Category

2010

2010, جريدة النهار, مقالات

اللبناني المرجوّ ظهوره / السبت 5 حزيران 2010

حزني لم يدرك بعد درجة اليأس لأن من أبناء شعبي من بلغ القداسة حقا. عندنا حياة روحية كثيفة. هذه تنزل من الله في كل الشعوب ولا يصنعها تراب بلد ولا مناخه ولا تاريخه. الأخلاق الحسنة ثمرة لها ولكن أعماقها تفوق الأخلاق. هناك ناس فيهم دين حقيقي والله يعرفهم ويغذّيهم. هؤلاء يتخطّون كل عقل ووصف. لذلك لا يقعون تحت قلمي. غير أن الكثيرين يصدمون بمقدار ما هم يطلعون من هذا البلد الشقيّ، من تاريخه وسقطات تبدو ملازمة له. حسبي أن أشير إليهم وألتمس من الرب شفاءهم.

يلفتني في البحث عن المرض قول الكنيسة الأرثوذكسية انها مستشفى اي يتحكّم في أبنائها أمراض روحية اذ تُقابلهم بالمسيح وتراهم على ضعف كبير. قد يصحّ هذا الوصف على الكثيرين من المواطنين. قال لي مرة أستاذ في الأمراض العقلية: لبنان بمراعاة النسبة العددية اكبر مصح في العالم. سألته عن السبب قال: مجانين البلدان الراقية يفحصهم الأخصائيون في مستوصفات للأمراض العقلية بعد خروجهم من المصحّ لمعرفة ما اذا انتكسوا. نحن ليس عندنا مثل هذه المصحّات.

أعرف لاهوتيا أرثوذكسيا كبيرا وضع كتابا في الأمراض الروحية. ليس المجال لمناقشته هنا. ولكن ما لا يترك مجالا للشك أمراضنا النفسية ولست كبيرا في فحصها. ولكن ما هو بمتناول تأملاتنا جميعا هو المرض المتصل باجتماعياتنا وأعني بذلك موروث تقاليدنا وما هو الوقوع الفردي في الخطيئة، في الإغراء وذلك في مجتمعات راقية تحسب أنها على الرقيّ نفسه في الأخلاق، واذ بك تصدم بأن الأخلاق لا علاقة لها بالعلم. هنا يظهر لك أن حامل دكتوراه في أية مادة من المواد وماسح الأحذية واحد. وبعد التدقيق يظهر لبنان مستشفى تتكدّس فيه أمراض كثيرة لست أعرف من يعالجها.

انا لست عالم اجتماع او أنثروبولوجيا لأحلل أسباب أمراضنا. ولكن روي لي ان رشوات كثيرة ارتكبت في الانتخابات الأخيرة ما يدلّ على أن عددًا من أهلنا ضعفاء امام المال اي انهم لا يُقدّرون قدسية الخدمة العامّة وأهمية بلدتهم ولا فرق عندهم بين الذين يرئسون مجلسها البلدي اي لا يأبهون بجمال القرية وحسن السير فيها ونظافتها وصحتهم وصحة أولادهم. ببساطة القول هم غير جدّيين في العمل العامّ وكأنهم محصورون في ما هو كسبهم الفرديّ فقط وهو نفسه مرتبط بوضع البلد والبلدة او المدينة او القرية. اي ان عددا رهيبا من المواطنين يظن نفسه وعائلته قلعة محصّنة من كل جانب. لا يعرف على انحصار في الفردية أن ثمة ما يؤذيه وأنه اذا ارتقى خلقيا ترتقي عائلات أخرى وربما مجموعة عائلات.

# #

#
قد لا تحتاج الى تحصين مناقبيّ لتفهم ذلك. نوع من التربية ينعش فيك هذا الوعي ليجعلك تمتدّ منه الى الرؤية الاجتماعية.

غير أن ما جعلني في حالة صداع فكرة العائلة في الانتخابات. لماذا بدءًا تصطفّ مع العائلة. هل تقول »عائلتي دائما على حق«؟ هل، بالضرورة، عائلتي ضد عيلة الجيران؟ جسامة الخطأ هنا -على صعيد التحسّس الاجتماعي- أني لست أرى أن اختلافي مع أهلي قد يفرضه الله عليّ لأن الله مع الصالحين وانت مع مرشح قد تعرفه تافهًا ولكنّ ذويك اختاروه.

بكلام آخر أنتم قبيلة. كتبت كثيرا في هذا وأخشى أن أُكرّر نفسي. ولكن ما يَحضرني الآن أن القبيلة هي تلك الكتلة التي لا أثر فيها للفرد الا اذا انسلخ عنها وارتمى في حضن قبيلة اخرى او تبدّى في الصحراء وسُمّي صعلوكا. اللبناني مرشح للصعلكة اذا ساقته حريته أن ينسلخ عن جماعته او يبقى وحيدا. ولكن بعد أن اكتشفت الثورة الفرنسية مقولة الفرد وقالت انه مساوٍ لأي فرد آخر لم يبقَ مبرر للقبائل بطاقة العدواة التي فيها. انت، فردا مستقلا، تبقى ضمن ذاتك في أُمّة الله وفي المجتمع السياسيّ عضوا في الأُمّة السياسية التي تشكّل بلدك.

كيف الخروج من الجمعية الى الفردية، اي كيف الاستقلال وأن يستوعب دماغك وقلبك الوجود ولا يستوعبك أحد؟ أعرف أن هناك تشاورا بين شخصية وشخصية وليس بين عشيرة وعشيرة.

شغف المال هو عشق الخطيئة بامتياز، والجهاد فيه ليس بالأمر السهل، ولكن إن لم نعفّ عنه على المستوى الاجتماعي (صفقات سياسيين، رشوات انتخابية وإدارية) لن تقوم للبلد قائمة. ولكن القيامة ممكنة اذا حلّت النعمة الإلهية علينا -وهذا بيد الله- واذا ربّينا أنفسنا على احترام الإنسان الآخر في عفّته ليستقيم رأيه ويستقيم سلوكه.

# #

#
تكوين مجتمع سليم عمل المؤسسة الدينية أولا، ولكني أراها محتجبة عن هذا الموضوع وهي منهكة فقط بالعبادات الظاهرة، والله نعبده بالروح والحق كما جاء في إنجيل يوحنا. تحريك النفوس لتطهر لا أراه كثير الانتشار في الأوساط الدينية. اذا استعرت الصيغة الإسلامية في الكلام أقول انت لا تقفز من دنياك الى آخرتك بسهولة العبادة المفروضة ولكن بتقويم النفس في هذه الدنيا، فإذا انت طوّعت فيها نفسك للرب تفتح لك الآخرة أبوابها.

المجال الثاني مجال العمل الوطنيّ في ما يتعدّى إطار الطوائف. روابط ثقافية مسيّسة، أحزاب، جماعات ضاغطة في سعي الى ظهور المجتمع المدني الذي من شأنه أن يقوّي الفرد من جهة وأن يُظهر الجماعة المتماسكة عضويا بلا قبليّة. هذا المجتمع نظريا بوتقة تنصهر فيها القبائل ليطلع الوطن.

المجال الثالث الذي يساعد على تكوين الأُمّة السليمة هو الدولة المفروض فيها عدم الانحياز للوجوه وإقامة العدل الذي يربّي على استقلال الفرد والثقة بأن الحاكم أب لجميع بنيه. الحكم يربّيك وانت بفضائلك تربّيه. ما يحزنني أن شعبنا لا يؤمن بالدولة لعدم إيمانه بالبنية او الهيكليّة. هو شعب ينتشي بالزجل والغناء ويعتقد أن ما يجري في خياله وأساطيره يكفي حياته النفسية. قليل الإيمان بالانضباط، بالكلمة الوافي والدقيق معناها. لا يحب حكم الله في شهواته. يحصّنه ماله او نفوذه او العيش في ظلّ الأقوياء. شعب دائم الخوف. طمأنينته الى الله لا تتجاوز حد ذكرها لأنه يظنّ أن الله يستره دون أن يبذل هو جهدا لوضع نفسه حقيقة تحت جناحيه.

هذا انسان مهزوم امام مرارة الواقع ويؤثر الوقوع على بنيان نفسه من جديد لأنه يحب أن يبكي وله في هذا انتعاش، ولم يسمع أن الحياة تقويم للنفس في جهاد مستمر اي انها تعب ووجع، ولا يعرف أن الفرح يأتي من الصبر على الملمّات وتجاوزها بالإيمان العظيم والنسك العظيم.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المسيح الوسيط / السبت 29 أيار 2010

لماذا وبأي معنى قال بولس: «يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح» (1تيموثاوس 2: 5)؟ الفكرة الأساسية انّ «الله صالحنا لنفسه بيسوع المسيح» (2كورنثوس 5: 18) اذ كنا مقصيين عن بنوته باعتبارنا ابناء الغضب. كنا من حيث اننا مثل آدم ورثة معطوبيّته منفيين خارج الفردوس الذي هو كلمة عامة تعني الوجود في حضرة الله دون ان تدل اللفظة على المتعة بالغبطة الكاملة ودون ان تشير الى مكان ولكنها بالإضافة الى هذا في المصطلح المسيحي الشرقي تصف وضعنا بعد الموت اذا توفانا الله. ففي الأرثوذكسية لا يبلغ الصالحون السماء الا بعد القيامة ولكنهم في جوار الله وفي انتظار الخيرات النهائيّة التي نرثها مع كل المخلَصين.

كنا في نظام الكلمة النبوية والأنبياء ونجونا بعد ان فضح الناموس الموسوي شقاءنا وكشف لنا الخطيئة، وهذا كان فقط نفعه، غير اننا اقتربنا من الرجاء بورود الكلمات الإلهيّة التي حاولنا ان نجعلها مسكننا ولكنا كنا نحتاج الى مسكن كامل نبيت فيه الى الأبد هو الكلمة الذي صار جسدا وحلّ فينا ورأينا مجده… ولما كنا أبناء أرسل الله روح ابنه صارخا يا أبّا اي يا أُبيّ.

في لبس المسيح ناسوته اكتسب الطبيعة البشرية ومحا صكّ العبودية بعد ان قال: «لا أعود أُسمّيكم عبيدًا … لكني قد سمّيتكم أحباء» (يوحنا 15: 15). كشف بنوّتنا لله بفضل ظهور الله ابنه بشرا وهو حامل ملء اللاهوت جسديا. بسبب من هذه الثنائيّة في كيانه استطاع ان يكون وسيطا بين الله وهو مولوده والبشر الذين هو مولودهم ايضا. وساطة المسيح بين الله أبيه وله جوهره والبشر وهو من جوهرهم باتت ممكنة لأن الابن تأنسن مع بقائه واحدًا مع الله، وهو في ناسوتيته المتسربلة الألوهة استطاع ان يكون وسيطا. ولهذا قال الرسول ان الوسيط هو الإنسان يسوع المسيح.

الوساطة اذًا هي الخلاص الذي تمّ مرة واحدة وفي زمان واحد في التدبير الصائر في الموت كما نرتل في سحرية السبت العظيم. ولكون الأمر هو هذا، لا معنى للقول الشائع في الغرب ان مريم مشارِكة في الفداء. هي لا تستطيع ان تكون فاعلة الخلاص لكونها بشرا محضًا وهي مخلَصة (بفتح اللام). ان الكلام «الشعري» عن مشاركتها في عمل الخلاص ينفي عن السيد حصرية الخلاص فيه.

واذا قالت الكنيسة البيزنطية «يا والدة الإله خلصينا» وما يشبه هذا، فهذا ايضا كلام شعري يفيد ان تفعيل الخلاص المعطى لنا بنعمة يسوع المسيح وحده تحمله الينا مريم من حيث انها تطلبه بصلاتها لا من حيث انها تكمّله كفاعلة. الصلوات ليست بالضرورة مصدرًا للعقيدة وقد كتبها أتقياء بزخم تعلّقهم بالقديسين وبلا دقة لاهوتية أحيانا.
# #
#
ان استعمالنا لجذر توسّط منطبقا على العذراء والقديسين لا يعني اكثر من ايماننا انهم في مشاركتهم القوى الإلهية يبتهلون من اجلنا. ماذا يعني هذا الابتهال وما هي دعامته الكتابية او التراثية ليس مجال تأمّلنا اليوم. انه التعبير عن وحدة اهل السماء وأهل الأرض في التوجّه الى الإله الواحد. وفي إدراكنا للكنائس الإنجيلية نرى انها غافلة عن الشعور بهذه الوحدة التي نسمّيها شركة القديسين. ان قيامة المسيح تعني لنا انها فاعلة اليوم اي بين زمانها والزمان الأخير. نحن ننظر الى مَن هم في المجد ونخاطبهم لأن «الله ليس إله أموات بل إله أحياء». نحن نؤمن بأن الزمان الحاضر، زمان الكنيسة مدى خلاص قائم ومعطى فعليا وليس فقط مُرجأ الى ما سيكون. نحن لا نتصوّر ان الزمان فارغ من حضور المسيح ولا نتصوّر أن الزمان يحكمه الموت وحده.

عندما نرتل «المسيح قام» نؤمن أن هذه القيامة تلف جسدنا هذا المائت وتلسعه لسعة فصحية. اعترف بأن بولس ذكر القيامتين فقط لأن قرّاءه اليونانيين كان منهم مَن شك بالقيامة الثانية، واما تجلي الطبيعة الإنسانية اي امتلاؤها من المسيح الحي فيعني ما قلناه والا ما معنى حديثه عن الخليقة الجديدة. الا ان فصحية الانسان واضحة كثيرا عند يوحنا: «من يؤمن بي فله حياة أبدية» «والحياة الأبدية هي أن يعرفوك» انها الآن.

أظن اننا في إطار الوساطة ينبغي أن نفهم قول السيد في يوحنا «لا أحد يأتي الى الآب الا بي». هذا كلام في سر التدبير الذي تحقق على الأرض بانعطاف سر اللاهوت وعليهما يقوم الكشف او الإعلان المسيحي. انت تأتي من الأرض، من الفداء، الذي حصل على الأرض وارتضته السماء. انت تصعد الى السماء لأنك نزلت من السماء بالروح القدس. الذهاب الى الآب للإنسان يبدأ بالمعمودية التي هي امتداد المسيح الينا بروحه. هذا مستمَدّ من سر التدبير وهذا يتعلّق بالكلمة المبشَر بها. تذهب الى صاحب الكلمة إن سمعتها وهذا في حركة المسيح الى الآب. هذا كلام لا ينطبق على الذين لم يُبَشَروا بالإنجيل ولم يسمعوه.

هنا على الأرض لم يكشف المسيح «المسيحيّ» نفسه الى كل الخليقة. على مدّ آلاف الكيلومترات طولا وعرضًا في الصين لم يسمع أحد بيسوع الناصري. كيف يأتي هؤلاء الى الآب؟ فالزعم أن الإنجيل بُشّر به في كل مكان كلام هراء. الكنيسة المسيحية محصورة في الغرب والشرق الأوسط وبعض المناطق القليلة جدا في آسيا، ولم تسمع بها مناطق أفريقيّة كثيرة، فكيف يأتي هؤلاء الى الآب؟

الإيمان شرطه التبليغ، ومَن آمن من بعد تبليغ يَخلُص. ولكن التبليغ ليس هذا الذي يصل الى الأذن ولكن ما يصل الى القلب. اما لماذا يحدث عند هذا ولا يحدث عند ذاك فهذا سر غير مكشوف لنا. عندما يقول الكتاب: «ومَن لم يؤمن يُدَنْ» يتضمّن هذا الكلام أن البشارة حصلت ووصلت الى القلب وعندئذ يعلنه الإنسان باللسان.

لقد كشف المسيح ابنِيّة الإنسانِ لله. هناك من يعرف ابنيّته، وهناك من لا يعرف. هل يبطل هذا أن يكون ابنا؟
هناك افتراض ايمانيّ أسوقه هنا بشكل سؤال: هل يكشف المسيح نفسه لكل ميت من بني البشر ليتحقق قوله: «لا يأتي احد الى الآب الاّ بي»؟ في هذا لم ينزل علينا شيء من السماء. ولكن اعتقادي أن المسيح الظافر يحتضن كلّ من توفّاه الله، كل نفس مات صاحبها. لست أتعرّض الآن الى إقرار لم يرد في الإنجيل. هل يخلص الإنسان الى اي دين انتمى؟ هنا يدخل الرجاء، رجاؤنا أن المسيح يتخطى كل انتماء روحيّ في الأرض ليجمع ابناء الله من كل الحظائر الى أبيه. «لي خراف ايضا ليست من هذه الحظيرة».
انا لم أتكلّم عن مساواة كل الأديان في الحقيقة. رجائي أن تتغلّب محبة الله على كل الحدود لأن الله محبة. الله لا ينقض ما قاله. ولكن هل ما أعلنه هو كل الإعلان أم أن حنانه هو كلمته الأخيرة ولو قلت ان قول مسيحه: «لا أحد يأتي الى الآب الا بي». لو قلت كلام يسوع نسبيّ وليس مطلقا أكون قد كفرت. ولكن كلامه مرتبط بسر موته وظفره بالموت اي انه ينبغي أن نقرأ كلام المعلّم على ضوء هذا الذي حدث وعلى ضوء الغفران لكل بني البشر.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

في التفجّع عند الموت / السبت 22 أيار 2010

رأيت قلّة من الرجال يتفجّعون، ورأيت اكثرهم صابرين، وهذا في الديانتين، وكأن المسألة نفسانية ومجتمعيّة. هل هذه إرادة في إظهار الرجولة، وهل في بكاء النساء وما يصحبه من غلوّ متعلّق بالطبيعة الأنثوية الأقوى عندها الانفعال؟ ما من شك أن المرأة تكره الموت. ربما كان ذلك في المسيحية والإسلام عندنا لأنها الكائن الحافظ الحياة والناقل الحياة وتاليا كان الموت ضد طبيعتها. ولكن ما من شك ايضًا أن في الأمر جانبا حضاريا، فالأوربية تعلّمت أن الغلوّ في التفجّع منافٍ للكياسة المطلوبة في المجتمع الراقي. من هنا أن المسألة تبدو بالغة التعقيد مع قناعتي أن تهذيب الطبائع ممكن بلوغه على مستوى التربية.

الى هذا أظن اننا كلّنا في حاجة الى دراسة المجتمعات الدينية لنعرف تأثير العامل الديني في موت يتحوّل الى فاجعة او موت يُزيّن بالصبر. فيما شاهدته على شاشة التلفزيون أن النسوة المسلمات يبكين ايضا والرجال المسلمون يبقون على هدوئهم. هل هذا ناتج من عقيدة القضاء والقدر ومن حكم هذه العقيدة للنفوس؟ ولكن يبدو أن موت الشهادة جعل في نفوس النسوة صبرا جميلا. الى هذا هل المشهد الشيعي أعظم إيلاما بسبب من كربلائيّته ولا سيّما في العراق؟

اما المشهد المسيحيّ فغاية في السوء حتى ولو بلغ الميت شيخوخة طاعنة. لا شك أن التفجّع في هذه الحالة أقل حدّة. مع ذلك الاضطراب عميم وحقيقيّ، ولست أظن أن ثمة تمسرحا دائما او تمسرحا كبيرا. المرأة لا تطيق الموت ولا يطغى عليها الّا تهذيب للنفس فعال.

أظن أن التفجّع واحد عند المسيحيات في لبنان في كل الطوائف، في الساحل والجبل، ولا فرق هنا بين مؤمنات يلتزمن عمل الله ويُمارسن الصلاة وربّات منازل لا يعرفن الصلاة الا قليلا، فلا قضاء الله في العقول ولا تأثر بمعزّين يَذكرون أن هذه مشيئة الرب، ولكن عند المعزّين كلمات استسلام. كلام من اللغة لا ينفذ الى القلوب كأن هناك طقس نوح وعويل. هذا هو الندب القديم على تمّوز. هذا هو الدين الفينيقيّ الذي يُفترض أن تكون المسيحية محته في سطوع ندائها الفصحيّ. هناك نسيان وجوديّ يحكم النفس حكما مريرا، ومواجهة صدامية بين الحياة والموت لا تغلّب فيها للحياة.

قبل بلوغي المسيحية في هذه الأسطر لفتني في القرآن ما جاء في سورة الزمّر 43: «الله يتوفّى الأنفس حين موتها». هذا يعطف على قوله في آية أخرى: «ربي الذي يُحيي ويُميت»، وهذا مِثْله في العهد القديم. الموت هو ما يحدث في الإنسان بأمر من الله ويستعيد الله النفس اليه، وهذا ما يسمّى الوفاة.

يقول الإمام الرازي في تفسيره ان الله «فوّض في عالم الأسباب كل نوع من أنواع الأعمال الى ملك من الملائكة ففوّض قبض الأرواح الى ملك الموت» (المجلّد الثالث عشر ص 280). دون نكران هذا التفويض الإلهي الذي هو السبب الأول اي الله ألا يسوغ أن ننظر الى الأسباب الثانية القائمة في علم البيولوجية فيكون الموت من الطبيعة بأسبابه المباشرة وليس لعلماء البيولوجية أن يبحثوا في ما يتجاوز مراقبتهم للطبيعة.

السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سنّ الله نواميس الطبيعة. الفكر الأرثوذكسي يقول ان الله وضعها بعد السقوط وهي الآن تحكم الكون. هناك تمييز واضح عند كل المسيحيين الآن أن هناك فرقًا بين سابق المعرفة الإلهية وبين إرادته. فالله يعرف ما سيكون، ولكن هذا لا يعني أنه قرره منذ الأزل وجعل له وقتا في زمان الناس. يأتي اذًا موتي من الدورة الكونية ثم يتوفّاني الله اي يقبضني اليه.

اذا ذهب مسيحيّ عربيّ عند مسيحيّ ليعزّيه عن عزيز يقول له: »هذه مشيئة الله« اي انه لا يفرّق بين معرفة الله السابقة وبين إرادته إذ بقي وريث العهد القديم من هذه الزاوية وورث الإسلام في القضاء والقدر. ويهوّن على نفس أصدقائه الألم ولكنه لا يمنع التساؤل: لماذا كانت المشيئة الإلهية هكذا، او بتعبير آخر: لماذا أراد الله عذابي وتمزيق قلبي، او لماذا هذا التصادم بين الحكمة الإلهية والمعقولية البشرية؟ وهل نحن منتزعون شيئا من القدرة العلوية وتقويض النواميس الطبيعية التي تدور في آليتها؟

أما بعد فالمسيحية كل مضمونها قيامة المخلّص التي أبطلت فاجعيّة الموت والمسافة بين الأحياء والأموات. لقد قال يسوع عن نفسه: «انا هو خبز الحياة»، وتوسّع بهذا حتى قال: «انا هو الخبز الذي نزل من السماء. من أكل من هذا الخبز يحيا الى الأبد» (إنجيل يوحنا). يحيا فعل مستمر من الحاضر الى الآتي. الحياة الأبدية تساقطت علينا منذ موت السيد ولازمتنا أفي هذا العالم كنا أم في العالم الذي انتقلنا اليه بالموت. لذلك نسمّي الموت في عباداتنا رقادا بمعنى أنك ترقد في المسيح الحيّ اليوم وغدا والى دهر الداهرين. قيامة البشر جميعا في اليوم الأخير مستمدّة من قيامة السيد. لذلك نقول في واقعية روحية كاملة ان المسيح أبطل الموت.

السماء عندنا ليست حالة كلية الجدة. هي «كمال ملكوت السموات» الذي أُوتيناه لما «صار الكلمة جسدا وحَلّ فينا». ليست السماء مدى. انها هي المسيح ومعه أحباؤه. «قام المسيح وليس من ميت في القبور» (يوحنا الذهبي الفم). لذلك تستنير أجسادنا المدفونة في الأرض عند بعثها بالنور نفسه الذي تسربل المسيح به عند انبعاثه وتبطل نواميس الطبيعة الساقطة. هذا الجسم الذي تبدو عليه في الملكوت جسم روحانيّ.

فكر بولس الرسول يتجاوب وفكر يوحنا الإنجيلي فهو القائل: «الحقيقة هي أن المسيح قام من بين الأموات وهو بكر من قام من رقاد الموت… وكما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك هم في المسيح سيحيون… الإنسان الأول من التراب فهو أرضي، والإنسان الآخر من السماء… وكما لبسنا صورة الأرضيّ، فكذلك نلبس صورة السماويّ… فأين نصرك يا موت؟ وأين يا موت شوكتك» (1كورنثوس 15).

امام هذه الأقوال اذا استوعبناها، أين مطرح التفجّع اذا رحل عنا قريب او صديق او جار؟ كيف نسمح للأعصاب أن تثور. لنا أن نبكي كما بكى يسوع على صديقه لعازر. ولكن ليس لنا أن نقع في اضطراب وجود. لنا أن ندمع كمن لهم رجاء.

المسيحيون الأوائل كانوا يرتدون ثيابا بيضاء عند موت. من أين أتت الثياب السوداء وهذا اللطم للوجوه؟ هل ظللنا على الديانة الفينيقيّة ولم يعبر المسيح الحيّ الى قلوبنا؟ الفصح يا إخوة ليس عيدا وحسب. انه حياة جديدة تُقيمنا في السلام فإن المسيح سلامنا. انه هو طبيعتنا الجديدة ونورنا والهدوء.

عند وفاة واحد منا نقرأ عليه المزامير في البيت حتى نقيم جنازة كلها رجاء. كيف نُبيّن أننا أولاد الفرح.

أيقوم رجل مقدام مؤمن بالقيامة ليُقنع أفراد عائلته بأنهم مدعوّون أن يعيشوا قياميا ويلتزموا السلام وهدأة التصرف عند حدوث موت. اذا تصرفت إحدى العائلات هذا التصرّف ويتبعها العاقلون.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الى أعضاء المجالس البلدية / السبت 15 أيار 2010

هذه الكلمات ليست توجيهًا وانتم الأعلمون، ولكنها لجوء مني الى ما عندكم من حكمة ومعرفة وحب لهذا البلد. أرجو أن تكونوا محطّ رجائنا في بلد مكسور ولا يبدو فيه منقذ كبير او كتلة منقذين ولئن كنت قد قرأت «انتم مخلّصون على الرجاء». سأغوص اذًا على الرجاء وأخاطبكم علّكم تسمعون.

أراكم في مناصبكم اي قائمين على مسؤولياتكم. أراكم من خارج الدائرة السياسة ولو كان كل لبناني مسيّسا بمقدار. غير أن المراكز التي تشغلون لا تتطلب اندراجا في هذا الحزب او ذاك لأنكم إن أخلصتم للمدينة او للقرية التي أتت بكم تحتاجون أولاً الى ان تحبوها والمحبة روح الإدارة او أصلها. ولا ينبغي أن تتفرقوا في موضوع الماء لأن كل إنسان يشرب عند عطشه، ولا ينبغي أن تتفرقوا في موضوع الإضاءة لأن احدا منكم لا يستطيع أن يعمل في الظلام. ولن تختلفوا في مجال الطرقات اذ لا يريد احد أن تنكسر سيارته، هذا اذا كان الطريق بلديا.

هذه أمور تتعلق بالحياة اليومية اي بالحياة الحقيقية ولا تحتمل الجدل السياسي. ربما دخلت المنفعة الخاصة أحيانا ورسم الطريق باتجاه لا بآخر. هنا لكم أن تتحصّنوا بالتقنية وبمصلحة الضيعة، ربما بهذا السلوك الحسن تربّون المتسيّسين على الطريقة اللبنانية اي المتحزّبين. هنا أخشى على البعض -دون اتّهام- لأني لم أقرأ اللوائح ولأني من حيّ صغير من إحدى مدن لبنان، قلت أخشى أن يحسّ العضو البلدي بضرورة ردّ الجميل لمن أتى به على قاعدة سياسية. انت لست راجعا الى حزب ولو كنت عضوًا فيه اذا جلست على كرسي العضوية باستقامة وليس في ظهرك التواء. انت خادم لا للفئة التي انتخبتك ولكن لمجموعة المدينة او القرية اذ لمّا قبلت انتخابك قبلت التزامك ايضًا. والأولون في مجالس الشعوب هم الأسرع في خدمتها.

مررت بالكورة الاثنين الماضي ثم عرّجت عل المتن وكان في يدي كتاب والقراءة عادة لي اذا كنت راكبا. فرميت كتابي الى يساري على المقعد اذ رأيت غابات جميلة ارتاح اليها نظري ودخل إليّ بعض الفرح. وفيما أنا أنظر الى الخضراء رأيت منازل جميلة مختلفة الألوان من الخارج وعلى سطوحها آجرّ وكان يغلب عليها في مطلع شبابي طابع الفقر. هذا كله ما قامت به الدولة. قام به الناس. قلّما ينبثق الجمال من الحكام إلا اذا أرادوه سمة لمنازلهم الخاصة. ولكني أعرف غير قرية في اوربا تأمر السلطات المواطنين فيها بالجمال. وسررت كثيرا لما لحظت ان شيئا من هذا يُطبّق الآن في لبنان.
# #
#
عودًا الى الشجر، فيما كنت أُقلّب احد أسفار العهد القديم قرأت أن الملك الأشوري الذي كان يحكمنا أخذ يقطع أرز لبنان. العداوة للشجرة اذًا قديمة. ثم قرأت عند الذين أرّخوا لطرابلس قبل ألف عام أنها مؤلفة من مدينة برّية ومدينة بحرية تفصلهما بساتين البرتقال. وعشنا جميعا هذا المنظر الى أن غزت بنايات الإسمنت هذه البساتين فصرتَ تتنزه على الطرق الثلاث اليوم التي تفصل المدينتين ولا تشم رائحة زهر البرتقال، اي حصل اعتداء على كيانك البيولوجي وربما على كيانك الشعري إن كنت شاعرا.

قرأت بسرور خبر تأليف جمعية تعنى بالتشجير. هذه اذًا جمعية تُذكّرنا بإنسانيتنا السليمة المشتهاة. وفهمت على قلة معرفتي بالتكنولوجيا أن الطوافات منها ما يقوم بهذا العمل بسرعة الى وسائل أخرى يعرفها أهل الاختصاص. اذا قررتم ايها السادة الأعضاء ألاّ تعطوا رخصة بناء الا اذا أمرتم بزرع عدد من الأشجار تحدّدونه وفق مساحة المبنى، تكونون قد مهّدتم عودة الجمال الى منطقتكم وتحسين الطقس وتكوين مياه جوفية وتصنيع الخشب والورق وما الى ذلك من غنى.

والمجلس البلدي لا يضطره شيء الى الانقسام اذ في المبدأ ينبغي ازدهار المنطقة الموكلة اليه، والازدهار معروفة مواضيعة ومعروفة مقاييسه. وهذه الرعاية يريدها المواطنون لكونهم يَنمون صحيا وأَمنا وفرحا بمكافحة التلوّث وتأمين النظافة. يحسّون بهذه النشاطات إحساسا شخصيا وعائليا ويُدركون أن الضرائب البلدية موظّفة لخيرهم المباشر في حين أن ليس عندهم الاندفاع نفسه لشؤون الدولة لأن الأقاليم الأخرى بعيدة وقد تهملها الدولة في حين أنهم يظنون -عن خطأ أحيانا- أن المجلس البلدي منهم وإليهم ويسهر أعضاؤه على عائلاتهم وأصدقائهم وتاليا يسهرون على مصالح الجميع.

لست أظن أني مبالغ في الغنائية او حالم بلا حدود. طبعا هذا يتطلّب أن تطالب وأن تتابع من تعرفهم في المجلس البلدي وأن تؤلّف حركات مطلبية على صعيد الضيعة او المدينة لا تأخذ طابعا سياسيا. البلدية حكم مصغّر ولكنه حكم فعّال إن توافرت المعرفة والحكمة والصدق.

والحاجات تُظهر نفسها. كنت اقترحت على رئيس إحدى البلديات في قرية جميلة مشروع تجميل يتضمّن تحسينا للبيوت الناقصة معالم الجمال لأنني كنت مقتنعا أن هذا العمل الهيّن نسبيا كان من شأنه أن يزيل الحزن عن قلوب الناس من هذا القبيل. هذا لأؤكّد فقط أن الناس مقتنعون بالجمال لأنهم مقتنعون بالفرح.

عودة ثانية الى الشجر بعد أن سألني أحد الأصدقاء: لو كنت ما زلت مدنيا وتمنّيت المشاركة في إدارة البلد أية وزارة كنت طلبت؟ أجبته توّا وزارة الزراعة. منذ فترة قريبة فرحت بشهوتي هذه القديمة بعد أن رأيت النخيل يتصاعد هنا وثمّة وهذه هي شجرتي المفضّلة. ألا يرى المجلس البلدي أنه يكفيه تحرّك خيال او قلب نحو النخلة حتى يزرعها طالما زعم واحد أن غابات النخيل تدفع ناسا الى مشاعر قد تصير فيهم ينابيع إبداع.

أهمية المجلس البلدي أنك تجد فيه مجموعة بشر تُلهمهم المحبة والحكمة والمعرفة وأنهم قادرون ألاّ يُدخلوا الخصومة اليهم لأنهم اختاروا حُبّ مطرح صغيرا كان أَم كبيرا على نزواتهم. المجلس البلدي، اذا أُتي به بتزكية او منافسة، بعد انعقاده مكانُ تسابقٍ في الحسنى ولقاء تقارُب بين أناس يتوقون الى الصلاح لتوقهم الى الحُسن والنظافة وقيام مشاريع والى الإيمان بأن الجنّات ممكن حدوثها في الأرض وأن زهو الجنّات ممكن أن يدفع الناس الى زهو القلوب.

فلنبدأ من هذه النقطة بلا منازعات فردية لعل كل بلدية تقتدي بالأخرى ولعل الدولة تتربّى على أن تتوق الحسن او الأحسن. هذا البلد في حاجة الى عقلية مجلسٍ بلديّ كما وصفناه هنا لتسكت السياسة الكيديّة وتبرز سياسة المدينة الفاضلة كما سمّاها أفلاطون وأُغسطينوس والفارابي ويصبح لبنان بعد ذلك مدينة الله.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

العائلية / السبت 8 أيار 2010

لست متأملا بحقّ في المجالس البلدية التي تألقت والمستقبل كفيل بفحصها ولكن قيل في وسائل الإعلام ان الروح العائلية طغت عليها. هذا التقاطع بين الأحزاب والتكتّل العائليّ جدير بأن يُدرس بتدقيق لنعرف مضمون العقل اللبناني في الشأن العام. ماذا يحرّك هذا العقل. هل نحن لا زلنا قبائل اي هل العائلات تخشى بعضها بعضا؟ هل تطغى عليها العاطفة لتصبح قليلة التأثر بهذه التركيبة الوضعية، الموضوعية التي تسمّى الأحزاب. هذا إذا أقررنا أن شيئا من الأحزاب ليس فكريا كثيرا وأن الانفعال في اختيار الحزب ضاغط على الكثيرين.

نحن في حاجة الى درس الإنسان اللبناني أنثروبولوجيّا اي في إناسته. أظن أنه يمكن أن ننطلق بعامة من أن الطبائع اللبنانية في كل المناطق والطوائف واحدة او متقاربة. مع ذلك هذا يحتاج الى تمحيص سوسيولوجي دقيق لنعرف كيف نعالج شعبنا، كيف نأتي به من خصوصيته الى الفكر العام.

لفتني فيما كنت أُصغي الى المعلومات عن هذه اللائحة او تلك الإكثار من استعمال كلمة بيئة ففرحت بادئ بدء اذ قلت في نفسي إن المرشحين تهمّهم البيئة وهي نسبيا مفردة جديدة عندنا اذا خرج المواطن من زاروبه الى السعة. تحرر من منزله او سوقه ليذهب الى الضيعة كلها التي فيها عائلته وعائلات أخرى.

في سعي اللبناني الى البلدية او غيرها يخاف من أن يكون حبيس وحدته ويريد أن يلتصق بمن يخرجه من هذه المحبسة، وانت إن كنت حضاريا تخرج بالفكر او تخرج بالمحبة اي انك تتجاوز الأنا لأنك تحيا من الـ «نحن». أظن أن ابن بلدنا ضعيفة عنده روح المعيّة المرتكزة على أحاسيس مشتركة او مشاعر توحّد. أظن أنه يؤثر اللصوق بأهل بيته، بأعمامه او أخواله او أصهرته. يحب اللصوق ليجد نفسه. هو لا يعرف أن له ذاتا قائمة بنفسها، قادرة على لقاء من يختار حسب ذهنه وثقافته. هو وريث دم او حليف مصاهرة، قريب من أهل الحيّ بسبب الضيافة او المجاورة. ظاهره هذا الالتصاق الكبير الذي ينشئ عندنا ظاهرة السهرة التي لا تعرفها شعوب كثيرة. في اوربا واميركا تدعى الى العشاء فتجلس بعده ببضع دقائق تهذيبا. عندنا لا تدعى الى عشاء ولكن الى جلوس طويل قبله وبعده لتذوب في الآخرين، لتنسى نفسك، لتضيع في الوقت اذ لست قادرا أن تقضيه وحدك. أن تبقى وحدك في غرفتك تقرأ كتبا ليس ظاهرة لبناني. هذا البلد لا يقرأ ولا يأتي من كتب. يرث ثرثرة الأصحاب ولذلك تتفشّى فيه النميمة.
# #
#
من يقرأ ليس عنده وقت أن يقصّ قصص الآخرين. من يخاطب عندنا أصدقاءه بغير السياسة يرى نفسه يلعب. اما القراءة فهي رواية التاريخ او رواية الله اي انبساط الوجود بين شخصين او اكثر. نحن نلعب بالكلام كما نلعب بالنرد والنرد هروب اذ لا تُواجه الآخر ولكن الحجر يواجه الحجر اي انه بديل عنك وحجر مُلاعبك بديل عنه.

اللبناني كائن خائف ويظن أنه يبدد خوفه بكسب مال يضمنه والمال لا يضمن لأنه معرّض للأزمات او الربح والخسارة. المال ينتمي الى الطارئ وليس للطارئ وجود حق. ومن خاف ليس له ثابت اي ليس معه إله. فالله لا يحضر الا اذا دعوته ثم قبلته ثم أحببته فبات عشيرك وبتّ عشيره. بلا رب انت في فراغ لأن ربك وحده هو الملء.

عودًا الى الانتخابات ظننت نفسك مقيمًا في العائلة وتحسب أنك تحميها من المجهول لأنها راسخة. ربما كان هذا صحيحا جزئيا ولكنها لا تحميك من كل شيء. هي من العالم المهزوز، من العالم الذي يموت. وفي الانتخابات تريدها أن تبقى.

في شعورك العميق هي تبقى إزاء غيرها ولكن كل العائلات تموت او تبقى الى حين. أفهم أننا نطلب الدفء. فالدنيا باردة ولاسيما إن عرفت أن قلوب الآخرين قد لا تكون الى قلبك. ولكن كيف تستلم الدفء؟ على الصعيد الشخصي هو المحافظة على القربى. ولكن في الشأن السياسي ماذا تعني القربى، ما هي القربى؟ هل كل الذين ذكروا البيئة الأسبوع الماضي كان عندهم تأمّل في الشجر والماء والطرقات وبناء المنازل ومكافحة التلوث أَم أنها كلمة استعملوها ليوحوا أن لهم فكرا كاملا في هذه المجالات؟ واذا كان لك فكر او بعض فكر هل حدّثت أباك وأمك وإخوتك وأخواتك والأعمام والأخوال والأصهرة في هذه الموضوعات واتفقتم على توحيد الآراء، ثم رأيتم أن المتحدثين الآخرين عن البيئة لهم آراء أخرى فتنافستم، واذا اتفقتم علام اتفقتم لتؤكدوا لائحة موحّدة وتهربوا من انتخابات مخيفة. وهل تباحثتم في مشروع او اعتقدتم أنكم عند اجتماعكم في المجلس البلدي يهبط عليكم الوحي. هل شعرتم بأن هروبكم من الفرقة يجعلكم مفكرين؟ هل اخترتم من هذه الفروع العائلية المختلفة الأذكى والأطهر وانتدبتموهم لتحلّوا عن نفوسكم عار الخوف؟

هل ذقتم اشتداد الحزازات الكامنة أم كنتم سابقا مقتنعين أن في عائلاتكم كرامة ليس الآخرون عليها؟ كم من مرة سمعتكم تقولون لنا كرامة لأننا أصيلون؟ هل الآخرون أولاد زنا حتى لا تكون عندهم كرامة؟

العائلية لا تقوم الا على الضدّية، على نبذ تعلنونه لأنكم وحدكم في الوجود. العائلية تحديدا مذهب إلغاء لأنها اعتكاف او انكفاء اي انها موت بطيء غير معلن عنه او غير معترف به او جاء الاعتراف به نكرانا للسياسة التي هي إقرار بمجموعات مختلفة لا يُداخلها الدم. العائلة في المعترك السياسي أسطورة مجد اي مجد هذا العالم الذي كان الفريسيون عليه وخاطبهم يسوع الناصري بقوله: «إنكم لا تستطيعون أن تؤمنوا لأنكم تطلبون مجدًا بعضكم من بعض». حضرت مرة في روما حفلة تنصيب لكاردينال كان من أصدقائي. ومدير الحفلة الطقسية في الكثلكة شماس وهي أدنى رتبة في المصفّ الإكليريكي، وعندما انتهت الحفلة قال الشماس للكاردينال باللاتينية: «هكذا يمضي مجدُ العالم» حتى لا يستكبر هذا الذي نصّبوه. والمعنى أن المنصب لا يمجّد صاحبه.

هكذا العائلة عندنا لا تمجّد أحدًا. واذا كانت عائلتك متعددة الخصال الحميدة منها وغير الحميدة تكون نصيرا لخليط من الفضائل والرذائل. وحلفاؤك هم أيضًا على هذا التنوّع الرهيب. كيف تريد الرذائل أن تُنتج جمالا وحقّا اذا اجتمعتم في اي مجلس من حياتنا اليوميّة؟ الحلف في الضيعة او المدينة لا يُنتجه الدم يا صاحبي. يُنتجه الإخلاص الوطني الذي يلتقي بالمعرفة. في السياسة ايضا «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون». كذلك لا يستوي الذي يحبّون والذين لا يحبّون.

انا لست أقول ان الأحزاب بالضرورة طاهرة ولكن ميزتها أنها لا تعتمد الدم أساسًا وحده. فيها أحيانا ما ليس من الفكر. طهّرها انت بما في قلبك من نقاوة وبما في عقلك من رجاحة وبما نزل عليك من الكتب. اختر مما لم ترثه من أبيك مما تعتبره من عالم القيم وحتى أُبسّط الكلمة مما نزل عليك من الأخلاق ليكون لك ضيعة او بلدة او مدينة قائمة على البهاء الإلهي، هذا الذي نرجو أن يُكلّلنا معا اذا التقينا لخدمة لبنان.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الديانة الشعبية / السبت أول أيار 2010

الدين يحتاج صاحبه ليحقّقه على أصوله الى معرفة حقيقيّة لجوهره ومصادره والى توازن نفسيّ كبير ورجاحة عقل. ولقّلة هذه العناصر ينحرف الكثيرون وينخدع الناس باولئك يُبدون حماسة كبيرة من أجل الله وتقوى ملتهبة ويكون هذا اذا راقبتهم جيدا من بشريّتهم لا من الله. يحتاج المرء الى عافية روحيّة نامية ليميّز بين ما يهمسه في قلبه اللحم والدم وما يوحيه الله مما قاله هو قديما ولا يقول غيره لأن لله كلمة واحدة عبر الأجيال اذ لا يتناقض فيه شيء.

هناك مشكلة مرتبطة بالتركيبة الدينيّة نفسها وهي أن الدين ليس مجرّد كلمة. إنه كلمة ذات تجسيدات او تعابير وأداء وتاريخ ورواية ولغات ما يجعلك تخلط بسهولة بين كيان الدين وأثوابه فتميل أحيانا الى الثوب أكثر منك إلى الإيمان الذي استعاره و«الإنسان بالإيمان يحيا» ولو اضطرّ بسبب صلاة الجماعة وعيشها وتنظيم الطائفة الى تجسيدات تكون سليمة أحيانا او غير سليمة احيانا. هناك طفيليات تنمو على شجرة الدين، هناك تراكمات لفظيّة ومحسوسات نافعة حينا وغير نافعة أحيانا ما يقرب الدين من الخيال البشريّ ما لم يجعل الإنسان ربه في الحقيقة سيّدا عليه. وبلا حكم ظالم على النيات يبدو لي أحيانا أن المسؤولين الروحيين يتهاونون مع الضعفاء الذين يغذّيهم خيالهم او يدفعهم الهوى الى تصوّرات لم تذكر عنها المصادر شيئا وجعلها الناس تراثا وما هي بتراث.

كيف تقرأ؟ هذا سؤال طرحه العهد الجديد، أي كيف تفهم ما جاء في الكتب المقدّسة. هذا سؤال يستتبع سؤالا عن الحرية. هناك نص ولكنك انت قارئه. في خضوعك للمراجع التأسيسيّة انت مرتبط بالنص ولكن على أساسٍ موضوعٍ في منهجيّة الفهم. من هنا الضرورة لوجود علماء وفي المسيحيّة وجود قديسين قريبين الى استلهام الله ولكن بالتأسيس على ما كُتب.

المسيحية على مستوى الفهم لا تعطي المكانة الأولى للعلماء ولكنها لا تحصر المعرفة بالأبرار. هناك لقاء وجدانيّ في الجماعة بين العقل الفاحص اذا استنار بالإيمان ومبرّات الفاحصين. بهذا المعنى ليست المسيحية دينَ كتاب فقط ولا هي الآن وهنا ذلك المجتمع المقدّس الذي لا ينعقد الا بعد القيامة في اليوم الأخير حيث نفهم كل شيء.
# #
#
العقبة الكبرى دون الفهم الحقيقي هي محسوسية المقدّس او ما يُعتبر كذلك. عند ظهور السيد للجماعة الرسولية في اليوم الثامن للقيامة كانت مشكلة توما مع المحسوس حتى تنازل اليه الرب القائم من بين الأموات فأراه جنبه المطعون وآثار المسامير وقال له: «طوبى لمن آمنوا ولم يَرَوا». أفهم جواب يسوع أنه يؤْثر الكلمة المقولة على المحسوس وطلب المحسوس الذي تتجاوزه بالإيمان الذي عرّفه الرسول بقوله: «واما الإيمان فهو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا تُرى» (عبرانيين 11: 1). كل آبائنا اعتقدوا أن ما كتبوه جاء من الإيمان الذي حفظه الكتاب المقدس وانتقل فهمه اليهم عن طريق التراث. وعندما يصمت الكتاب كليا عن شيء وفي غياب كل لفتة في التراث يكون أيّ تأكيد من طبيعة دينية اجتهادا حتى حدود المغامرة الاعتقادية ولا يكون معتقدا.

من هنا قوّة حريتي إزاء ما تؤكّده عندما لا أراه راسخا في القول القديم ولا أقدر أن استخرجه من العبارات، وعليك انت أن تحترم حريتي. في المسيحية هذه الطراوة والانفتاح يجعلانني أَسكت عندما لا أجد شيئا في ما تقلّدته من الأقدمين اذا كان فكرا او أسكت عندما تروى لي حادثة لست مضطرا على تصديقها. كما لست مرغما على تسمية كل خارقة أُعجوبة وذلك لتمسّكي بغير المرئيّ على حساب المرئيّ.

يتحدّثون مثلا عن رسائل من السماء بالسمع او بالفكر لست أعلم. لماذا هي رسائل متشابهة بالمضمون او باللفظ. انا لا أنكر حقيقة هذا المكتوب، وليس مطلوبا مني شهادة فيه، ولكن الكنيسة تتحفّظ في أكثر الأحيان وانا أتحفّظ معها. ويعجبني صمت الكنيسة الكاثوليكية عن معجزات تُنسب الى هذا وذاك من الذين يُلتَمس تطويبهم؟

القاعدة عندنا أن تصدّق عجائب المسيح (وهنا عندك حرية تفسيرها) لأنها مدوّنة في كتابٍ مضمون إلهيا. ولكن إن دعاك جارك أن تذهب الى حيث يقول إن العذراء تظهر، فاستعمل حكمتك وأنت لست بكافر إن لم تتحرّك.

أنا لست أُنكر حدوث معجزات بعد العهد الجديد ولكني أقول إن المعجزة اذا حدثت هي أساسا لمن شفته اي رسالة إلهية اليه. كتاب السنكسار (اي سِيَر القديسين) فيه على هذا الصعيد روايات لك ألاّ تقبلها لأن السنكسار كتاب تقويّ شعبيّ وليست له سلطة إلهية دامغة في كل مواضعه. من هنا أن كنيستنا تحرص على أن تنعت بعض القديسين فقط بالعجائبيين. وقد قدّست كنيستُنا في الماضي وفي الحاضر أُناسا بسبب طهارة حياتهم او عمق تعليمهم مع معرفتها أنهم لم يأتوا بعجائب.

ما يهمّني قوله أننا نؤمن بالتعليم المستقيم الرأي وبما يوافقه ونؤثر غير المرئيّ وغير المحسوس على المحسوس. هناك دستور إيمان وتراث يفسّره، ويختلف علماء اللاهوت في ما هو خارج عن هذا الإطار. مثال ذلك الحديث عن تحرّك النفس في اليوم الثالث واليوم التاسع واليوم الأربعين لا يُلزمني بشيء. أقيم المواسم وأصلّي في هذه الأيام مع تحفّظي على هذه التأويلات وقد جاءت في عدة كتب مطبوعة باللغات الأرثوذكسية، والتأويل ليس من الإيمان ولا يسوغ لأحد أن يقهر عقول الآخرين لكونه هو اعتنق هذه التفاسير.

الدين ليس موسوعة كُتِب فيها كل شيء. «فالحرف يقتل والروح يُحيي» (2كورنثوس 3: 6). عندما تظهر في الكنيسة حركات تكفيريّة نكون قد اقتربنا من الاستبداد. إن كان «في بيت أبي منازل كثيرة» (يوحنا 14: 2)، ففي مجرى هذا المنطق في الفكر المسيحي الذي لم تحدّده المجامع المقدّسة ايضًا منازل كثيرة. وفي ما يقال انه حادث بعد العهد الجديد عندك حجج وعندي حجج وقد دعانا السيد الى «حرية مجد أبناء الله»، والإرغام على تصديق ما يسمّى حادثا هو من باب خنق هذه الحرية. الروح القدس يضمن فكر القديسين لأنه ينقل اليهم فكر المسيح. وأما المحسوس بشريا عندك فقد لا يدخل في محسوسي أنا. حسبي أن أنقاد الى الكلمة التي نطق بها الروح.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

مجد لبنان / السبت 24 نيسان 2010

في أي إطار روحي نضع الوطن؟ هو ليس ارضًا ينزل عليها مجد الله ولا يدخل في نطاق المقدس وما موعود به الى الذي يسكنه كائنا ما كان منشأه. هو إمكانية تحولها الى قدرة بولاء انت تقرره. له علاقة بالتاريخ تقرأه حسب ايديولوجيا لك. فمنّا من قال مثلا عن لبنان انه سكن الوجود منذ ستة آلاف سنة ومنها من جعلها أقل من ذلك بقليل. وحكاية الزمان تجعلك اقرب الى الاستكبار او ادنى الى التواضع وهي تحدد قربك او بعدك من مواطنين لا يحسون زمانا انت تحسه.الوطن في الأخير وليد تصورات وأحاسيس وانفعالات. أقول هذا من حيث الرؤية التي تختلف بين ذاكرة وذاكرة اي انك، في الواقع، تنشئ الوطن لا من الماضي ولكن من الحاضر وهو ايضًا متصوّر. الوطن يأتي من موقف لا من موقع. انه التزام اي انك تريد الوطن او لا تريده او تريده بمقدار. ومن هنا أقول انه صنيعتك وصنيع من يرى رؤيتك او يحس بخيارك وكل خيار ذاتي.

لسنا اذًا مع مقولة الموروث او الدائم وأقلهه مقولة الأبدي. ان كل ما يقرب الوطن من المطلق تقربه من الرب الأزلي وحده وتقيمه في ما لا يناقَش. دائما كانت تصدمني هذه العبارة: «انا اؤمن بالله وبلبنان». هذا العطف في ذاته كفر. ان مقولة الإيمان لا تغطي بقعة أرض فتعريف الإيمان كما ورد في العهد الجديد هو هذا: «الإيمان هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لا نراه» (عبرانيين 11: 1). بربكم كفوا عن وضع لبنان في نطاق الإيمان. لبنان من هذه الأرض فقط. ومن خلط الله وبلدنا وقع في الشرك.

#   #

#

ما كان ليس في الاعتقاد يقع في مجال المحبة. تأخذ البلد الى قلبك كما هو بلا اسطورة ولا حياكات زمان اذ لا قداسة للزمان. ربما شعر كلّ منا بضرورة انتمائه الى أبيه. انا شخصيًا لست حساسا لهذا الشعور. لست حساسا للجذور.

أبدأ الآن. كلّ هذه السجالات القومية (فينيقي او عربي او سوري) سجالات تتضمّن ان الذين تعاطوها انما اختاروا زمانا لهم وجاؤوا الى انفسهم من الأرحام التي استهوتهم والإنسان السوي من انقطع عن رحم امّه ليثبت حريته في هذه الدنيا. الإنسان توّاق ان يضع في ذاكرته هوية اي ان يعرف عن نفسه بالـ «هو». انا ليس عندي هوية الا كوني حبيب الله. انا أنوجد بمحبوبيتي. عندما تعرف الكنيسة نفسها انها شعب الله لا تقول انها مجموعة شعوب قائمة اجتماعيا وسياسيا وبعد قيامها اختارت الله. ان عبارة «شعب الله» في اللاهوت المسيحي تعني فقط ان الله -لا الأرض- مكونها وهي تصير بنعمته وانعطافه عليها وقبل ذلك لم تكن. هذا هو المعنى نفسه الذي نجده في القرآن اذ قال: «كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكر» (آل عمران، 110). اي اذا امرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر تصبحون خير امة. تتكون الأمة- بمعناها الديني- بشرط هو عمل الخير واجتناب المعصية.

في المفهومين الإنجيلي والقرآني ليس من هوية دنيوية او دهرية لأن الله وحده معطي الهوية. في الشأن الوطني لسنا اذًا في عالم المطلقات لأن الهوية مطلقة. نحن فقط في عالم العمل والتطبيق في المحبة. وضعتنا ظروف الحروب والاتفاقات الدولية وخبرة طويلة او قصيرة على بقعة من الأرض لها طقسها ومدنها وقراها وكتلها البشرية التي تعيش فعليا معا بكثير من الأمور المشتركة من مأكل وشراب ومنازل وهذه الشرائح منتصبة معا في الوجود اذ الوصية تقول: «لا تقتل». ولأن القتل حرام تفتش قلوبنا وعقولنا بما فيها من معرفة على وسائل السلام والنمو الدائم لأن كليهما تستبعدان القتل والإفقار والجهل وهذا كله يتطلب توقا من الحسن الى الأحسن فنصير بطريقة او اخرى امة إلهية.

#   #

#

نحن لن نختار التاريخ منذ آدم ولا نصطنع لأنفسنا امجادا ما لم نتق الى مجد الإنسان في ازدهار دائم. نحن يهمّنا الزمن الآتي والوطن جغرافية نرتضيها الآن لنطمئن الى السلام والحرية ولنا ابتغاء ديمومتنا ان ننفذ سياسة لا تحرمنا مبرر وجودنا على الأرض أعني السلام والحرية.

هنا يبدأ الجهد والدرس فنتكاثر ونعلم اولادنا ونعبد طرقنا وننقي مياهنا ونشجر جبالنا ونزرع سهولنا ونقيم بحيرات لنا من اجل تأمين زرعنا وفرح نفوسنا بالجمال. واذا لم يرد لبنان كل ذلك ولم يأتِ بدولة تفهم هذا يكون ضاحكا على نفسه. وما عدا ذلك سوق عكاظ.

وهذا يعني ان نسكن التفاصيل لأننا ان لم نفعل يسكنها الشيطان… وبدء البدايات للسيطرة على التفاصيل نزاهة الروح والفكر والمعاملة والكياسة والشجاعة معا في معاملتنا الشعوب. والطاهرون يفرضون أنفسهم مهما تعثرت أقدامهم في سيرهم الى الحقيقة والحب.

أعرف في كل شيء صعوبة التنفيذ. اعرف ان هذا يتطلّب وقتا غير يسير ولكن ما من خير ظهر في هذه المعمورة الا ان كان فيها خيّرون. لذلك بات لبنان مشروع قداسة وهي تملي شروط التنفيذ في كل مجال وهي تنير العقل اليه. واما ان تبقى هنا وهناك مجموعات لصوص او فاسدين وقلّة من الأطهار فالبلد لن يقوم.

قلما عقلنا ان القداسة تنشيء العمل وتنشىء السياسة وجعلناها حكرا على المتأملين بها. القداسة ام الإبداع في كل خير من الوجود. اجل نريد لبنان هيكلا وللهياكل امدادات. تسمو انت الهي القلب والقلب يطلق الأيدي الى العمل في الحداثة ووسائلها. اذا اهتدينا الى النقاوة فالمؤسسات ثمار والقوانين ثمار. يجب ان نعرف من اين نبدأ والى اين نريد ان نصير. انت تحصن النفس وبها يتحصّن البلد. والنفس اذا كبرت يكبر الوطن بها. هكذا يهبط المجد على هذه البقعة الصغيرة والجميلة التي تسمّى لبنان. واذ ذاك، يرث الأعلمون ونساك الفكر والنزهاء مجد لبنان.

Continue reading
2010, جريدة النهار

الحرية الدينيّة / السبت 17 نيسان 2010

سرّ الحرية أن الله خلق الإنسان تختلف حركته عن آلية الحيوان وأدائه إذ شاء إبداعه على صورته، وصورة الله عند بعض من آبائنا حريته، وبهذا لم يأتِ الجنس البشريّ في ما فيه إرادة من طبائع الحيوان. الغرائزية المطلقة ليست من عالم الإنسان. هناك تحريك لها او ضبط لها او إشراف عليها. اذا قبلنا أن الإنسان فصيلة قائمة بنفسها تمتاز أولاً بحرية الاختيار، نجرؤ على القول إن هذا يستتبع اختيار الإنسان لدينه اي لقبوله او تركه، ويستتبع احترامنا لهذا الاختيار قبولا او تركا، وهذا ما نسمّيه الحرية الدينية التي تتضمّن التبشير او الدعوة.

حرية البقاء على دين والدك او رفضه ناتج عن حبك للحقيقة، ولا حق لإنسان أن يرغمك على رؤيته هو للحقيقة. لا يستطيع مخلوق عاقل أن يقول للناس أنا إفكّر عنكم. لم يعطِ الله احدًا تفويضًا في أن يتحكّم بضمائر الناس أي أن يدخل عقله عقولهم وكأن خيارهم ليس من عقولهم.

أنا أفهم أن يرى حاكم من حكام هذه الدنيا أن دينه صحيح، ولكني لست أفهم أن يُلزم الناس به اذ يكون، عند ذاك، مقتحمًا لعقولهم أي لاغيا قرار اعتناقهم لدين آخر. «لا إكراه في الدين» أقبلها قولا أبديا، نهائيا لا يُلغيه اعتبار آخر، قولا سباقا لكل قولة تشبهه في الكلام التشريعيّ الحديث من هيئة الأمم المتحدة صدر أَم من فلاسفة الأنوار وما تبعهم من ثورات.

الفلسفة السياسيّة التي انبثقت عن هذه الثورات او بثقتها هي التي أتتنا فعليا بالحرية الدينية حسبما يعلّمون اليوم مع أن أول من شرّع الحريّة الدينيّة هو الامبراطور قسطنطين الكبير، وهو بعد اهتدائه الى المسيحية لم يبطل حرية الوثنيات المتفشّية في الامبراطورية الرومانية، غير أن الموقف الذي أدافع عنه هنا ليس مؤسسا على الفلسفة السياسيّة.

# #
#

قد تكون الحرية الدينيّة ظهرت في العصر الحديث يدافع بها الإنجيليون (البروتستانت) عن كيانهم في الدول الكاثوليكية وتلقّفها الفلاسفة وواضعو الدساتير في الدول المتحضّرة. ليس دفاعي عن الدساتير. إنه طاعة لله. ربما استعرت صورا من الفكر المسيحيّ لأنقل تعبيريا قرآنيا: «لا إكراه في الدين». الفكر المسيحي في هذا الصدد قائم على الوحدة الكاملة بين ما تؤمن به بالقلب وما تعترف به باللسان ولا يشرف أحد على قلبك ولا يسود عليه لأن الله وحده مالكه، واذا لم يكن من ثنائية بين القلب واللسان، واعتقدت من عمق كيانك أن الله ينطق في قلبك، لا تستطيع أن تُلغي قلبك ليقول لسانك كاذبا ما يقوله القويّ الذي يمنع عنك الصلة بين الباطن والظاهر.

انت لا تستطيع أن تُصمت الألسنة اذا قالت لك انا معبرة فقط عمّا نقلته اليّ القلوب. وانت لا تقدر أن تُخضع القلوب لقلبك اذ ليس عندك دليل حاسم على أن كلمة الله في قلبك وليست في قلب آخر. فلأن القلوب يبصرها ربك ولا تبصرها عليك أن تقبل قرارها.

هذا يحتّم التعدّد الدينيّ. هناك تاليا مواقف في الدين مغلوطة الله وحده يصحّحها والدعوة تصحّحها او تؤذيها، ولكن الغلط مع القناعة أفضل من الإكراه لأن الغلط بشريّ والإكراه ليس إنسانيا.

أين الحكم من كل هذا؟ جوابي أن المجال الديني لا يدخل في الحكم الذي هو بطبيعته قسريّ، والقسرية هي الاستبداد. ليس للحكم حكم على القلوب. له أن يتدخّل اذا آذى دين من الأديان بسبب من تسيّسه الأمن او الاستقرار او كان كان سببا للاصطدام بين أتباع الأديان. وسيلة الحكم ليست الاصطفاف في دين ولكن حفظ الأمن. يكون قد بقي، اذ ذاك، في مجال السياسة.

الدولة لا تستطيع أن تكون دينيّة. الدين هو الأشخاص او في الأشخاص، والدولة متفرّجة عليهم. أنا لست أناقش الأديان التي تقول إنها تبتّ ايضًا أمور الدنيا. هذا من باب الرأي ورأي هذا وذاك آخر. قد يتناقش علماء الأديان. هذا لهم، وليس في هذا ضرر إن عصمنا القلم واللسان عن الشتم والتقبيح. هناك أسلوب أكاديمي في النقاش وهذا يوسّع المعارف، ويعطي إطلالات من لاهوت على لاهوت، ويمكّن من الحوار، والحوار يجعلك تقتبس ما شئت من القول الآخر كما يجعلك أن تردّه بتهذيب.

الحوار فيه نقاش، ولكنه ليس بالضرورة سجالا حادّا، ولا هو بالضرورة منافٍ للسلام. أعرف أن ليس بين الأديان انصهار، ولكن المجتمعات لا يُطلب منها أن تكون منصهرة على كل صعيد. يوحّدها الماء والخبز والكهرباء والطبابة ووسائل العيش كلها، وهذه في العقل العصريّ مقبولة معاييرها ومتّفق على الكثير منها. اذا كانت هذه مؤمّنة، يكفي الدولة هذا التأمين، وتصلّي على طريقتك وآخر على طريقته. وقد يأتي يوم يرى فيه الإنسان أن طريقته لا تذهله كما كانت تذهله في الماضي. هذا أمره مع ربه أي هذا تحرّك ضميره، وانت لا تقدر أن تعطّل ضمير آخر فإنك إن أرغمته فكأنك تقول إن ضميرك وحده هو حق، وتكون بذا قد ألغيت الآخر وصرت مستبدّا، وهذا يعرّضك الى استعمال العنف.

عليك أن تختار بين العنف والحرية الكاملة. بحيث إذا اخترت العنف لا تُسكت فقط الألسنة والأقلام ولكنك تمنع القلوب من أن تُحسّ كما شاء لها ربّها أن تُحسّ. الله يسمح (ولا يأمر) أن تُحسّ خطأ لتكتمل كرامة الإنسان.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

تاريخ واحد للفصح؟ / السبت 10 نيسان 2010

منذ سنوات عديدة أسمع مسيحيين من كنائس مختلفة يتمنّون اتّفاقا على تاريخ واحد للعيد ويضيفون الى هذا أن هذا التفاهم يوحِّد. خشيتي أن يكون الكثيرون مقتنعين أن ليس بيننا خلاف غير هذا. والأخطر من هذا أن الكثيرين يذهبون الى أن العقائد التي تُفرّقنا صناعة اللاهوتيين وأن الأساقفة أو بعضهم مهدّدون بخسارة ما تسمّيه العامة مراكزهم مع أن الكنائس مقتنعة أن الكنيسة في حال توحّدها لن تطلب الى أسقف أن يستقيل والأساقفة قلّة في العالم عزيزة.

من هنا إحساسي أن الإلحاح على وحدة التاريخ عند بعضٍ تُخفي موقفًا من العقائد خافضا لأهميتها وهي تفوق موضوع العيد الذي هو على مستوى أدنى من مستوى العقيدة ما في ذلك ريب.

وحدة الوجدانات المسيحية تبدو لي مقاربة لمشكلة الوحدة المسيحية من أضيق زاوية او من زاوية مَن يجهل أن هناك سلّة من الخلافات الأفضل التصدّي لها معا.

الخلاف على يوم الفصح كان معروفًا في القرن الثاني لمّا كانت الكنيسة واحدة. في آسيا الصغرى كانوا يقيمونه في 14 نيسان وفي الاسكندرية وروما يوم أحدٍ فحاولوا ضمن الوحدة أن يُثبّتوا تاريخا واحدا فأتى هذا يوم أحدٍ. رأوا أن التوحيد أفضل ولكن اختلاف اليومين ما شكّل بينهم خلافا.

ماذا أفادت وحدة التاريخ للعيد بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الإنجيلية وبقيت الخلافات على أشدها خلال أربعة قرون ونيّف. عندما اختار الأرمن الأرثوذكس في العشرينات من القرن الماضي التاريخ الغربي هل اندمجوا بالغرب على صعيد العقيدة؟ طبعا لا. وصعوبة انتقائهم لتاريخ واحد معنا تأتي من وحدتهم الكاملة مع كنيسة أرمينيا في الوطن الأمّ. أرمن لبنان والمشرق العربي لن يتبنّوا يوما دون التشاور مع كنيستهم الأمّ، ولذلك لن يشمل توحيد التاريخ في لبنان الإخوة الأرمن.

# #

#

الفصح له قاعدة وضعها المجمع النيقاويّ (المسكونيّ) المنعقد السنة الـ 325 والقاضي بأن نبدأ حساب العيد من الاعتدال الربيعي الواقع في 21 من آذار، ثم ننتظر البدر اللاحق له، والأحد بعد البدر يكون العيد، وثبّت الاجتماع المسكونيّ المنعقد في حلب السنة الـ 1997 هذا المبدأ القديم.

بعد إصلاح البابا غريغوريوس الثالث عشر للتقويم اليوليانيّ في السنة الـ 1582، ذلك الإصلاح الذي لم تقبله الكنيسة الأرثوذكسية، صار الـ 21 من آذار اليوليانيّ (الأرثوذكسيّ تطبيقًا) غير الـ 21 من آذار الغريغوريّ الذي تبعته الدول. وتاليا صار الكاثوليك يتبعون آذارهم وينتظرون البدر ليعيّنوا العيد بعد «بدرهم»، وصار الـ 21 من آذار الأرثوذكسي يقع في هذا القرن 14 يوما بعد ذاك وينتظرون هم «بدرهم» ثم الأحد الذي يليه وهو فصحهم.

فحسب حركة القمر يكون لنا تاريخان للعيد او تاريخ واحد بحيث اذا اقترب البدر من 21 آذار الغريغوري يكون على الأرثوذكسيين أن ينتظروا البدر الآخر ليجعلوا عيدهم في الأحد الذي يليه، ويتباعد هكذا الفصح الأرثوذكسي. وأما إذا تباعد القمر عن الاعتدال الربيعي الغريغوري يكون العيد في يوم واحد. المشكلة تكمن اذًا في أن الكثلكة تبنّت التقويم الغريغوري، والأرثوذكسية لا تزال على التقويم اليولياني الذي تركته روما في عهد البابا غريغوريوس الثالث عشر.

يبدو لي أننا اذا تمسّكنا بقاعدة المجمع المسكوني الأول أي الاعتدال الربيعي ثم البدر الذي يليه لا بد للأرثوذكس أن يتخلّوا عن التقويم اليولياني. هذا يتطلّب تفاهم كل الكنائس الأرثوذكسية في مجمع عام لها او تبادل الرسائل بين رؤسائها، وهذا يبدو عسيرا في الوقت الحاضر لأن القرار الأرثوذكسي وإن صدر قانونيا عن رؤساء الكنائس الا أن هؤلاء يراعون شعور شعوبهم، وفي اطّلاعي على مشاعرها لا يبدو لي أنها متحمسة للتغيير. انها مؤلّفة من رعايا وأبرشيات أدنى هي الى التمسّك بتراثها وتُحسّ أن تاريخ العيد هو جزء من تراثها. البطاركة ورؤساء الأساقفة عندنا ليسوا أسيادا على شعوبهم بصورة مطلقة بسبب من نظامها الذي ينسق بين الإكليروس والعوام.

ذلك أن الكنائس الأرثوذكسية في واقعها التاريخيّ منصهرة في الواقع مع إثنيات، وفي البلقان إثنيات كاثوليكية مثل كرواتيا جرت دماء بينها وبين الإثنيات الأرثوذكسية. هذه هي تركيبة أُمم مختلفة لا يبدو أنها مهيأة لتغيير تحسّ به أحيانا أنه مخالف للعقيدة. انت تتعامل مع شعوب ولا تتعامل فقط مع كنائس. انا لا أتوقّع اذًا انقلابًا سريعا في الشعوب الأرثوذكسية.

يبقى أن التغيير اذا تعذّر في الوقت الحاضر ممكن على الأصعدة الإقليمية.

# #

#

هذا ما رآه البابا بولس السادس في الستينات من القرن العشرين أثناء انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني فسمح للأقليّات الكاثوليكية في البلدان التي أكثرها أرثوذكسي أن تتبع الفصح الأرثوذكسيّ، وعلى هذا سار المسيحيون الكاثوليك في مصر والأردن وفلسطين المحتلّة. ودرس هذا الأمر موارنة لبنان وأوشكوا أن يعيّدوا مع الأرثوذكسيين في اجتماع عقدوه في قبرص. وأذكر أن بطريركيّتهم أعلنت انها ستطلق استفتاء لدى الشعب الماروني حول هذا الموضوع، ولكن يبدو أن هذا الاستفتاء لم تقم به هذه البطريركية او قامت به ولا نعلم نتيجته.

ثم قالت الأدبيات الصادرة عن بعض من علماء الكنيسة المارونية أن الموارنة في لبنان ليسوا بأقلية وأن سماح البابا بولس السادس لا ينطبق عليهم. لم تُجادل البطريركية الأرثوذكسية هذا الموقف. ولكن الكلام الذي سُمع من أفواه أرثوذكسية مختلفة أن لبنان ليس وحدة كنسية ولكن الوحدة هي المدى الأنطاكيّ، أي عليك أن تعتبر أن الكنائس قائمة كل منها في الحيّز الأنطاكي القائم في سوريا ولبنان معا. واذا اتّخذنا هذه القاعدة تنطبق أمنية البابا بولس السادس بأن يعيّد كاثوليك المنطقة السورية-اللبنانية وفق النظام الأرثوذكسي.

إقليميا حتى الآن نحن في مأزق. على الصعيد العالمي غير معقول أن الأرثوذكس المحليين (في سوريا ولبنان) ينفصلون في تعييدهم عن الروس واليونانيين على مختلف بلدانهم والبلغار والصرب وغيرهم ليختاروا يوما لبنانيا للعيد. دعاة توحيد تاريخ العيد في مناطقنا كثيرون. الأرثوذكسيون يقولون-في تصوري- لكاثوليك الشرق: الأُخوّة بيننا تقضي عليكم أن تعيدوا معنا ما دام أُعطي لكم السماح، ويضيفون افهمونا يا أحباء إذا قلنا إننا لا نستطيع أن ننفصل لهذه القضية عن إخواننا في العالم الأرثوذكسي. وانتم لا تتراجعون عن شيء اذ صدر الأمر من مرجعيّتكم الأولى. ليست ماهيّة أحد في الكنيسة مرتبطة بتاريخ عيد، والتوحّد في تاريخ واحد يعتبره الشعب المسيحي كله تعبير محبة أخوية. فلنعش هذه المحبة على الصعيد الإقليمي ان لم نستطع عيشها الآن على المستوى العالمي.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

يا عشقي المصلوب / الجمعة 2 نيسان 2010

يا يسوع، «يا عشقي المصلوب». انت معلّق على خطايانا قبل أن رفعوك على خشبة. قتلتك خطايانا فيما كنا نلهو بها. نُبصرك الآن «لا منظر لك ولا جمال فنشتهيك» مُدمّى، مطعونا ولكن غير مكسور، موضع محبّة الله. تدين معاصينا بجسدك ولا تديننا لأن قلبك لا يحتمل أن يموت فيه انسان. نحن مشرّدون يا سيّد. لقد مددت ذراعيك كي تضمّنا فتُعيدنا الى أبيك إنسانية واحدة مطهّرة كي لا يلفظ حكمه فينا يوم الدينونة. انت تقول له: ما لهم وللموت. اغفر الزلات للكاذبين والسارقين والقتلة لأنك تحبّهم كما تحب الطاهرين. جميعهم أبناؤك وجميعهم إخوة لي. انت كلّهم تحضنهم بالرحمة وما من واحد يَخلُص الا بهذه الرحمة. انت أوحيت للتلميذ الحبيب: «الله محبة». هذا فهم أن المحبة هي انت ومن أحبّ تكون انت ساكنه. ومن كفر تكون ايضا ساكنه. تطلب اليه فقط أن يؤمن بغفرانك وإيمانه. هذا يُرجعه اليك. تغفر له لأنك تشتاقه في كل حين.

انك تشتاق اليه لكونه وليد محبّتك التي لا تريد أن يطرد منها احد. فإذا نسيها ماذا يبقى له في الذاكرة؟ كبارنا قالوا إنك أوجدتنا كي لا يبقى حبك أسير كيانك. يا أبتاه، انت إله يمتدّ، يضمّ وبعثت بي كي يعرف الإنسان ذلك فيحيا ويعرف انه نسيب الله. انا بتّ عشيره حتى موتي فلا يعرف كما كان الأوائل انك فوق وانه تحت. ليس من مدى بينك وبينه. كان يعرف القدامى انهم مقرّبون. لما عرفوني انا باتوا يعلمون أن نعمتك جعلتهم افضل من ذلك. عرفوا انهم بك لصيقون. وهذا اقتضى جرحي. لقد أمرت بجرحي حتى يُحبّوك فيُشفوا. واذا شُفوا غنّوك واستلموا الفرح. والفرح هو السماء.

انت ما أصعدت احدا اليك الا لمّا أنزلتني اليهم. انهم سيصعدون معي بعد قليل ليتمّ فرحهم فينا فينكشف لهم ملكوتك. قلت لهم انه فيهم ثم ترجمت لهم ذلك بموتي.

يا يسوع خذني الى هذا الحب الذي تُكفر به ذنوبي كل يوم. لا تجعلني أرى غير وجهك لأن كل وجه آخر يلهي. احصرني في محبتك حتى لا تدغدغني أهوائي فيرى الناس نورك مرتسما على وجهي، ولكن عرّفه أن هذا النور ليس منه ولكنه مسكوب عليه بحنانك. انت اختلطت بنا لنذوقك والعلاقة بيننا وبينك بعد أن أتممت العشاء الأخير انك أعطيتنا ذاتك بشكل خبز وكأس حتى نجوع اليك دائما ونعطش اليك اي حتى تزول المسافة التي كانت بيننا وبين أبيك.

#   #

#

واذا دخلت الينا بهذه الصورة لا نظل حاسبين اننا اخوة باللحم والدم اللذين نحن بهما فبتنا اخوة بروحك نحن لا نأخذك الينا فقط. انت تخطفنا اليك. انت تظهر ان هذا الذي نتناوله على مائدة الخلاص هو اياك الجالس عن يمين الآب.

نحن نرى هذا بأن ذراعيك الممدودتين على الخشبة تضمّاننا اليك والى أبيك بقوة روحك. نعود الى ذراعيك حتى لا نتشتّت في دنيانا وقد أصبحت انت دنيانا حتى لا نتلهّى بسواها فنضجر ونموت.

لقد قلت مرة: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». نعرف أن هذا شاقّ على قوانا ولكنا نؤمن انك تحمل شقاءنا فنتعزى بكل كلمة خرجت من فمك. وكذلك قلت: «انتم أنقياء بسبب من الكلام الذي كلّمتكم به». أن نسمع فقط الى ما قلته ولا نستمع الى سواه هذا يجعلنا خلائق جديدة. من بعد هذا ننبسط في ملكوتك. سُد علينا يا يسوع لنطمئن الى أن سلامك فينا. هذا سلام تعطيه انت من جراحك فتشفى بها جراحنا فلا نرقد رقدة الموت.

الحياة الجديدة التي دعوتنا بها صارت فينا وتصير اذا حفظنا وصاياك. إن هربنا من وصاياك نسعى الى سراب فعدم. لا ترمنا يا رب في العدم الذي ليس فيه كلامك. انتشِلنا دائما من هوى السقطات التي تحوّلنا عن رؤية صليبك فتميل نفوسنا الى كلام الخديعة. والخديعة هي «شهوة العين وشهوة الجسد وكبرياء الوجود». هذه كلها ميتات نعرفها تعطّل فاعلية صليبك فينا.

نريدك يا سيد، لا تُخزنا ولا تجرّبنا بذوق المعاصي. انت جعلت القديسين لا يردونها. ونحن نسلك كأن القداسة عبء او كأنها مستحيلة. حوّلنا الى ما تشتهيه لنا انت حتى لا يكون لنا مشيئة غير مشيئتك فنتّحد بك في الصميم. قوّم أفكارنا لكي لا نخطئ فكرك، نق نياتنا لنتقبّل بفرح ما تنويه لنا، وهكذا نصبح عشراءك حقا. لاصقنا في ضعفاتنا نفسها نلصق بك فنستمدّ قوّتك ولا نخشى الموت.

يا سيدي أبعد عنا كل شبح يأتي إلينا من مملكة الموت وأهلنا اذا ما اقترب أن يلقانا الآب بقوة قيامتك. لا تطرحنا من امام وجهك في ساعتنا الأخيرة حتى لا تُداهمنا الظلمات. أوضح لنا أن فراقنا هذه الأرض إنما باب احتضانك. روّضنا على ذلك كل حين فإذا ما عرفنا اقتراب هذا الفراق نُدرك أننا لسنا مقصيّين عن وجهك. وجهك يا رب، وجهك عزاؤنا في عالم التعب. لا تسمح بأن نيأس من إمكان دنوّنا اليك لأن هذا يكون الموت.

#   #

#

ادعُ كل من مات في ساعة موته اليك لأنه إن لم يسمع صوتك يبقى أصمّ. اكشف له وجهك لكي يقبل حضن أبيك. كل الذين يموتون يدخلون برحمته. هذا قاله كبارنا الذين تروّضوا في الجهاد. أمك لا تطيق أن يُقيم أحد في النار. وقد قلت انت عند نزاعك للتلميذ الحبيب إنها أمه ففهمنا أنك تريدها أمّا لكل تلميذ حبيب. هي لا ترضى بموت أحد الى الأبد. فاذا خلصوا جميعا يرتدون ثوب مريميّتهم. هذا هو عرس قانا الجليل، سيدي.

هذا العرس كان صورة عرسك مع الإنسانية البارّة بالدم. هذا إياه سيكون العرس الأبديّ اذا جمعت أحباءك من كل أصقاع الدنيا فتنتهي آلامهم ويطربوا بك. الذين خطفتهم اليك سيتبعونك فوق حيث تسير.

كل ما عندنا هنا من صلاحك تهجئة لهذا اليوم الأخير. القيامة التي حقّقتها من بدء آلامك وذقنا منها قيامات بحنوّك سنراها قيامة أخيرة لنا ايضا اي جمعًا للإنسانية المصطفاة الى حبك. بعد هذا نعزف مع الملائكة على قيثارات الظفر، وكل لحظة من السماويات تكون فينا ترتيلة جديدة.

وهذا كله سيكون في السماء صدى لبعد ما نقوله بعد يومين هنا: المسيح قام.

Continue reading