمن الثورة العربية في الحرب العالمية الاولى كانت تحسّ بعروبتها فهذا صحيح. نحن في سوريا ولبنان والَينا الأمير فيصل. معنى ذلك أننا رفضنا الاستعمار الفرنسيّ وما نتج عنه من تقسيم الامبراطورية العثمانية.

كنت مرة أحاول مع غسان تويني أن أصف الأرثوذكس سياسيا فقلت له
nous sommes d’empire. هذه عبارة ليس تعريبها سهلا، فأوضحتُ لغسان أننا أحسسنا في بدء المسيحية أننا قائمون في الامبراطورية الرومانية التي هي ذاتها البيزنطيّة. وسلكنا بعد الفتح الإسلامي على أننا ننتمي الى دار الإسلام في حكمها وليس في دينها. وهذا ما أوضحناه للأمويين لما أدرنا شؤونهم المالية وبنينا لهم أسطولا في ميناء طرابلس وهم احترموا عقيدتنا وشعائرنا.

غير أننا لم نحسّ أننا ننتمي الى الإمارات الصليبيّة التي اضطهدَتْنا حتى الذبح. في العهود الإسلامية كلها لم يطبّق نظام أهل الذمّة في كل الأزمنة. وغير صحيح تاريخيا أن عقليّتنا كانت عقلية ذمّية في حين أن غيرنا لم يكن على هذه العقليّة. كل رعايا السلطان العثمانيّ المسيحيون كانوا يدفعون الجزية لما كانت الجزية، ولكنها ألغيت قانونيا في السلطنة في منتصف القرن التاسع عشر لما أخذت السلطنة تسنّ تشريعات مدنية. بتواضع أقول إني أرجو ألاّ يتسابق المسيحيون في رفض الذمّية. أصحابها تركوها منذ قرن ونصف.

الأرثوذكسيون لا يخلطون بين انتمائهم الدينيّ وولائهم الوطنيّ. في حوادث الـ 1958 حيث كان التشرذم مسيطرا على البلد، كان الأرثوذكسيون واحدًا مع الحكم اللبناني ضد ما اعتُبر تدخلا إقليميا. في الحرب الأهلية الأخيرة لم يكن لهم ميليشيا وما باركت كنيستهم ولا لعنت احدًا من أبنائها اذا ما تحزّب لفريق او لآخر. يمكن القول حتى اليوم إن الشعب الأرثوذكسي بجملته لبناني في لبنان وان ليس فيه اي تأزم على هذا الصعيد. أضف الى هذا أن كنيسته منذ صيف 1975 كانت تتخذ مواقف صريحة ضد إسرائيل واردة كلها في سجلّ مجمع المطارنة الذي يرئسه البطريرك، وهذا في حرية كاملة. وهذا الموقف لم يكن مرتبطا بحبّنا للأماكن المقدسة ولكن كان تقديسًا منّا لحقوق الشعب الفلسطيني. نحن ما تكلّمنا مرّة عن مسيحيّي فلسطين ولكن عن كل الفلسطينيين.

في السياسة الداخلية ليس للأرثوذكسيين موقف واحد لأنهم لا يرضون في عمقهم أنهم طائفة من الطوائف. يعرفون أنفسهم كنيسة. لذلك من المستحيل كيانيا أن يمشوا وراء زعامات أرثوذكسية. لم يكن لهم يوما زعيم ليس لأنهم منقسمون ولكن لكونهم يحترمون الخيار السياسيّ لكل مؤمن بينهم باعتبار أن هذا الخيار لا يمسّ الحياة الأبدية.

يقال اليوم انهم يأخذون يعون أنفسهم مغبونين في ما يتعلّق بوظائف الدولة. هذا الأمر أبانته جريدة اللواء من فترة قصيرة بالأسماء والوظائف المختلفة وكان على المقال مسحة من الروح العلمية الكبيرة. منذ عشرين سنة او اكثر كنت أتحدث مع وزير أرثوذكسي في هذا الأمر قال لي لا نستطيع أن نتخذ خطوة قبل القيام بإحصاء.

ربما أتى توزيع الوظائف بناء على قاعدة عدم طائفية الوظيفة. ولكن يحقّ للمرء أن يتساءل لماذا فرّت الوظائف العليا في الفئة الأولى من أكفياء الروم الأرثوذكس وكانوا فيها ليشبعوا من الفتات؟ أظن أننا في هذا البلد تكافأنا الآن في الفهم، ولكن قبل إلغاء الطائفية السياسية (وقال لنا الأعظمون ان هذا قد يأخذ عقدين او ثلاثة) نحن في حكم الطائفية السياسية وفي حكم الاستقامة ايضا والتقدير. هناك أقلوّية معنوية. لا تُجْبروا عليها الطائفة الرابعة في البلد، التي ولو تواضعت في تقدير نفسها ليست دون سواها غيرة على البلد ولا دون أحد على مستوى الشهادات. الولايات العثمانية في بلاد الشام كانت تعرف موهبة الروم الأرثوذكس على مستوى الإدارة والمال.

أنا لست أطلب شيئا الآن ولم نتشاور على مستوى القيادة الروحية، ولكني أرجو أن تقدم الدولة على منفعة ذاتها باستخدامها الصالحين. كان عليّ بن أبي طالب يقول: الفهم، الفهم. أرجو أن يكون لنا دولة قائمة على الفهم.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مسيحيو العراق وغير العراق / السبت 6 آذار 2010

من السهل جدا ان يقال ان هؤلاء تبيدهم او تهجّرهم الحرب الأهلية الدائرة في العراق. أفهم ان يموت المقاتلون من سنّة وشيعة. هذه قاعدة الحروب او أفهم أن يموت الذين يرفضون الاحتلال الأميركي. هذه قصة سلاح. ولكن المسيحيين في الموصل وغير الموصل لم يشتركوا في الحرب الأهلية ولا في المقاومة. لأي سبب يساقون الى الموت او الى إجلائهم عن وطن أحبوه وأسهموا في حضارته منذ عهود سومر وبابل.


ماذا حلّ في العراق الذي كان متعلّقًا جدًا بالعروبة ومن طليعة بلدان العرب في الذهنية المدنية. واذا كانت الحكومة حامية المواطنين جميعا بصرف النظر عن الدين او المذهب لماذا يكون تركيز القتل على هؤلاء ولماذا نتفرّج بهدوء على سفك هذه الدماء البريئة؟ «من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (المائدة، 32). لست أطمئن الى تفسير كل إبادة للمسيحيين في العراق بالقاعدة او اية حركة احيائية وأصولية. فالقاعدة وما يشبهها تقتل المسلمين ايضًا، وهل أثير العداء الديني ولم نبقَ في إطار التأجج الحربي، لست أعلم، وعلى الحكم العراقي ان يفتش. ولكن من يسائل الحكم العراقي؟

ممنوع على المسيحي ان يثأر. هو تحديدا غافر لقاتليه. ولكني لا أستطيع ان أقبل قتل عربي لعربي بسبب من ديانته. هذا أولا ليس موجودا في الأصول. ولم تكن -على حد تحصيلي- قاعدة العداء بين الأكثرية والأقلية واردة في العراق قبل هذه الحرب. هناك قتل مجاني لا أستطيع فهمه الا إرادة في تشتيت المسيحيين في ذلك البلد العظيم. من هو صاحب هذه الإرادة؟

أفهم أن الأميركيين ليسوا غيارى على المحافظة على الأقليات. لم يهتموا لها يوما. ونعرف اين تكمن مصالحهم. كنت أحسب أن الأقليات في عهدة الدولة. لا يبدو ان هذا تحقق في هذا البلد الشقيق او ان ثمة فيه دليلا لتحقيق ذلك. لست عالم نفس ولكني أتمنى أن أعرف من علماء النفس ان كانت الحرب الأهلية تثير شعور بغض ضد الأقليات. هل المقتول دقائق قبل ذبحه يحس بأن القاتل أصبح حقا عدوا لشعوره الديني في نفسه؟ ليس عندي عن هذا جواب. ولكن توضيح هذا الأمر أساسي لمعالجة مستقبل التعايش إن كان ثمة أمل في التعايش؟

# #
#
أرفض على ضوء هذا أن يقول لي أحد: الدنيا قائمة قاعدة، وفي جو هذا التخبط العام يقتل (بضم الياء وفتح التاء) المسيحيون. هذه الحجة مردودة اذ لم يشترك المسيحيون في الحرب. وهذا تهرُّب عند أولي الفكر والإخلاص هناك من التأثير على الدولة لتكون دولة. وقبل كلامهم مع أهل الحكم واجب كل العراقيين ان يصرخوا ويحتجّوا جهارا ليزكّوا ضمائرهم ويبنوا معا عند انتهاء الأحداث وطنا حضاريا.

لست مدمنا على قراءة الصحف لأعرف عما اذا كان مسلم واحد في لبنان صرخ بوجه الجناة العراقيين. أهمية الأمر ان يشهد هذا المرء بأخوّته للمسيحيين في الموصل وبغداد وسواهما او يشهد للمشاركة في العروبة. الصمت قتال. يشعرك انك غريب.

سألني غير مسيحي في لبنان: ماذا سيحل بنا بعد محاولة الإبادة لمسيحيي العراق؟ كنت أعزيه بقولي ان مسلمي لبنان ليس فقط يحبوننا ولكنهم يلحّون على أن بقاءنا معهم ضروري لهم كليا. كنت أقوله لإشاعة السلام في القلوب والإقناع بالتعاون مع المسلمين. ولكني أريد ان تقوى قناعتي بأن ليس هناك رغبة في فئات جهادية تكفيرية ولكنها قوية بإجلاء المسيحيين عن طريق الخوف.

# #
#
ما جرى في مصر اعني قتل أقباط من حيث الكيف او المعنى والبغض الذي هو المعنى الكبير ليس جديدا. هذا أمر ظهر منذ عدة سنوات والحكم ايضا لا يتحرك كأنه يخشى الجماهير او بعض الكتل الأصولية. الا تذكرون ان الأقباط كانوا في طليعة من جابه الانكليز في ثورة 1919؟ ألستم تعلمون ان المنظّر الكبير لحزب الوفد كان مكرم عبيد المسيحي. ألم تقرأوا ان البابا شنودة رفض دائما ان يستعمل لفظة أقليات إزاء التحرش الأميركي الذي كان يريد دائما ان يثير هذه المسألة بناء على شرعة حقوق الإنسان؟ المسيحيون في فلسطين التاريخية أمسوا 2% من السكان. القدس التي كان القسم الكبير منها مسيحيا قبل احتلالها أضحى المسيحيون فيها لا يتجاوزون عدد السكان في قرية مسيحية كبيرة في لبنان او قريتين.

ما الفرق بين الجلاء والإجلاء؟ الجلاء شريط من حرير لا يقتل، والإجلاء شريط من حرير يخنق. الحل في ايدي المسلمين العاقلين الأطهار والأقوياء معا. كيف تصنع آلية للجم القتلة، لست أعلم. التأسف الكلامي لا يكفي. الاحتجاج الصارخ لا يكفي. الإسلام لا يأنف ان يستعمل القوة داخل الدولة او خارج الدولة. ان يباد مئات العراقيين مشكلة كبيرة. ان يُذبح عشرة اقباط او اكثر كل سنة في الصعيد مسألة مطروحة حول الكيان المصري وشرعية الحكم فيه. ازاء كل هذه الفظائع لا يستطيع الوجدان الإسلامي ان يبقى متفرجا ولا سيما ان الألسنة والأقلام تتكلم من زمان طويل جدا على سماحة الإسلام. هل يبقى هذا في حدود الأُمنيات ام تصبح المجتمعات الإسلامية حقا مجتمعات حرة لكل مخلوق عاقل؟

نحن نريد ان نعيش مع المسلمين بالمعنى الأوربي لكلمة حرية، ونريد سلام الله عليهم وازدهارهم الكامل على كل الصعد. هذا ما يقوله على الأقل أتقياء المسيحيين. لست أتحدث هنا عن لبنان حيث القلوب واحدة وفي رؤيتي انها موحدة في صدق كائنا ما كان شكل الحكم او تنظيمه. ولي الحق ان أتمنى صمود الإخوة المسلمين ضد الحركات المتعصبة التي تعمل ضدهم بالقوة نفسها التي تعمل بها ضدنا. ولكن المثال اللبناني لا يقي من التحرك الذي قد يأتي من الخارج.

هذا التحرك يحتاج الى تنديد إسلامي من عندنا والى تحريك إسلامي لبناني لتعليم العرب الحرية لكل أجناس البشر أكانوا قريبين أم بعيدين بعضهم عن بعض في العقيدة. ليس المجال هنا لأشير الى ما يحدث في الباكستان وأندونيسيا ضد المسيحيين. انا اؤمن ان المسلمين العرب هم معلّمو الإسلام السمح في العالم. ولكن هذا يقتضي ايمانا حقيقيا بالحرية الكاملة. كيف يستخرج أئمتهم هذا من تراثهم، هذا شأنهم، وليس عندي صبر لأنتظر الى الأبد الاعتراف بحقي ان أبقى جسديا. هذا من شأنه ان يفيد كل الناس الذين يطلبون الله.

الإله الذي يعبده المسلمون طمأنينتي.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

بركات النور / السبت 27 شباط 2010

أن احذروا الغنى التي علّمها يسوع الناصري، بتعبير او بآخر، تدلّ على أن كلّ ما يفهمه الإنسان يزيده رونقًا او جمالا او فهما ويسرّ به او يعتدّ كأنه مُلك له. نحن لا نملك شيئا لأن كل ما نلتمع به ورثناه بتكويننا الجنيني او سكبه الله في النفس. مواهب من الطبيعة او مما فوق الطبيعة وانت استلمت وما استلمته لا فضل لك فيه. تحافظ عليه وتُنميه او تعطّله او تؤذي نفسك به ولكنك لست بشيء.

أفهم الجهد وأهميّته في تنمية العطايا ولكن اذا كانت تضاعيف دماغك غليظة فلن تصبح ذكيا الى الأبد، والتي وُلدت قبيحة قد تُسعفها عمليّة تجميليّة ولكن الى حد. تقبل نفسك كما انت فليس مصابا أن تكون قليل الفطنة وليست كارثة أن تكون الفتاة قبيحة الوجه إن كانت حلوة النفس، طاهرة السيرة.

الجمال لا ينتمي الى عالم القيم لنعترف له بمكانة في سُلّم القيم. هو مجرّد واقع لا نعرف له غاية الا اذا احتسبنا انه نافع في علاقة الجنسين اذا اجتمعا. ربما كان لله مقصد في هذا. هذا في عالم الإنسان وليس في عالم كل الأجناس. ولست أظنّ أنك تستطيع أن تتعمّق أكثر من ذلك. ربما أفاد هذا في عالم الشعر. غير أن القرآن حذّرنا من الشعر بقوله: «والشعراء يتبعهم الغاوون» (سورة الشعراء، 224)

لا يضرّ الإنسان أن يحمل جمالا جسديا ليس منه ولكنه مدعوّ أن يفهم انه ليس هو صانع هذا الجمال وأن الاعتداد به تاليا مرفوض لأنه نكران لعطاء الخالق واعتبار الجمال مُلكا لصيقًا بمن ارتداه وهو ليس أكثر من رداء. طبعا لا يملك الجميل قدرة على القبح، وعندي أن ليس عليه أن يشكر لله هذا الرداء الذي ارتداه لأنه موروث الطبيعة ولم يهبط من السماء.

الجمال خطر ككل غنى، خطر التصوّر أن المخلوق قد يأتي بديلا للخالق ويسرق فضله. قد يعي البهي بهاءه او لا يعيه. الوعي او عدمه في هذا المجال كلاهما تافه. كل هذا من عالم التراب.

مرّة كنت أحضر في روما تنصيب كردينال كانت بيني وبينه علاقة عمل في مجال تقارب الكنائس وكان للشماس دور عظيم في هذه الحفلة. ولما انتهى هذا من أعماله صرخ بهذا القول الكتابي: «هكذا يَعبُر مجد العالم» ليحذّر الشماس الكردينال من الاستكبار.

اذا نزل عليك مجد الله واعتبرته لنفسك تكون كمن حسب نفسه إلهًا اي تكون قد وقعت في الشرك. لذلك نقول في الرهبانيّة: «ان الراهب وهو بتول اذا فقد المحبة يفقد بتوليّته». انت فقير وبفقرك وحده تنظر الى وجه الله ليصير لك وجه. واذا حصل هذا لا تستطيع أن ترى وجهك، واذا استكبرت وأخذت مرآة لترى نفسك تصير لا شيء حسب قول مأثور عندنا: «من اشتهى انتهى». تنوجد انت بالفقر فقط. كل استعراض زوال للعارض لأن الله يُفني العارضين «حَطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين، ملأ الجياع خيرات والأغنياء أرسلهم فارغين» (لوقا  1: 52-53)

المجد اذا نزل عليك من الله تعيه نعمة ولا تعيه مُلكا. فقد شاء الرب أن يُكلّلك به لقصد يعرفه هو ولا يكشفه لك الا اذا أراد أن تعي مسؤوليتك عند استلامه. من استلم النعمة فقير وعليه أن يعي فقره ليستغني. أما من نسب فضلًا الى نفسه فيمحوه الله. لذلك كانت خير صلاة صلاة التسبيح فهي تفوق دعاء الطلب او السؤال اذ فيه تنال ثم تشكر. اما في التسبحة فلا ترى الى نفسك ولكنك تنظر الى وجه الله فتحبّه وتصبح كلك حنانا.

#   #

#

لعلّ ما يُغري حتى الفتك هو استلذاذ الذكيّ ذكاءه. وما كان ركيزة عقله هذا الدماغ الموروث وقد عمل هو على حرثه. من الكتاب الإلهي نعرف أن الشيطان ذكيّ ولعله سقط من غرور. اما الأعلون في البشرية المتقدسة فليس عندهم وقت ليروا الى أنفسهم اذ يُبصرون فقط وجه الرب. عنده أن من زيّنهم عقلهم ليسوا في نظر الخالق أدنى اليه من المحدودة عقولهم اذ لا فرق عنده بين الناس إلا تقواهم.

ليس ما يدلّ على أن من يسبر غور أسرار الكون يقترب من سر الله. هذه قضيّة قلب: «يا عبد كل شيء قلب» وهذا له ذكاؤه الذي يتصل او لا يتصل بالعقل. وعند آبائنا أن العقل لا يدرك حريته الا اذا نزل الى القلب فتَطهّر فيه ثم صعد الى مكانه. وعندنا أن هذا التلاقي لا يتمّ الا بنعمة من عند ربك وعندئذ يبدأ العقل رحلة التواضع. في هذا المقام تكون الطهارة قد بلغت ذروتها ومن بعد ذلك ليس الا الرؤية.

الذكاء فيه رئاسة وهو خطر ككل رئاسة وسلطان. هذه ليست دعوة الى أن تضربه لأن في ذلك لونا من الانتحار. انها دعوة اليه الا يعمل الا بدءًا من الكلام الإلهي المدعوّ أنت ان تصوغه ببراعة بشرية لا زهو فيها ولا اعتداد «ليكون الفضل لله لا لنا». ووظيفتك عند الناس ما عبّر عنه القرآن: «فذكّرْ انّما انت مُذكّر لست عليهم بمسيطر» (سورة الغاشية، 21و22) بمعنى أن ذكّر بالكلام الذي نزل من فوق وانت اياه مُبلّغ. استحسن الأسلوب. هذا شأنك وليس ربك ضد الإبداع البشري اذا صحّ اننا مبدعون.

قد يأتي الرد عليّ أن الذكاء جاء بالعلوم والفلسفة والآداب وما اليها وهذا جميل. الله لا يهمّه الجمال ولا يهمّه العلم. همّه الحقيقة التي فيك والقادر انت أن تعطيها. العلماء يقتربون من الحضرة الإلهية او لا يقتربون. الأذكياء ليسوا مضمونين من قبل الرب. هو يبارك فقط للفقراء اليه الذين يعرفون انهم يأتون من رضائه. هذا الذي يُكوّنهم مما يفوق كلّ عقل ووصف.

يؤثّر فيّ الغافل عن العلم اذا أتاه ربّّه علما لدُنِيا (بضمّ الدال وكسر النون) ينكشف له كل حب يعلو به. اجل يحتاج الإنسان الى أدوات المعرفة ليتدبّر أمور دنياه. وهو لا يتدبّر في العمق البشريّ شيئا إن فاتته خبرة المحبة التي ليس قبلها ولا بعدها شيء وهي التي تخلص الفطِن والغبيّ بالقوة نفسها. وكلاهما يُدان بالحدّة الإلهيّة الواحدة على فكرهما وأعمالهما.

لستُ أعرف روحانيا واحدا في تاريخ التوحيد احتقر العقل. ولكني أتعجّب دائما من الذين لا يعرفون حدوده ولم يسمعوا بسقطاته او بخطر استكباره. انا ما تكلّمت على القلب المائع بذاته. هذا هو ايضًا استكبار. ولكني كما أخشى صلابة الانفعال وعصبيّة القلوب أخاف من انغلاق العقل على ذاته. هذه ربوبيّة مشركة. اما اذا تذلّلت في حضرة الرب فتفتح أبواب العقل والقلب معا وتكون اتخذت لنفسك مقاما علويا هو مقام العشق.

ما أجمله موقفا للفاهمين أن يساووا أنفسهم بمن دونهم فهمًا اذ يكونون قد شهدوا أن الخلاص هو المحبة. وهذه هي التي دبّرت العقل عند بدء المعرفة في الحضارة التي ورثنا.

كلّ آبائنا قالوا إن الخطيئة الأولى والكبرى الى يومنا هذا هي الكبرياء التي اذا حللتها كانت خلع الألوهية عن الله لكونها عبادة للذات. اما اذا تقبّلت العقل الإلهي فيك تتأله كما يقول الروحانيون في كل مجالات التوحيد. هؤلاء وحدهم يحقّقون في ذواتهم: «قل هو الله أحد» (سورة الإخلاص، الآية الأولى). أما من أقام نفسه منعزلا عن الحكمة الإلهية فينسب الفهم الى بشريّته وحدها.

الجمالات التي هي فقط من الدنيا بما فيها الجسد ولذّاته وسلطانه ورونقه انما هي في حقيقتها زينة لأهل الدنيا وتذهب بهم كما تذهب بدنياهم اي الى التراب اذ كانوا ترابيين. اما الذين استضاؤوا بالنور الإلهي فيصيرون قامات من نور ويعرفهم ربّهم على أنهم له الآن والى أبد الآباد. هؤلاء يقومون فقط أمام الله ويجيئون منه الينا ونحيا ببركاتهم.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الفقر / السبت 20 شباط 2010

الصوم زمان الفقر. أيا كان أمرنا مع القاموس نستعمل لفظة الفقير ولفظة المسكين مترادفين. على ضوء هذا أقول انّ الفقير هو الذي عنده حاجة لا يصل اليها. والحاجة إن تعسّرت تُوجعك. وحيث لا وجع لا حاجة. لهذا كان الناصري الذي توقّع آلامه هو نصير الدائمين في الحاجة اي الواقعين تحت لعنة الدهر، المقصيّين عن انتباه الميسورين، المرميّين خارج الإشفاق وبخاصة خارج المحبة. انهم الطوافون على الأبواب اذا تسوّلوا او الباكون على حرمان أطفالهم من العشاء او الفطور وأعرف عن بعضهم أنه كان يُغمى عليهم في الحرب في إحدى مدارس بيروت اذ لم يجد لهم ذووهم لقمة عيش في بعض أحوال الضيق.

انهم أذلّة ولو جاءتهم صدقة لأن الشعور بالمحرومين كثيرا ما لا يرافق العطاء. هؤلاء كما أصفهم هم المحكيّ عنهم في الإنجيل. ويسوع الذي كان منهم يسمّيهم إخوته الصغار، ونحن نعرف أنه هو وتلاميذه كانت بعض التابعات له يتصدّقن عليهم. وكانوا يأكلون من السمك الذي يتيسّر لهم من بحيرة طبرية ولست أرى دخلا آخر للجماعة. وربما كان بعض مناصري يسوع يتصدّقون عليه ايضا اذ كان بين تلاميذه من يتولى الصندوق وهو يهوذا الإسخريوطي. نعرف أن من كان عندهم أموال هم الصدوقيون. اما باقي الشعب فكان وسطيّ الحال او دون ذلك بكثير.

في هذا الوضع كان للناصري تعليم عن الفقر واضح وتاليا عن الغنى. هناك كلمات على الأغنياء تبدو قاسية. هل هي صورة عن الصدوقيين الذين ما كانوا يؤمنون بالقيامة وكانوا عملاء للاستعمار الروماني. أدنى درجات خلافهم مع السيد انه هو كان يؤمن بالقيامة. والولاء للرومان كان بلا ريب خروجا عن الأمّة. غير أن الأهم من كل ذلك أن كان ثمة المعروفون بالفقراء الى الله وتقديرنا أن مريم كانت منهم وأن زكريا أبا يوحنا المعمدان (او يحيى) كان ايضا منهم وزوجته أليصابات كانت نسيبة لمريم. هؤلاء وصحبهم كانوا مقصيّين عن الذوات في إسرائيل.

*       *

*

بغضّ النظر عن كل هذا التأمل التاريخي، يمكن إيجاز فكر المسيح في موضوع الغنى أنه خطر على صاحبه لكونه شهوة جامحة قلّما يستطيع صاحبها أن يتحرّر منها او لا يقدر على ذلك بقواه الشخصيّة. ويتمكّن من السيطرة على نفسه اذا استولى الله عليها. المطرح الكلاسيكي هو حديث يسوع مع شاب غنيّ حفظ شريعة موسى كلّها وسأل السيد بعد هذا «ما يعوزني؟». أجابه يسوع: «اذا أردتَ ان تكون كاملا فاذهب وبعْ ما تملكه ووزّع ثمنه على الفقراء وتعال اتبعني» (متى 20:19 و21). لست أعتقد أن المسيح يريد لنفسه فئة كاملين وفئة غير كاملين. ليست هي توصية الكمال الرهبانيّ كما ذهب بعضهم اذ لم يرد حرف واحد على الرهبانية في الأناجيل الأربعة. عندي أن القول موجّه الى الشاب بالذات الذي كان تعلّقه بالمال يمنعه أن يكون كليا لله. مُلك هذا الشخص كان يمنعه أن يلتصق بيسوع. لذلك قال له اتبعني. المعنى أنه يجب أن نقطع من ذواتنا كل ما يحول دون اتّباع الرب بصورة كاملة.

بعد هذا يصل يسوع الى تعليم يتجاوز هذه المقابلة فيقول لتلاميذه: «الحق أقول لكم يصعب على الغني أن يدخل ملكوت السموات». استعمل فعل صعب وليس استحال فأكمل فكرته بقوله: «مرور الجمل في ثقب الإبرة أسهل من دخول الغني ملكوت الله». صعب جدا على الغني دخول ملكوت الله لأنه يتّكل على ماله. يظن ان ماله يخلّصه. غير ان التلاميذ لما تعجبوا من هذا القول قال لهم: «هذا شيء غير ممكن عند الناس، اما عند الله فكل شيء ممكن». السؤال الذي يطرح نفسه هو هذا: هل يصنع الرب أعجوبة فيخلّص الغني المتمسك جدا او كليا بماله ولا يفعل شيئا للناس؟ السؤال التالي هو ماذا يعمل الغني لينقذه الرب من الجشع، من عشق الفضة كما نقول في بعض صلواتنا؟

المقطع الذي لا يقل صعوبة عن الحوار مع الشاب الغني قول السيد في متى ايضًا: «لا تجمعوا لكم كنوزًا على الأرض… بل اجمعوا لكم كنوزا في السماء… فحيث يكون كنزك يكون قلبك» (6: 19-21). اين يكمن الخطر؟ كسب المال عملية تستغرق قوى الإنسان وتقوده بسهولة الى نسيان الله. هناك خطر البخل والاستعلاء والاعتداد بالنفس القادرة على الربح. إغراء الأغنياء أن يتصوروا حذقهم طريقا الى الكسب الكبير. ينسون الإخاء الذي يأمر بالعطاء. ينسون الموت.

هناك اغنياء في الإنجيل ربحوا الملكوت مثل زكا العشّار، نيقوديمس، يوسف الرامي.

عندنا كلمة اساسية في متى وهي «محبة الغنى» (13: 22). لعلها مفتاح هذا البحث كله. مقابل الغنى لا يرد كثيرا على لسان يسوع الدعوة الى تبديد المال على المساكين. يقابل عنده غرور الغنى الاستغناء بالله. غير أن تعليمه الجارف عن محبة القريب اي كل انسان يسوق الى العطاء. ولم يكن ليسوع ان يتوسع في موضوع العطاء الذي كان كثيرا ما ورد في المزامير واشعياء وبقية الأنبياء. يسوع لا يوازن بين البخل والإحسان ولكنه يوازن بين عشق المال وعشق الله والباقي يأتي زيادة.

*        *

*

يأتي بولس بعد السيّد ويهتم بجمع مال من الدنيا كلها لفقراء أورشليم ويتحدّث عن المشاركة. واذا تابعنا ما جاء في رسالة يوحنا الأولى الجامعة عن أن الله لا تعامله الا كما تعامل الإنسان الذي تراه، نفهم أن الفكر الجامع الذي انبثق عن يسوع الناصري شاع عند أتباعه ومفسري كلمته ولاسيّما عند الآباء القديسين مثل باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم القائلين بأن الإنسان لا يملك شيئا بل هو مؤتَمَن على ملك الله الذي في يديه. بكلام أوضح، التعليم عن الفقر والغنى لا نستكمله الا اذا تتبعنا الخبرة المسيحية في العطاء مبنية على إقامة المؤسسات التي شُيّدت لخدمة الفقراء وعلى تعاطي بعض المومنين وأوّلهم الرهبان الفقر الاختياري الكامل حيث لا يملك أحد فلسًا واحدًا.

لا يمكن فهم التراث المسيحي في هذا المجال الا في هذا أن الرب يريد نفسه حبيبا واحدا لك. ليس انه يريدك جافّا او فاترا مع زوجتك وبنيك وبناتك وأصدقائك ولكن كل هذه المودات وان وجب ان تكون قوية ليست الحب المطلق وفي هذا في الإنجيل كلام كثير.

البنية الأساسية في المسيحية هي انكم جسد المسيح اي قائمون في التماسك الكامل والتعاضد المستمر واذا كنتم جسد المسيح فالإخوة أعضاء فيه أفرادا وما لي هو لك وما لك انت مدعوّ لخدمتي به ولستُ مخوّلا ان أسرقه لكونك أخي. جماعية المُلك هي الأمر الإلهي وانت هالك إن لم تنفّذها بما يوجعك. اما اذا بقيت متكلا على ما عندك ومستريحا جدا لما عندك فهذا فيه عطاء قليل لا يخلّص نفسك ولا يستريح الفقير به.

هذا لم يوضع له ميزان او نسَب او حصص. هذا ليس متروكا لتقديرك الدنيوي. انه متروك لحبك الكبير الذي لكونه لقاء الإخوة يصير لقاء الله. وانت تخلص اذا رأيت وجه الله. وهذا لا تراه الا في المريض والحزين والفقير والمعزول والمهمّش. ان تذوب في كلّ هؤلاء مهما كلّفك الأمر قد يوصلك الى أن تشعر بأنك ممحوّ من دنيا الكبار والنافذين والفاهمين مصالحهم بحيث يحسبونك على شيء من الهبل.

هذا وحده يوصلك الى رؤية الحقيقة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الصيام الفصحيّ / السبت 13 شباط 2010

نحن فصحيّون أو نشتهي أن نكون كذلك. سندخل بعد يومين في هذا التوق بالصيام المسمّى الأربعيني وهو تربية تُقوّي فيها هذا التوق يوما فيوما وجهادا بعد جهاد لنستحقّ صبغة النور في عيد القيامة. نور للروح ونور للجسد في المساكنة التي بينهما الى حدّ التلاحم. ونحن لسنا في حديث قمع أحدهما للآخر. وإن أباحت اللغة استعمال كلمة إماتة فليس لنتحدّث عن إماتة للبدن، ولكن لكي نتكلّم على إماتة الأهواء والشهوات النابعة منها بغية اتحاد كياننا وكيان المسيح. بلا معرفة هذا الهدف، يأتي صومك متعة حرمان بشكل حمية.

ليس عندنا أمر إلهيّ بالصوم في الإنجيل. ولكن عندنا ما هو أبلغ، أعني صيام المسيح في البرية عندما كان يجرّبه الشيطان. أما زمان الصوم وتنظيمه وأطعمته فرتّبتها الكنائس منذ القديم كلّ واحدة منها في خيارها حتى اصطلحت الكنائس على أن نخصّص فترة أربعين يوما للرب متهيئين للعيد. وقد فهم آباؤنا في خبرتهم الروحية وبعدهم فرويد أن لذة اللسان واللذائذ الأخرى مترابطة، وأنك إن استطبت كثيرا وفي شراهة او رهافة تذوّق ما يؤكل يجعل تشهّيك خطرا على النفس، وتدرك أن الانكفاء عن بعض طعام وعن الخمر يقرّبك من الهدوء، والهدوء الداخلي يهيء لك سبل الرؤية وربما سبل الرؤيا.

لذلك كان قومي الى عشرات من السنين يتناولون وجبة واحدة في اليوم بعد أداء صلاة الغروب، وهذا أمر تحدّث فيه القديس أبيفانيوس القبرصي في القرن الرابع، وكان ذلك قبل التشريع الكنسي الذي اتّخذ فقط في المجمع الخامس- السادس في اواخر السابع.

ثم استرخينا، ولانعدام النص المقنن، أخذنا نفطر عند الظهر، ولكن استسلمنا بالصلوات كلّ يوم اذ الصلاة عندنا هي الغذاء سألني أحدهم مرّة: ماذا تأكلون؟ قلت: «نأكل صلاة». لست أعلم اذا هذا المرء فهم جوابي ولكني أعرف حقيقة جوابي. كيف تدخل في الحركة الصيامية كلها وكيف تسوق نفسك الى ضياء الفصح ذلك كان السؤال، وإن لم تفعل هذا فأنت مستغرق في جسدانيتك حتى غور أخطائها. هل تريد أن تستبق الانبلاج لأنوار العيد لتعرف نفسك إن كانت ذوّاقة لعيد الأعياد وموسم المواسم أَم يكفيك تراكم الأيام تافهة عليك؟ هل أنت متململ حتى تجنح ام تقودك الأيام في حزنها؟

*        *

*

هناك غير البعد التقشّفي الفردي. هناك لصوقنا بالجماعة. نحن نصوم معا لكوننا نستقبل القيامة معا. انت تتطهّر مع الإخوة وفي سبيل الإخوة. نحب أن نعرف أننا جسد المسيح في الجهاد الواحد، في التوثّب الواحد انتظارا لليقظة الواحدة اذا حان حينها.

هذا يرافقه تتابُع مع الصلوات المفروضة وتلاوة الفصول الإنجيلية الموضوعة ولا سيما في الآحاد وهذا كلّّ مسبوك او منسوج لكي ما ترقى من درجة الى درجة في العبادة ومن العميق الى الأعماق لأن النفس الصائمة تحب أن تحب وأن تشفّ لتتقبّل النعمة الراضية عنها وتكونها في بلّورية السلام.

نحن نعرف أن آباءنا الذين رتّبوا القراءات يوما بعد يوم وأحدًا بعد أحدٍ وذكرى قديس بعد ذكرى إنما كانوا صوّامين يوصلون الصلاة بالصلاة والدعاء وبالدعاء، تعبهم راحة، وانتقاص الأشياء عندهم غنى لكونهم يستغنون بما ينزل عليهم ولا تفوتهم بركات ويبلغون نهاية عزمهم متحسّرين على انقضاء صوم مبارك.

ماذا نزل على أكابرنا حتى نسقنا كل هذا الجمالات خلال سبعة قرون وأن نلازمها بدا لنا الحياة. لذلك نتوب في هذا الصوم او نحاول. كيف نصبح ناسا جددا هذا كان السؤال. كيف تتحول وجوهنا الى وجه يسوع هذا يبقى الهمّ. في هذا يتبيّن ايمانك لأن بعض الإيمان مراس والمراس وحده برهان الحب. الكلام في الروحيات بعض روحيات ولكنه ليس كلها. الكل في المصلوبية التي تفرضها المحبة. وفي مصلوبيّتك تنتظر تفجر القيامة على رجاء أن تزول عتمات الخطيئة كلها.

في هذه الأربعينيّة المقدسة وفي تلألئها تشبه كنيسة الأرض كنيسة السماء. كيف تأخذنا الأشواق؟ الكلمات الخارجة من فم الله تصير هي الشوق والإقامة معًا. فالسماء تنزل عليك شرط صعودك اليها.

*        *

*

السماء تنزل عليك وعلى الإخوة الفقراء اذا أحببتهم اذ كان أحد العناصر التي أوجبت الصيام قبل تقنينه في القرن السابع أن ما يوجبه الصوم التصدق على الفقراء بثمن الطعام الذي يمتنع المؤمنون عن استهلاكه، فقد كتب احد الآباء المعروفين بالمُدافعين عن الإيمان الى الامبراطور داعيا إياه الى عدم اضطهاد المسيحيين وذلك في القرن الثاني اذ قال ما مفاده اننا نحن المسيحيين عندنا حسنة، وهو أننا نُمسك عن الطعام إن وجدنا بيننا فقيرا لا يأكل. وقد قال القديس يوحنا الذهبي الفم المتوفى السنة الـ 407 أن روما لم يبقَ فيها فقير وثنيا كان أم مسيحيا بسبب عناية المسيحيين بكل الفقراء. هذا ما يدلّ على ارتباط التقشّف الشخصي بالمحبة الأخوية. وما يدل على أن المسيحية مركّزة ليس على التطهّر الذاتي وحسب ولكن على التعاضد والتمسك الجماعي. هو التنسك من أجل الإخوة.

من الواضح أن روحية الصوم الأربعيني هي التي أثّرت في نشوء الأصوام الأخرى. توزيع الإمساك على فصول من السنة مختلفة يجعل لممارسة الصوم إيقاعات خلال السنة فيتربى المؤمن على الاعتدال ويحفظ نفسه في ما قلّ ليذكّرها بأن اهتمامها آخر. واذا جمعت هذه المواسم الى الإمساك يومَي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع ترى أن معظم أيام السنة في الكنائس الشرقية صياميّ وما نتوخّاه من هذا أن نضبط النفس لئلا تستكبر.

«ادخُلوا من الباب الضيّق». تلك هي التوصية الضامنة للخلاص. المسيحية فعلية بحيث انها تسعى الى تطويع المؤمن لربه نفسا وجسدا وليست ضائعة بالتنظير والتخيّل. المسيح فيها حاكم للملكات البشرية كلها حتى تتناسق وتُنتج معا لتجعل الله سيدا عليها، واذا تواضعت أمامه يرفعها من الموت كما رفع حبيبه.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

كنيسة الخطأة / النهار، السبت ٧ شباط ٢٠١٠

عرّف المصلح الروتستنتي الكبير الكنيسة بقوله انها جماعة المؤمنين. عند القديس افرام السرياني عندنا تعريف أدقّ وهي انها كنيسة الخطأة الذين يتوبون. هذا يتضمّن اننا جميعا خطأة وان بعضنا يتوب. اما تعريف بولس الرسول وهو أدقّ منهما كليهما أنها جسد المسيح. انه هو رأس هذا الجسد المتكوّن منه والنازل منه، وهذا يستتبع أن ما نسمّيه الكنيسة كيانه المطلّ على التاريخ. انت من الكنيسة إن سكنك المسيح بمواهب روحه. هو إذًا يعرف من هم له ونحن نعرف بعضنا بعضًا بما يبدو أي بالمعمودية ومشاركتنا في المقدسات.

من هذه الزاوية ليست الكنيسة مؤسسة قائمة على تراتبيّة درجات او مناصب. هي حياة في المسيح كما قال الأب سرجيوس بولغاكوف العظيم. المنظور في الزمان والمكان مجتمع مسيحيين، تراكُم مسيحيين وهي رؤية في عالم الاجتماع اي ما يسمّى في لبنان طائفة قابلة أن تصير كنيسة اذا هذه الطائفة كانت تتحرك بالتوبة، اي اذا كانت تسير نحو مجد الله.

أنا وأنت نرجو أن نصبح من الكنيسة. وسيقول الله لك ذلك في اليوم الآخر. بانتظاره نحب بعضنا بعضا او نسعى، وإن لم نحب نبقى جماعة من الدنيا اي من السياسة، وليس لنا نصيب مع المسيح وليس هو نصيبنا. لذلك ليس في الحديث عن الكنيسة مكانة للعدد ولا للمال ولا للأوقاف. وأن يُعدّ المسيحيون حوالى مليارَي نسمة فهذا من باب علم الاجتماع وليس من باب اللاهوت. المسيحية نوعية وجود. في مجال الحق ليست الأجساد شيئًا. الى هذا ليست المسيحية عائلات ولا قبائل ولا رعايا منظمة إكليروسًا وعوامًا. هي الروح القدس فاعلا.

المسمّون مسيحيين بناء على معموديتهم فقط هشاشة لأن كل ما كان من العالم الهش. المسيحيون ليسوا من هذا الدهر. انهم من الدهر الآتي اذ وهبهم ربّهم المُلك الآتي كما يقول يوحنا الذهبي الفم في قداسه. لذا لا معنى لقول الناس ان موقف المسيحيين او بعض منهم هو كذا او كذا في سياسة العالم. المسيحية ليس لها كلمة في السياسة. قد تكون ثمة كلمة لمجتمع القوم المسمّى مسيحيًا. هذا لا علاقة له بيسوع الناصري. ما يُحزنني في بلدنا أن الطوائف المسيحية تتحدث في السياسة. هذا غير ممنوع عليها. غير أن هذا كلام يخصّها من حيث انها مجموعة من الدنيا اذ لم أسمع من زعيم من زعمائها أيّ ذكر للمسيح ولم ألحظ استقاء من الإنجيل.

يبقى أن هؤلاء المسيحيين غير الممارسين او الممارسين موسميا هم إخوتنا لكونهم معمّدين بالماء والروح او بالروح والنار. نهتم بهم اهتماما بالغا لأنهم خراف يسوع علموا أَم لم يعلموا. يستطيع الإنسان أن يجهل هويته. نقرأها له عنه يحبها فينتمي. الإنسان ينتمي الى الرب لا الى بشر. لذلك نسعى معا الى إصلاح ما يعتبرونه مؤسسة لأنها حاضن. والعبادات حضن واللاهوت المستقيم الرأي غذاء. كل شيء هو للإخوة.

عطاؤنا لا يمنعنا أن نتألّم في الكنيسة. قد لا تكون بيئة موجعة مثلها لأنك تتوقع الخطيئة في كل مكان وتتوقع أن تكون الكنيسة مكان البر. الذين ترجو منهم متعة روحية لا يصل اليك منهم شيء او يصل ما يخيب ويحزن ويعيدك هذا الى عزلتك في جماعة الرب. الكنيسة في واقعها التاريخي بشر والبشر واقعون في بشريتهم وهي عند بعض نتنة. عندما يصوم الرجاء يبتعد الكثيرون اذ كانوا يحسبون انهم يعاملون من عليه صبغة الله ولا تجد أية مسحة ألوهة على ناس فرضت عليك معاشرتهم واذا بقلبك يبكي في كل حين.

الجهالة الدينية في اوساطنا المسيحية مريعة. كيف يحيا ألوف من الناس بلا أدنى اطّلاع على أبسط أركان العقيدة؟ والمصلّون ماذا يفهمون من كلمات صلواتهم؟ هل نحن نجمع المؤمنين على مختلف أعمارهم ليذوقوا الإيمان ويحيوا به؟

هذا غياب. من المسؤول عن الجهلة ومن المسؤول عن تشويه الإيمان وعن تفه الكلمات التي يعرض بها. الجهلة ايضا أحباء يسوع. من يقول لهم انهم كذلك؟ يقول لنا علماء الإحصاء ان المسيحيين منذ ألفي سنة هم ستون مليار إنسان. هؤلاء كلهم ماذا عرفوا؟ ماذا فهموا؟ الى أين وصلوا بالحب؟

اذا كانت كلمة الله هي الإيمان اين كنا، اين نحن من الإيمان؟ بشر، بشر، بشر. المريع انك لا تجد إلها على الأرض. من مصلحة الناس أن يحسبوا إلههم في السماء اذا تربّع فوق هو لا يحاسبنا هنا. بلنأكل ونشرب لأننا غدا نموتا (1كورنثوس 15: 32).

من يشعر أن انطباق سلوكه على الكلمة هو كل حياته وأن ما دون هذه النوعية من الحياة لحم ودم ولهو وزينة. ولعل بعضا يتحرك وكأن الطقوس تعطيه كل شيء. عندي أنه في هذا التراث المسيحي او ذاك هي قمة الوجود او دسمه او فرحه. ولكن اذا سكرت في أشكالها ولم تمتصّ معناها لتُحوّلها الى نار فيك تصبح مائتة ومميتة. تنهي فيك التوثب الى أحضان الرب وتظلّ سجين هذه الأرض.

وتدخل في السجن اذا تحوّلت الكنيسة عندك الى مؤسسة. يهمك عدد الناس في طائفتك وأموالها وظهورها اليوم وأمجاد أمسها ومقارنة مجدك بمجد الآخرين. منافسة الأمجاد أنظومة دينية عند بعض بحيث تكون شاهدًا على ما هو بشريّ. تجمع في ذهنك وأحاسيسك ما يمكن تسميته دينا ولكنه ليس بالإيمان.

أجل لا معنى بلا شكل، بلا صورة وقد تكون الصورة غنية وكثيرا ما ذقنا الصورة ولم نذق معناها. قد تتعصب مثلا لما تسمّيه انت الأرثوذكسية ويكون شيئا بشريا بحتا لا علاقة له بالمضمون وتكون في الواقع مفتّشا عن نفسك، عن بقائك في هذا الدهر ولا سعي فيك الى ملكوت الله. أحيانا تصعد الى أطر الصورة اذ فيها جمال. تركّب لنفسك دينا جميلا ولكن ليس فيه روح الله ونعلنك ارثوذكسيا اذ ينبغي أن تنال جنازة أرثوذكسية تتوقع تأبينا لك فيها وتكون قد دخلت الكنيسة من بعد موت ليُقال عنك حسنا ولا سيما اذا كنت من كبار القوم. هذا الدين الحسّي يحمل في نفسه طيّات حياة وطيات موت ويُشيّعك كثيرون أرواحهم مائتة.

يبقى أن كل هذه الجماعات المهمّشة، المكسورة هي من إخوتك. انت لا تحكم على ما يبدو منها ولا تدين ولا تستعلي عليها. في رؤيتك اياها كثّف محبتك لها.  تدعو لها بأن تعرج على الله حتى تحبه يوما حبا كثيرا. تكون كانت بعضا من كنيسة الخطأة. تصبح بعطائك كنيسة خطأة تائبين وانت لا تعلوها لأنك ربما عدت عن توبتك. غير أني موقن أن من عرف التوبة يوما وسقط يعود اليها لأنه يعود الى نكهة ما ذاقه قديما في نفسه من جمالات الله.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الابن الوحيد / السبت ٣٠ كانون الثاني ٢٠١٠

الابن الوحيد اذا قيلت عن المسيح هي إياها الابن الحبيب. لم يسمّ في العهد الجديد ولد الله. مرة واحدة في رسالة يوحنا الأولى الجامعة قيل إنه مولود من الله. سُمّي الناصريّ مولود مريم. البشر نعتهم الكتاب بأنهم أولاد الله. القول اذًا إنه ولد من حيث هي تسمية غير واردة عندنا إلا في بعض المواضع الطقوسية النادرة جدا. الابنيّة او البنوّة هي التسمية. غير أني لست معالجا مصدر الابنيّة مباشرة كما ورد في دستور الإيمان النيقاويّ في عبارة بإله حقّ من إله حقّا. قصدي أن أصل الى هذا من بشرية المسيح.

         أتخذ معمودية الأردن منطلقا لكلامي على الابنيّة. قبل أن عمّده يوحنا  المعمدان أو السابق قال عنه هذا:بهوذا حمَلُ الله الذي يرفع خطيئة العالما (يوحنا 4: 29) أي انه في سياق الحديث عن موته وبعد اصطباغه شهد بأن هذا ابن اللها. هذا ليس قولا واضحًا عن أزلية العلاقة بين الآب والابن. هنا عندنا ابنيّة مكشوفة في بشرية المسيح المصطبغة في الماء. يوحنا الإنجيليّ ونهجه أن ينزل من ألوهيّة المسيح الى بشريّته يصعد هنا من البشرية الى الألوهة.

         متى الذي يركّز على البشرية يذكر المعمودية. بعدها «انفتحت السموات ورأى السيد روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه، وصوت من السماء قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ» (3: 16 و17) هكذا عند مرقس بصورة شبه حرفية. كذلك لوقا.

         ماذا يعني هذا الكلام الواحد في سرد حادثة المعمودية في الأناجيل التي نسمّيها إزائية (متى، مرقس، لوقا) بسبب من تشابهها الكبير في عيد الظهور الإلهي (6 كانون الثاني) الذي يسمّيه العامّة الغطاس؟ تقول العبادات عندنا انه إعلان عن سر الثالوث المقدّس. ولكن لماذا يُنزل الله هذا الكشف بمناسبة صبغة المسيح في الأردن وهذه الصبغة نعرفها في لاهوت العهد الجديد ولا سيما عند بولس انها رمز لموت المسيح وقيامته (النزول في الماء هو النزول في الأرض، والارتفاع عنه ارتفاع عن الأرض).

         أظن أن مفتاح فهمنا لهذه النصوص المتشابهة هو ما ورد في إنجيل لوقا عن التجلّي.

#                                   #

#

         صعد يسوع الى جبل ليصلّي. لعلّ الجبل ثابور ولعلّه حرمون اي جبل الشيخ بوفيما هو يصلّي صارت هيئة وجهه متغيّرة ولباسه مبيضا لامعا، واذا رجلان يتكلّمان معه وهما موسى وايليا اللذان ظهرا بمجد وتكلّما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمّله في اورشليما (٢١:٩-٣٨). هو في مجدٍ خرج منه، والنبيان في مجد نزل عليهما من فوق، وكان الحديث عن آلامه. هذا ما عناه القول: خروجه في أورشليم. ثم بكانت سحابة فظللتهم (أي التلاميذ الثلاثة الذين رافقوه الى الجبل). فخافوا عندما دخلوا في السحابة. وصار صوت من السحابة قائلا: بهذا هو ابني الحبيب. له اسمعواا (٢٤:٩ و٢٥).

         هنا على الجبل ليس عندنا عبارة بوبه سُررتُا، ولكن عندنا حديثه مع موسى وإيليا، وهنا أتجاسر أن أستقرئ أن ما قاله الآب على نهر الأردن معناه أن سرور الآب بالابن يدلّ بالدرجة الأولى على سروره بالابن المتألّم اذ هكذا تمّت مشيئة الآب. وأثناء الحوار مع النبيين انكشف المجد عليه ومنه على موسى وإيليا. الله يظهر على ابنه المجروح على الصليب وقد قال يوحنا الإنجيلي غير مرة ان الصليب مكان المجد.

         وإذا لم يكن من مجد في السماء وعلى الأرض إلا مجد الله من جملة هذه الأقوال نتبيّن أن موضع المجد الإلهي بامتياز كان جسد المسيح في جراحه. وعندما يقول يوحنا في مطلع كتابه: بوالكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدًا كما الوحيد من الآبا. يكون قد ربط بين مجده ووصفه وحيدا من الآب. ووحيد وحبيب واحد في العهد الجديد. ويكون يوحنا مردّدا، على طريقته، ما قيل  في صبغة المعلّم في الأردن وتجلّيه على الجبل. ويكون نزل من كلامه عن الكلمة في بدء روايته الى بشرية المسيح ليرى مرتسما عليها المجد الإلهي.

         بعد نزول الكلمات تصاعدها. هذا ما نلمسه في أجلى بيان في بشارة متى اذ يقول: بليس أحد يعرف الابن الا الآب ولا أحد يعرف الآب الا الابنا (٢٤:١٠). هذه الآية لا يمكن فهمها ما لم ندرك أن جذر عَرَفَ، يعرف في كل الكتاب المقدس ولا سيما  في العهد العتيق لا يعني إلا تلك التي تربط الرجل بالمرأة. التي هي وحدة بينهما حتى صيرورتهما كيانا واحدا (وفي التكوين ثم عند بولس جسدا واحدا). اي ان الآب والابن معا، وبسبب من التبادل بينهما، يحب الواحد الآخر حبا يقف عندهما ويجعلهما كيانا واحدا. المحبة عندنا هي وحدة الألوهة وهي تشكل الرابط بين الوجوه الثلاثة (وهم ليسوا ثلاثة رقمية) ونسمّيهم الآب والابن والروح القدس.

         من كل هذه الأقوال نستقرئ أن فكر العهد الجديد يجعل كل مجد الله على وجه يسوع المسيح. الانسان البارّ والطاهر الذي فقد كل انفعال بشريّ وتنزّه عن كل شهوة نرى أن أنوارا إلهية ارتسمت على وجهه. هنا نرى أن بشريا واحدا مولودا من امرأة كما يقول بولس اسمه يسوع الناصريّ مصبوب عليه كل مجد الله وليس عليه أي ارتسام من مجد هذا العالم.

         لقد أراد الله لفهم سر علاقته بهذا الإنسان الفريد أن ينشئ جسده من مريم بروحه، وكشف أنه كلمته ومن معانيها أن ما يقوله هذا الإنسان يقوله الله نفسه بحيث أمكنك أن تهجّئ الفكر الإلهي اذا استطعت أن تقرأ وجه يسوع المسيح، واذا أحببته تكون قد أحببت الله، واذا استطعت أن تذهب معه الى الصليب حاسبا أنك ترى مجده في الحقيقة، قد تصعد الى مجد الله. من بطن مريم الذي اختاره الله له تتابعه خطوة خطوة في عجائبه وأقواله، فترى لمسات أبيه عليه لتصل الى الصليب حيث وضع الله عليه كل هندسته وكشفه لك مخلّصا.

         هندسة محجوبة بالدم ثم ينكشف الحجاب بالقيامة يسطع منه النور الذي بدا أولاً في نهر الأردن وثانية على جبل التجلّي وأخيرا على الجلجلة التي سكب الله عليها كل معرفته للكون وفيها ربط الله نفسه بالإنسانية جمعاء، فهي قد نالت الخلاص بهذا الإنسان الممزّق علمت أَم لم تعلم. وأنت اذا أردت المجد، كل المجد الممكن  لإنسان أن يتلقّاه تعرف المسيح طريقا وحقّا وحياة وتقف عند هذا، حتى اذا رفعه الله الى السماء يرفعك معه، واذا أجلسه عن يمينه ويُجلسك فيه عن يمينه لتصبح بشريتك بعد أن نالت المجد عديلة بقوتها وبهائها للألوهة القائمة من الأزل الى الأبد. والأبدية التي دُعيت انت اليها تجددت به أزليّتها لمّا حلّ الابن في أحشاء البتول بمعنى انك انت المخلوق بعد الأزل تنتقل بالحب الى ما قبل الأزل كأنك غير مخلوق.

         انت الذي أبدأك الله تصير كأنك غير مبدوء به لأن المسيح في سر محبته يكون قد خطفك الى عدم البداءة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الحكم المدنيّ / السبت 23 كانون الثاني 2010

الحكم المدنيّ حكم وجوديّ أي قائم على وجود ناس مرتبطين بعضهم ببعض ببناء المدينة التي ينتمون اليها وامتدادا لهذا ينتمون الى تجمّع مدن وقرى يسمّى وطنا ويرثون هذا الوطن من التاريخ الذي جعله كيانا أرضيا يحتوي بشرا لا صفة لهم إلا بكونهم مجتمعين جسديا، متعاونين في تراكم إنساني، في تفاعل إنساني لا ميزة لأحد منهم على آخر واجتماعهم اجتماع مهن يعيش الكل بها لأنها متكاملة ونافعة لعيش واحد.

كل مهنة تستند الى الأخرى ومجموعتها اقتصادهم وفق المقولة الرومانية القديمة: «في البدء حياة وبعد هذا تأتي الفلسفة» اي انهم لا يجعلون أي معتقد عنصر مشاركة فيما بينهم. الحياة وحدها كما هي في بساطتها وجمالها ضمانة استمرارهم، ولا يحتاجون الى شيء غير الحياة يقضونها بينهم وفي عيالهم ولا أفق لهم سواها تنبسط امامهم كما ينبسطون عليها.

هذه قراءة الوجود البسيط الذي لا يسأل عن ديانة أحد ولا يسمح لديانة أن يكون لها انعكاس سياسيّ. والأمر ليس لمؤمنين دون مؤمنين من الطرف الآخر. الديانة تفسير، والوطن وجود لا تفسير فيه. فيه حق أدنى من الأخلاق المجتمعية الضرورية للتعايش بلا موت. ومعنى ذلك أنك لا تقتلني ولا تقصيني بسبب إيماني عن المعايشة الجماعية ولا تعطّل وجودي في الحكم ولا تسند الحكم تمايزا لفئة دينية تريد حكما يزعم أن السماء تكلّمت عليه.

انت تنظّم العيش مع كل اهل البلد يستلهمون ما يستلهمون ولكنهم لا يفرضون على حياة الأرض ما لا يرضى عنه اهل الأرض في معيّتهم. هذا لا يمنع فريقا أن يقترح ما يشاء، والاقتراح يقاس بما ينفع الأرض. الوطن فيه أديان مختلفة ومذاهب. هذه لأصحابها خيارات، ولكونك تحافظ على حياة الآخر تستقبل خياره بفرح ولا تفرض عليه شيئا إن لم يكن متأصلا بمنافع له ولك وذلك في عدل له ولك. وله أن يؤثر خياره لأنه هو خياره وتُسرّ أنت بحريته.

بكلام أبسط المجتمع العام يتعامل مع شرائح تنتمي الى ديانات مختلفة وهذه الشرائح تحيا بدياناتها وقد تستمدّ منها مواقف سياسية -لأن الدين في الحياة بما فيها الجانب السياسيّ- ولكن هذا لا علاقة له بالعدد ولا بتوازنات عددية. الأديان مصدر استلهام ولكن لا علاقة لها بقيام مؤسسات الدولة. قد تستوحي المصادر الدينية استيحاء لقانون وضعيّ، وقد يأتي القانون الوضعي حرا من اي استيحاء دينيّ ولكن لا يصدم ضمير الناس وإخلاصهم الروحيّ.


# #

#

عندما أقول حكما مدنيا اذًا لست أقول حكما خارجا عن القناعات الروحية عند الجماعات او مناقضاتها. اقول فقط ان المواطن ذو هوية وطنية اي يعتبر أنه عضو في مجتمع وطنيّ واحد ليس مؤلفا من أجزاء دينية. هذه لها وجودها الحر وشرعيتها وملء حقّها بامتداد غير قسريّ اي لا تقمع او تضطهد او يضطهدها آخر. وتخاطب بعضها بعضا لأن انقطاع الخطاب تقوقع وانقطاع حياة. الجماعات الدينية تتحاور دينيا اذا شاءت، وهذا من شأنه أن ينعش البلد. هذا مستوى والتحاور السياسي بين الناس وطنيّ ولا علاقة له بالطوائف لأن الطوائف لا وجود لها وطنيا. التلاقي الفكري او التباعد الفكري شيء آخر.

يتّضح من هذا الكلام أن المستوى الوطني والمستوى الطوائفي لا يلتقيان. إنهما هويتان مختلفتان كليا. عندما أقول ان المستويين لا يلتقيان أريد أن طائفتك ليست درجة من الوجود تصعد عليها لتصل الى الوجود الوطني. ذلك لأن الدين ايمان نازل عليك من الله ويمسّ قلبك ووجدانك وعقلك وسلوكك وتربيتك ومعاشرة اهل الإيمان الذي انت منه. وهؤلاء جماعة مستقلّة قاعدتها غير قاعدة الوطن الذي يأتي من هذه الأرض.

عند هذا السؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة هو ما العمل اذا كان الناس يختلط عليهم المستويان الطوائفيّ والوطنيّ بحيث يرون أن الطوائفيّ يجب أن يخترق الوطنيّ، أن يدخل فيه، أن يستوطنه بحيث تتم سيطرة الطوائفيّ على الجمع الوطني او يستخدم الوطن للطائفة. في بلد كهذا أتوقع أن الارتفاع من الطوائفيّ الى الكيان الجمعيّ صعب للغاية، فاذا تطيّفت النفس لا ترتقي الى ما يجمع الناس كلهم ومعا: «ان النفس لأمّارة بالسوء» (يوسف، ٥٣).

لا يكفي الخطاب الداعي الى الوحدة الوطنية بمعنى تخطّي الطائفية. فالناس يعيشون هويتين على الصعيد السياسي. ليس شعور الإنسان بإخلاصه لإيمانه يعرقل التدرّج الى الوطن. المشكلة في خلط المستويين الطوائفي والجمع الوطني، تصادمهما هو المشكلة. كيف تجتنب التصادم، هذا هو السعي.
يسامحني القارئ إن بنيت كل هذا التأمل على قول المسيح «مملكتي ليست من هذا العالم» (يوحنا ١٨: ٣٦). هذا لا يعني أن المسيح لا يريد روحه أن يسود العلاقات البشرية. هذا يعني أن السياسة لها ذاتيتها المبتلة بالروحيات والخلقيات، ولكنها نطاق له قواعده وتقانته ولغته وأسلوبه وان ملكوت الله له قواعده ولغته وأسلوبه.

هذا يعني أن اللعبة السياسية تقوم على حكمة كبيرة تجعلنا نميّز بين مستويي الوجود في هذا الدهر، ولا يعني أني ادعو الى التضحية بالعدد والوظائف والمناصب في سبيل نوعية مرجوّة ولكنها غير محققة. في حكمة هذا الدهر، القويّ في عدده تدفعه شهوة السلطة الى استصغار الصغار والسيادة عليهم. أعتقد ان الحياة كما نعيشها تقضي بأن نحمي الصغار والقلّة لئلا يحقق عند الكبير كلام التنزيل القرآني: «ان النفس لأمّارة بالسوء» ويجب أن يتحقق بآن معا عند أهل الإنجيل: «مملكتي ليست من هذا العالم».

يبقى الأساس أننا لسنا من هذا العالم ولكنا فيه حسب قول يوحنا الإنجيلي.

أعلم أن كل الوجودات متشابكة في الحياة القومية وأن القدرة على التمايز بين الأشياء اي فصلها وجمعها لأمر في غاية الصعوبة. ولكن إن لم نسعَ الى هذا لا نبني وطنا ولا نبني دينا غير مكبّل بالسياسة. هناك تحرير للوطن من وطأة الطوائف وتحرر للإيمان من دخول السياسة اليه. هذا إصلاح يقتضي نزول نعمة الرب علينا وتربية اجتماعية كثيرة في قوّتها حتى نخلد الى السلام.

Continue reading