Category

2010

2010, جريدة النهار, مقالات

مريم / السبت 14 آب 2010

أنّى لي أن أدنو الى سرّ مريم في عيد رقادها غدا وهذه لا يتحدّث عنها الا المطهّرون وانا عي امام بهائها مع أنها أخذتني أخذًا فريدًا قبل بضع من سنين. إن اجترأتُ على الكلام يسحرني صمتها وهي الماكثة في صمت مذهل لأنها كانت تؤثر أن «تحفظ كلام الله في قلبها» اي أن تنتظر إلهها يُكلّمها حتى تتكوّن هي بالكلمة.

من المعروف أن العهد الجديد لم يذكر موتها لأن الإنجيل ليس سيرة مريم، والقليل الذي ذكره عنها له علاقة بسيرة السيد، والإنجيليون همّهم أن يكشفوا قوة المسيح وجلاله. لم يظهر حديث عن هذا الموت الذي نسمّيه في الشرق رقادًا اذ المؤمن لا يفنى. لم يظهر حديث عنه قبل القرن الخامس وبدا هذا في كنائس الشرق عيدًا اي تقوى في أناشيد وتلاوات غير مسكوبة في عقيدة. مريم لها أثر قبر في القدس الى يومنا في الجثسمانية في حمى دير راهبات روسيات. بعض الآباء على رأسهم يوحنا الدمشقي كتبوا عمّا حدث بعد موتها فتكلّموا عن انتقال جسدها الى السماء. تحديد الانتقال الجسديّ جاء فقط عند الكنيسة الكاثوليكية في اواسط القرن العشرين. الأرثوذكسيون متروكون لأناشيدهم التي تبدو قائلة بالانتقال الجسدي. هذا نسمّيه في اللاهوت رأيا ولا نسمّيه عقيدة.

ولكن تفحّص هذه النصوص يدلّ على أن مريم ساكنة المجد الإلهي بحيث تكون غير خاضعة للدينونة، وتراها الكنيسة البيزنطية أكرم من الملائكة، وقد يعني هذا فيما أرى أنها تتمتع بكمال الرؤية الإلهية اي بكمال الغبطة التي ليست بعد من حصّة القديسين. ربما جاز لي أن أَستند في هذا على ما قالته لنسيبتها أليصابات: «ها منذ الآن تُطوّبني جميع الأجيال». هذا أقرأه قراءة بسيطة على أنه يعني تقديرك لها تقديرا عظيما ولكنك تعترف أنها نالت الطوبى التي لا يحظى عليها الا المقرّبون من العرش الإلهي. وهذا في فهمي يعني أنك تخاطبها وتقبل أن يجعل الله صلة بينك وبينها تتجاوز التقدير العقلي الى حالة حبّ مريميّ لا أعرف حتى الآن كل جماله وكأنها تحملني كما حملت المسيح. واذا أَكرمتني بهذا أُصبح رائيا لوجهها.

# #

#

سأتوقف عند ثلاثة أحداث. أولهما البشارة كما وردت عند لوقا. الفتاة كانت عذراء ومخطوبة ليوسف اي انها كانت «مزوّجة» شرعا ليوسف ولم تكن بينهما مُساكنة. يأتيها جبرائيل ويبشّرها بأنها ستحمل وتلد ابنا ويطلب اليها أن تسمّيه يسوع. فقالت له مريم: «كيف يكون هذا ولا أَعرف رجلا». ماذا أرادت بهذا الكلام وهي متزوجة شرعًا اي مقبلة على زواج فعليّ بالمساكنة؟

زواج بلا اتصال لا يعني شيئًا عند اليهود وهم لا يُمارسونه. جوابها لا يمكن أن يعني إلا شيئا واحدا أنها فهمت أن الملاك يقول لها بأنها ستحمل فورا قبل المساكنة. فهم الملاك أنها فهمت هكذا. لذلك قال لها: «إن الروح القدس يحلّ عليكِ وقدرة العليّ تظلّك» الى آخر الكلام. كشف لها جبرائيل أنها ستكون مطرح معجزة ليس لها سابق ولن يكون.

عند ذاك، قالت: «أنا أَمَةٌ للرب، فليكن لي حسب قولك» أي اني أتقبّل هذه المعجزة لإيماني بالله. كانت هذه طاعة لم يكن للعقل فيها دور. هذا إيمان غير مبنيّ على تأمل لاهوتي ولا على آية من العهد القديم. كان هذا ايمانا مطلقًا.

الحادثة الثانية الهامّة في حياة مريم هي عرس قانا الجليل الذي كانت فيه أُمّ يسوع. ولما نفدت الخمر قالت ليسوع: «ليس عندهم خمر». فقال لها يسوع: «ما لي ولكِ يا امرأة». رأى يوحنا الذهبي الفم أن هذا القول يتضمّن لومًا للسيدة العذراء. أقرأ هذا النص كبعض من قارئيه أن وجود الخمر وغيابهما أمر لا يعنيني. لماذا انتِ مهتمّة بأمر تافه؟ لم ترفض مريم قوله ولكنها آمنت أنه لن يترك المدعوّين الى العرس بلا فرح. لهذا قالت للخدّام: «مهما قال لكم فافعلوه». ثم كانت أُعجوبة تحويل الماء الى خمر.

تجاوز الكاتب الحديث عن الحوار الذي جرى بين يسوع وأمه. كان همّه أن يقول: »هذه أُولى آيات يسوع أتى بها في قانا الجليل فآمنَ به تلاميذه«. الأمر أعظم من أن نقول ان السيد قبل أُمنية والدته. ما كان همّ الإنجيلي أن يُظهر أهميّة هذه المرأة المتواضعة. كان هاجسه أن يكشف مجد يسوع وأن يربط بين المعجزة والعشاء السري. قانا كانت محطّة أولى في ذهن يوحنا الى آخر الطريق الذي هو موت المخلّص بعد مناولة التلاميذ كأس الخلاص. اختفت مريم لإظهار مجد يسوع. إنها دائما متسربلة بالخفر ليتمجّد ابنها. هذا دور كبير.

# #

#

ما يختم المريمية في الإنجيل هو وجود مريم والى جانبها التلميذ الحبيب عند صليب يسوع. «فرأى يسوع انه التلميذ الحبيب فقال لأمه: «ايتها المرأة هذا ابنكِ» ثم قال للتلميذ: «هذه أُمك» ». هذا تعليم وليس مجرد حادثة. يقول التراث ان التلميذ الحبيب الوارد ذكره هنا في إنجيل يوحنا هو يوحنا نفسه. ولكنه خفرا او تواضعًا او بأسلوب خفاء أدبي لم يذكر اسمه. قراءتي تتجاوز هذا لأتمسّك بالنص لأقول أن يسوع لم يكتفِ بأن يجعل مريم أُمّا ليوحنا. هذا صار ولكنه دون عظمة إنجيل يوحنا وقوته. لقد جعل يسوع مريم أُمّا لكل تلميذ حبيب.

ماذا تعني هذه الأمومة؟ أحسب أننا لن ندرك ذلك إلا اذا جعلنا هذه العظيمة حاضنة لكل قلب اشتهى أن يرتمي على حضن المسيح. تكون هي الى هذا القلب بحنان لا نعرف كل مداه قبل أن نُعاينها بعد القيامة لصيقة العرش الإلهي.

لذلك كله، نحن نُعيّد غدًا لرقادها العجيب.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الغفران / السبت 7 آب 2010

فعل غفر، يغفر يملأ القرآن. الله هو الغفور او الغفّار. والانسان يستغفر. اذ ذاك، ينال المغفرة. وفي مواضع كثيرة الله غفور رحيم. استعمال الكلمتين معًا يدلّني على أنّ المغفرة الالهية ثمرة الرحمة عند الرب. المسلم منجذب بشدّة الى كلمة الرحيم الواردة في البسملة.

في الآية 17 من سورة التغابن يقيم الكتاب رباطًا بين مغفرة الله للانسان وغفران الانسان للآخر بقوله: «وان تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور رحيم». هذا قريب جدا من انجيل لوقا: «كونوا رحماء كما ان أباكم ايضا رحيم» (6: 16).

غير ان اله القرآن يبقى على حريته الكاملة «فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء» (البقرة 384). وهناك معصية لا مغفرة بعدها وهي الشرك وفق قوله: «ان الله لا يغفر ان يُشرَك به» (النساء، 48).

«فيغفر لمن يشاء» يقول محمد جواد مغنية صاحب التفسير المبين ان ليس لأحد ان ييأس من عفو الله فلعلّه مغفور له. «ويعذب من يشاء» ولا يأس من غضب الله، فلعلّه مغضوب عليه. اما مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي في قول (يغفر لمن يشاء) يعني انه يغفر لمن يشاء منهم رحمة وفضلا وفي (من يعذب من يشاء) يقول: ممن يستحق العقاب اذا صار الاثم من افعال القلب. عند الطبرسي (يغفر لمن يشاء) تعود المشيئة فيه الى الانسان لا الى الله ليرفع عن الله فكرة التعسف كما اظن ذلك «ان المحاسبة انما تقع على ما كسبته القلوب إما في نفسها وإما عن طريق الجوارح» كما يؤكد السيد محمد حسين الطباطبائي. الغفران الالهي او عدمه مرتبط اذًا بموقف الانسان من الله.

لا بد من العودة الى لسان العرب لنعرف تحديد المغفرة او الغفران. فالغفور (اي الله) هو الساتر لذنوب عبيده المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. وفي هذا يقول داود النبي: «طوبى لمن غفرت ذنوبه وسترت خطاياه» (مزمور 32: 1). يعني ذلك انه تغاضى عن اقتراف الذنب لأنك صرت قريبا اليه بالتوبة، لأنك عدت اليه. فاذا كنت لديه لا يحسب ربك عليك خطيئة. هل يحفظها الله في ذاكرته؟ الله يعلم ما ارتكبت ولا يقع عليه النسيان ولكنه -اذا صح التعبير- يحفظك في قلبه نقيًا وكأن شيئًا لم يكن.


#             #
#

في الكتاب المقدس في عهديه الله هو الغافر. غير ان العهد الجديد بسبب من وحدة المسيح والله بنسب المغفرة الى المسيح ايضا (راجع كولوسي 3: 13). مثلها قول يسوع لمريض أُتي به اليه طلبا للشفاء: «مغفورة لك خطاياك» (متى 9: 2) في حين انه لم يسبق لنبي في اسرائيل انه غفر خطايا. هذا كلام لا لبس فيه اذ فهم الكتبة انه ينسب الى نفسه القدرة على الغفران وأكد هو ظنّهم اذ قال: «ان لابن الانسان سلطانّا على الأرض أن يغفر الخطايا» (متى 9: 6). قول المسيح هذا يجعل قدرته من قدرة الله نفسه ويبقى مضمون الغفران واحدًا وهو تجاوز الله للخطيئة او الاثم.

في العهد القديم فكرة خاصة لا نجد لها أثرًا في العهد الجديد واضحًا وهو ان الله يغفر اثم شعبه (مثلا في المزمور 85: 2)). هذا ناتج في تصوّري عن فكرة «شعب الله» الذي يقابله الله شعبّا وهو يقابل الله ويتكوّن شعبًا باختيار الله ايّاه في حين أنّ العهد الجديد لا يقول انّ الله يغفر للكنيسة. ربما لأن الكنيسة قيل عنها انها عروس المسيح ورآها الوحي بامتدادها الأخروي. ربما كان هذا ايضًا ناتجًا عن رؤية الرب للانسان في شخصيته المستقلة المسؤولة.

أجل سبق لحزقيال أنّه تكّلم على المسؤولية الأخلاقيّة للانسان الفرد مستقلاً عن القبيلة او الشعب ولكن ما من شك أنّ المسيحيّة كشفت أهميّة الشخص بصورة لم يسبق لها مثيل لا في اسرائيل ولا في الحضارة اليونانية.

على هذا الغفران العميم الذي هو من صفات الله يقول الكتاب في سفر الملوك الثاني (24: 40) ان الرب لم يشأ ان يغفر لمنسى «لأجل الدم البريء الذي سفكه لأنه ملأ أورشليم دما بريئا». هذا الحديث عن جسامة القتل وليس حديثًا مطلقًا، نهائيا عن غضب الله.

الى هذا يتحدّث الانجيل عن غفران الانسان للانسان. في الصلاة الربيّة في الترجمة الأرثوذكسيّة: «واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه» (متى 6: 12). توضحها آية لاحقة: «إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي». غفران الله لكم مشروط بمحبّتكم لمَن أساء اليكم. هذا لا يعني أنّ للانسان قدرة على الغفران بمعنى محو خطيئة الآخر. الخطيئة في أنّه لم يسامح واذ ذاك، لا يستطيع قلبه تقبّل الغفران الالهي لأنّ من أغلق قلبه عن الانسان يغلقه بالضرورة عن الله.

#                            #
#

انها طمأنينة للانسان ان يعرف محبّة الله له ولا سيما في الغفران. ماذا يحرّك الله الى هذا؟ أبوّته. المسيحيّون واعون أنّهم أبناء الله وأنّ الآخرين هم كذلك وإن لم يعرفوا البنوّة لله لفظا او تعليما.

كل هذا لا يعني انّنا نصرّ على الخطيئة متّكلين على رحمة الله. رحمة الله  شأنه وشأننا نحن التوبة. الخطيئة المتكرّرة تقسي القلب وقد تجعلنا بعيدين عن استرحام الله. الاسترحام يعني حوارًا والتجاءً الى الله. والرحمة من طول أناته. انت لا يحق لك ان ترمي نفسك على طول الأناة هذه. تقيم نفسك في التوبة ثم تأتي المغفرة وتنشأ بينك وبين ربّك مودّة وتستطيب بعد هذا حلاوة الرب.

«ليس احد يحيا ولا يخطئ». هذا تعليم الكتاب ونستعمل هذا القول في الجنازة الأرثوذكسيّة. هذا وضع وجد القديسون أنفسهم فيه. ولكنهم عرفوا أنفسهم في مقام المغفرة واللطف الالهيّ. عرفوا أنفسهم محضونين في الروح القدس الذي يطهّرنا من كل دنس وينقلنا الى ملكوت المحبة الذي يرى بولس انه ملكوت المسيح. هذا هو العشق الالهي الذي جاء الكلام كثيرًا عنه في تراثنا وعلى لسان المتصوّفين المسلمين. لعلّ صفة المغفرة في الله من أهم الرؤى التي تجمع المسيحيين والمسلمين وتقيمهم في مرتبة المحبوبيّة معا.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

لماذا أكتب؟ / السبت 31 تموز 2010

لمن أكتب؟ لمن يستطيع أن يقرأ، لمن يريد أن يحرّر ذاته من فكر له مغلوط او شبه مغلوط، ليرتقي بروحه الى الله الذي ينبثّ اليه من خلال ما يقرأ او الى المسيح الذي لم يكتب، ليرصف نفسه مع الذين فهموا، ليقدر أن يتوثّب الى روح الذي يكتب ومنه الى كل العقول التي تجيء من قلوبها لأن القلب هو المصدر الحق للعقول والمتخيّل. ومجموعات العقول في كل الحضارات المتلاحمة في الحق وبالحق هي مطرح العقل الإلهي الذي هو المحبة. أقول هذا طاعة مني لما جاء في رسالة يوحنا الجامعة الأولى في العهد الجديد القائل ان الله محبة. وحدسي أمام هذا التصريح اليوحنائي أن المحبة ليست صفة من صفات الله التي تملأ كتبنا المقدسة ولكنها اسم الله، الاسم الكامل الذي لا يعلوه اسم اذ الله يُنشئك من كونه يحبّك وقبل انعطافه عليك تتلقّى انت خبراتك بالفكر. اما خبرة الله لنفسه فهو أنه يحبك ويُلهمك المحبوبية. وعيك البشريّ لنفسك يأتيك من ذوقك لمحبوبيّتك فتصير واحدا مع الإنسانية كلها المكوّنة لرؤيتها نفسها محطّ الانعطاف الإلهي.

ومهما اختلفت وجوه الناس ودياناتهم ولغاتهم فالأمر الأكيد أنها واحدة كيفما عقلت الوجود. والمسيح لم يمُتْ لفئة او فئات متبعثرة ولكن للكتلة البشرية الكاملة، والإنسانية هي التي تزوّجها المخلّص لنفسه واحدةً مهما كان انتسابها اليه في معرفتها اذ الحقيقة في تصرّف الله تجاهها من حيث إنه ينسبها الى ذاته او الى أفعاله وأفعاله ضياؤها وما عندها من نور الا النور الذي يُشرق به عليها. لفتني مرة أن يسوع قال لأتباعه: «انتم نور العالم» (متى 5: 14)، ولكنه ما قالها إلا لكونه قال في مطرح آخر «أنا نور العالم» (يوحنا 8: 12). كلّ منا يجيء من إشراقة له عليّ وعليك.

من هذا الاتحاد بيننا وبينه أكتب لأُوقظ الناس الى الحق الذي فيهم، ليعرفوا أنفسهم إلهيين او متألهين، وهذا حوار لأن القارئ يتلقّى الحقيقة الصادرة عن الكاتب ويكُونها اذا الكاتب كانها أي أن القارئ يكتب نفسه بما قرأ، هذا إذا تواضع ليتقبّل هذا الذي نزل عليه. وفي نهاية التحليل الكاتب والمكتوب وما يصدر عنهما في التفاعل شيء واحد.

حُبّا بمن يُطالعني أُعطيه نفسي ولكني أُحاول ألا أُعطيه خطاياي. ومن هنا أنك لست بكاتب حق الا اذا تحررت من وطأة نفسك عليك اذا أتتك الوطأة من هذه الدنيا . ولكن اذا اخذ ربك أصابعك حينما تضع سطرا او مقطعا فهو المؤلّف وانت مكتوب. بكلام آخر لا تضع حرفا على الورق، حرفا مقدسا الا اذا نزلت عليك الحرية من نفسك الموطوءة او المدنّسة لأن هذا لا يحرّر من يقرأك بل يسجنك في الدنس الذي فيك. من هنا أن ليس الفن للفن، ليس للجمال المسطّح لغة او زخرف. الجمال ليس الجماليات المتعارف عليها. انه جمال الحقيقة التي تعرف دائما أن تنتقي منك ما يُطهّرك ويُطهّر الآخرين. الجمال جلال وبهاء من فوق حتى لا تقع في عبادته اي في عبادة نفسك والانتحار فيها. الجمال الذي تظنّه أدبيّا اذا لم ينتقل بهاءً الى نفوس الآخرين إغراء ووقوع الكاتب وقارئه في هذا الإغراء.

# #
#
مسألة الكتابة الأدبية أنها ليست وعظا اي تعليما دينيا مكررا بألفاظ تختلف. الموعظة يمكن أن تكون جميلة أدبيا لأنك تحتاج الى أن يعبُر النص إلى القلب. والشكل التفه لا يعبُر. الوعظ يجوز فيه التفنّن ولكن دائما للحقيقة التي يحيا بها حافظها ويحيا بها المتلقّي. الخطر في الوعظ عبادة الكلمات القديمة المكرورة، والقديم لا ينزل على الإنسان الذي يعيش عصره. تغيّر له الكلمات ليقتبل الحقيقة الأبدية الكامنة في الكلمة الموروثة. ولكنها لا تصبح روحا إلا اذا التقت روح المستمع. الكلمة هي الحقيقة المختبَرة (بفتح الباء) حتى تقدر أن تنشئ نفسًا تذوق وتتحول.

أُمّة الله او الكنيسة كما يسمّيها المسيحيون هي مجموعة المتحوّلين وبالتعبير الدينيّ مجموعة التائبين الذين يعرفون لكونهم خاطئين أنهم ليسوا بشيء إن لم يأكلوا الكلام الإلهي الذي ينسكب عليهم من بشر أحياء حاولوا أن يهتدوا ليصيروا وسطاء الكلمة القديمة، اذا تحوّلت أشخاصهم وليس فقط أسلوبهم. فالأسلوب تقانة اي انه آلة في يد من أعطى كلاما جديدا ولكنه أمين. من لم يصبح وليد النعمة ينقل اليك كلاما ميتا، وهذا ليس ببليغ. مهما اقتبست من علوم اللغة، لا يستخدمك الله إن لم تخدمه انت بالرجوع اليه. لست وسيطا إلا في طاعتك له، ومن سمعك يبقى ميتا لأنه يأخذ كلاما ميتا، اما اذا غدوت إنسانا جديدا تصنع به ناسا جددا. والجديد قديم اذا نقلَتْه نفسٌ تجدّدت بالحب والتواضع.

# #
#
لماذا أكتب اذًا؟ الجواب الأصحّ أني أكتب لأتطهّر، لأقترب من الله الذي أعرف أنه يستكتبني، لأقول كلمته لا كلمة صادرة من رغبات بشر. أكتب لأنقل ما جعله الله على قلمي وليس لي فيه شيء، فإذا لم أصر واحدًا مع المكتوب أكسر قلمي، وإن لم أسعَ الى أن أصير واحدا مع من يقرأني، من أحسبه قابلا لله أكون مخطئا إلى القارئ، أكون قابلا لخطاياه، متآمرا وإياه على ربي، مؤلفا وإياه كتلة متفذلكة تدعى المثقّفين. هذه الكلمات تكون «أزهار الشر» كما سمّاها بودلير اي أزهارا سامة.

هذا يجلب عليّ دينونتي، والصمت في هذه الحال نجاتي من السمّ. انا كاتب مسيحيّ واذا أحسست نفسي متمرّسا بالمسيحية يكون عندي شيء أقوله لجميع الناس لأن المسيح يمسّ كل القلوب فتأخذ ما تستطيع أن تأخذ والنفس البشرية مؤهلة للمسيح. ولكن هذا لا يعني أني تنقّيت بالكامل. لذلك قد لا يكون المسيح عبر بكماله الى هذه الكتابة التي أستخدم. القديسون يحيون حياة الرب وما استطاع الكثر منهم أن يكتبوا. إنهم أنارونا واستضأنا بنورهم. الكاتب عنده دائما شيء من بشرته فإذا كان مؤمنا هو معذب بسبب من ذلك. يحاول مع هذا أن يكون رسولا ويغفر له الغفّار اذا أخطأ وينتقل ما ينتقل. ولكن وُضع النير على كاهل من أُعطي أن يكتب، ويكتب لأنه يطيع. ومن لم يُطِع يكون قد بدّد الوزنة التي عليه أن يستغلّها ليتمجّد الله به.

الكاتب الأمثل هو اذًا مَن تطهّر كليا، مَن وصل الى الفرح الإلهي. والفرح يكتب كما يكتب الوجع. ولكن الوجع يأتي من الخطيئة احيانا او يأتي من صعوبة التخلّص منها. هناك دائما خضّة في النفس نؤتاها من سقطاتنا او من محاولة التوبة عن سقطاتنا.

الحزن يكتب والتهليل يكتب. وفي كل حال تأتي الكتابة من الدهشة، وعند القديسين تأتي من الذهول، ذهولك امام المجد الإلهي. هذا يعني أنك تجاوزت ألم المعصية. من غرق فيها لا يبقى له قلم لأنه لم يبقَ شاهدًا او مُشاهدا للجلال. اما من بقي عنده شيء من المحبة فلا بد له أن يحب قارئا لا يعرفه.
من كتب لا يعرف قارئيه. يكتب كما يكتب، كما يسري قلمه لأنه هكذا يعيش وهكذا يتحد. قيل لأبي تمّام: «لماذا تكتب ما لا يُفهم؟» أجاب: «لماذا لا تفهمون ما أكتب؟». انت تكتب بطريقتك لأنك هكذا تحب وتصل الى المجاهدين في الفهم، واذا أَحسّوك بعض المرّات يصلون الى ما أردتهم أن يتبلّغوه، وعزاؤك في هذا أن بعضا من الناس صاروا من أُمّة الله.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الصبر / السبت 24 تموز 2010

يرى الكثيرون اذا تكلّموا على الصبر أنه الجمود او الاستكانة عند مرض او ملمّة او موت بما هو شعور سلبي او غياب لردة الفعل، وفي أحسن حال هو برودة أعصاب عند الألم جسديا كان أَم معنويا، وبهذا يقتربون من الموقف الرواقي العملي. واذا نفذ الصبر فهناك الغضب او التشنّج او الانتفاضة. ويأتي الصبر كما يُحسّون به استسلامًا او انهزامًا امام العيش اليومي اذا تخلّف البلد او ساد فيه الفساد عندما لا يبدو أمل في الإصلاح او النهوض.

إن انعدام التأثر وضع لم تدعُ اليه الديانات التوحيديّة ولكنه أساس في البوذية التي تدعو الى موت الرغبات. التوحيد يقول بتطويع الرغبات لا الى إبادتها إن كانت جيدة اذ يفرّق بين هذه والرغبات الفاسدة.

الإنسان حركة وانت إن شئت ما هو صالح لنموّك تكون متحركا الى الله الذي فيه تُحقّق ذاتك والبوذيّة كما تعلمون لا إله عندها. للمفارقة نقول إنها ديانة إلحادية من حيث إنها تسعى الى الإنسان الحر الذي يكتسب حريته -اذا جاز التعبير- مما قد ننعته نحن انحصارا بالأنا التي لا تأثّر فيها.

وددت في هذه العجالة أن أستهلّ كلامي على الصبر في الإسلام لأنه يُكثر من ذكره. اللافت فيه أنه يرفض معنى الاستكانة اذ يقول: «فاصبر كما صبر أُولو العزم من الرسل» (سورة الأحقاف، 35). نحن اذًا مع صبر حركيّ. ويُكثر القرآن من تذكّر الذين عملوا الصالحات اذ أُوتوا هذه الفضيلة اذ «صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة» (الرعد، 24). بلا إله تطلبه وتتوخّاه لن تكون صبورا. هذا ليس فيه رواقية. الرب هو الذي يكافئ أي ان المسلم يطلبه بهذه الحسنة والرب يعضده. والصبر حركة يؤتيها الله الإنسان فيتوكل هذا عليه. هي حركة تقوم على التقوى والصابرون يواجهون الفتنة.

من الآيات التي لفتتني: «واتبع ما يوحي اليك واصبر حتى يحكم الله» (يونس، 109). لي أن أفهمها على أنك في الشدة والاختلاف تتسلح بالصبر حتى يحكم الله بينك وبين خصمك ما يدعم ما قلته سابقا انك في رجاء الى الله الذي يُنهي الخصومة الفكرية او غيرها متى شاء او في اليوم الآخر. في هذا الموقف يقول: «فاصبر لحكم ربك» (القلم، 48). ولعل إحدى ذرى هذا الكلام قول القرآن: «وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبّ الصابرين» (آل عمران، 146) للدلالة على أننا بالصبر في مجال الحركة القائمة على الهدوء الداخلي الذي يمنّ الله علينا به. وهذا هو السلام بمعناه الأخير.
# #
#
تري المسيحيةُ أن الصبر مرتبط بالفضائل الثلاث التي ذكرها بولس أعني الايمان والرجاء والمحبة. فالصبر يسبق الإيمان ويتبعه (ترتيليانوس في كتابه عن الصبر). كذلك يولّد الرجاء ويولّده الرجاء (القديس يوحنا السلمي). ويساعد الصبر على تنمية المحبة وفي آن هي ثمرته (يوحنا الذهبي الفم في مواعظه على الرسالة الأولى الى أهل كورنثوس). آباؤنا ربطوا الصبر بالهوى المؤذي وبالسلام الذي تزول به الانفعالات ونتجاوز به المحن.

هنا ايضا الاتجاه هو الى الله: «انتظر الرب وأصبر له» (مزمور 37: 7)، وهو غير محدود المدى: «انا أصبر على كل شيء لأجل المختارين لكي يحصلوا هم ايضا على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجدٍ أبدي» (2تيموثاوس 2: 10). هنا تتبيّن التماسك في فكر بولس بينه وبين المؤمنين بحيث انك اذا اكتملت بالصبر يُحدث هذا خلاصا للآخرين.

ذروة الصبر في العهد الجديد صبر المسيح عند آلامه وقبوله للموت وينتج عن هذا ما يسمّيه سفر الرؤيا «صبر القديسين». هؤلاء فضيلتهم لها ركيزتان: النعمة الإلهيّة. هذه المشاركة الإلهية الإنسانية هي خلفية كل التعليم عن الخلاص. والمسيحية لا تستنكف فكرة المشاركة بين الله والإنسان. إنها نزول العطاء الإلهي للإنسان.

الصبر، إنسانيا، وقفة محبة إزاء من أبغضك واضطهدك وهو مصدر الشهادة، مشاركة الكلمة وشهادة الدم. وما كانت كذلك الا لأنها كانت رؤية. عندما اجتمع بعض من اليهود ليرجموا استفانوس، وهو أول الشهداء عندنا، «شخَصَ الى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس فرأى مجد الله» (أعمال 7: 50). ما من صبر يدخل الى قلبك ما لم تَنظُر مسبقا الى حضرة الله قائمة في قلبك. هذه الحضرة الإلهية وحدها تجعلك قادرا على احتمال المصاعب كلها (الخسارة المادّية، المرض، العجز الدائم، موت عزيز، الهجاء، الشتائم). الحضرة الإلهية وحدها تجعلك متغلّبا على كل حركة غضبيّة، محتملا كل ثقيل وعدوّ لأنك بذلك تخلّص نفسك (متى 10: 22).
أخذ آباؤنا توصيات الكتب المقدسة وصاغوها تعليما. وذهب كاسيانوس البارّ حتى القول «إن أفعل دواء للقلب البشري هو الصبر».
ليس المجال لأذكر كل ما قاله آباؤنا في بهاء الصبر وقوته. غير أن القديس كبريانوس القرطاجي علّم أن الصبر ضروري لكل البشر بعد أن جعلت خطيئة آدم الوضع البشري خاضعا للألم. في الحقيقة أن الأحزان الكثيرة التي تنتابنا تشدّنا الى اليأس وتاليا الابتعاد عن الله.

منذ أيام معدودة جمعني عيد مار الياس الى أستاذ كبير في علاج السرطان في الولايات المتحدة ووصف لي الأطوار المعنوية المتناقضة التي يمر بها الواقع في هذا المرض. من الوقعات أن يتساءل لماذا أصابه المرض ولم يُصب غيره. بعد هذا يتصالح والوجود. ما من شك أن السؤال عن إصابته هو من أصعب الأسئلة التي نواجهها. امام هذه الأزمة نفهم عظمة الصبر وإلهيّة مصدره.

في هذا قال القديس مكسيموس المعترف في الفصول المئة عن المحبة: «الصابر هو من انتظر نهاية المحنة وتلقّى مجد المثابرة».

كثيرا ما ترى توقف سير الأمور التي تهمك، أن الأبواب موصدة امام جميع الناس في الوطن او الكنيسة، وكثيرا ما تلاحظ أن الأشرار كثروا وأن الصالحين أضحوا حفنة صغيرة فتشاهد أن الحلول قد ولّت وأن لا مستقبل منظورا تتوقّعه لأي شيء أنت تحبّه.

أجل يجب أن تسعى لتغيير الأوضاع مع المُخْلصين، وسرعان ما تُدرك أنهم حزانى على الأوضاع وعلى أنفس كثيرة فتفهم أن الله وحده مُمسك بمفاتيح الحياة والموت. يكشف لك الرب ساعتئذ أنه هو القدير وحده وأنه سيكسر أبواب الجحيم ليُصعد منها أحياءه ويرمّم الصالح للترميم أو يبني من جديد بنعمته ما تهدّم. لا يبث فيك صبرا جميلا إلا ذاك الذي عرفك على الرجاء. ليس للموت الكلمة الأخيرة.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الهوية / السبت 17 تموز 2010

في لغة الناس انت معروف بالنسَب لأن حياة الإنسان علاقة او علاقات. انت دائمًا الى الآخر او تكون دفين قوقعتك، فردًا معزولا اي غير قابل للكسر، للفتح، للانفتاح. اما اذا انكسرت شوقا يدخل اليك آخر. تصير واحدا به. الدنيا انتساب ليس الى أبيك وأمك ولكن الى من أدخلتهم النعمة اليك.

ولو تداخلت وانسانًا آخر لن تكونا واحدًا حقا او نهائيًا لأن كلا منكما يعوزه شيء. والناقص لا يكمل الناقص. اما اذا رأينا الى الله فيقول الفلاسفة او اللاهوتيون انه غير منسوب بمعنى ان كماله في نفسه ولكن ان نظر هؤلاءالى تجسد الابن أمكنهم القول ان غير المنسوب بطبيعته اختار ان ينتسب فصار الإنسان اليه وصار هو الى الإنسان. صلتك به باتت الهوية وعندي ان الهوية -وهي لفظة مستحدثة- مشتقة من «هو» بحيث تعرف عن نفسك بالآخر الوحيد الذي هو الله. تصبح ذا هوية اذا عرفك فتكون آتيا منه ومتكونا به.

بصورة مطلقة يصير الإنسان بكون الله يحبه. وما عدا ذلك مصطلحات دنيوية. يقال هوية لبنانية مثلا لتمييزك في الدنيا عن انتسابات اخرى. ولكنك لا تجيء من بحر بلدنا او جباله وان جاء بعض من طبائعك من تاريخه او مكوناته المجتمعية. ولكن هذا كله نسبي لأنك واحد مع البشر جميعًا وكلكم ينتمي الى لحم البشر وعظامهم وعقلهم وما فيهم من مخلوقيّة.

اما اذا عرفت نفسك محبوبا الهيا تكون واحدا مع المحبوب الآخر لأنه لم يأخذ محبوبيّته من لحم وعظام وعقل وما فيه من مخلوقية. حقيقة ما فيه او حقيقة ما هو (هوية) نزلت عليه من فوق.

ما قلته لكم الآن مؤسّس على ما نزل من فوق. على جبل سيناء يقول الرب لموسى: «رضيت عنك وعرفتك باسمك» (خروج 33: 17). اسمه النازل عليه هويته. ولما أراد النبي ان يرى مجد الله اي ان يعرف جوهره قال له الله: «واما وجهي، فلا تراه» اي لم يكشف له اسمه ولكنه قال: «واتخذكم لي شعبًا وأكون لكم إلهًا» (خروج 6: 7). يعرف الله عن نفسه بالحركة الى شعبه. هكذا تبدأ الجملة العربية بالفعل، بالحركة. في الصحراء، لا يكشف الله عن هوية له قائمة بذاتها ولكن عن رؤيته للشعب.

# #
#
هذا يؤيد مشهد العليقى الملتهبة حين قال موسى لله: «اذا ذهبت الى بني اسرائيل وقلت لهم: إله آبائكم أرسلني اليكم، فان سألوني ما اسمه: فبماذا اجيبهم؟ فقال له موسى: أكون ما أكون» (خروج 3: 13 و14). هذا ليس اسمًا، هذا فعل. الله يعرف نفسه بأنه يقوم بعمل رحمة لشعبه.

يأتي ارمياء بعد هذا ليقول الله له: «أكون لهم إلهًا ويكونون لي شعبًا» (7: 23) ويتكرر هذا القول عند ارمياء وغير نبي ويوضح بطرس في رسالته الأولى ان الشعب هو من ينال رحمة (1بطرس 2: 10). الشعب ليس اذا عرقا او كتلة مجتمعية. انه تلك الجماعة التي خصصها الله لنفسه وارتضت ان تطيعه ليكون اليها وتكون اليه وتاليا له. فاذا قلنا «شعب الله» نعني ان المضاف اليه الله هو بمعنى الفاعلية اي هو الذي يجعل تجمعا بشريا جماعة إلهية، اي مملكة كهنة حسب تعبير العهد القديم او كهنوتا ملوكيا وفق تعبير العهد الجديد. الله والشعب حركتان احداهما الى الأخرى.

انت، شخصًا مؤمنًا، يهبك الله هوية. ولو كنت ضعيف الإيمان يهديك هويتك لأنه راحمك ويعرف انك لن تستجيب. لقد جعلك الآب ابنا له وهذه هي هويّتك. انت مسمّى كذلك منذ الأزل وقد تمّمت هذه الهوية نفسها فيك لمّا خلقك ربّك على صورته ومثاله. في بنّوة المسيح لله الآب يرفعك الرب من رتبة المخلوقية المحدودة الى المخلوقية المتحركة بالروح.

الـ «هو» يجعلك الـ «أنا» واذا انتسب اليك تنتسب اليه وتحيا حياته. – غير هذا انتماء أرضي له منافعه في الأرض- بهذا المعنى وضع امين معلوف كتابه: «الهويات القاتلة». هو عرف محدودية ان يكون من عين القبو ومن طائفة من طوائف لبنان وصفات أخرى كل واحدة منعزلة تقتل واذا اجتمعت حسنة الى حسنة تنتج، مجتمعة، انسانا حضاريا «آدميا». في اجمل حال تبقى الحسنات لدنية ولا بد من رصفها في مكان، في مديرية احوال شخصية مثلا او في نادٍ او في نقابة او في عائلة او انتخابات. وهذه كلها آتية بعضها من بعض وليست منحدرة من الـ «هو» اي من الذي يتحرك اليك بحبه ويجعل فيك حبا يحركك اليه والى أحبائه.

وهنا تبدو محدودية الأوطان والمؤسسات والعائلات واصطفافها وقرباها وتباعدها الواحدة عن الأخرى. كل ما في الأرض حيز له كلماته ومصطلحاته وعلوه وهبوطه. كل ما في الدنيا عبور من مجد الى هوان او من هوان الى مجد. ولكن مجد الدنيا باطل وهوانها باطل حتى تأخذ قوامك الداخلي من الذي يراه وتؤتى اسمك عنده من برّك. وقد لا يكون لك اي اسم هنا الا ذاك المصطلح عليه اي يحشرونك في صنف اجتماعي.

اذا كانت هويتنا تصنعها المحبة الإلهية لنا لا يبقى من فرق عنا بين الناس ما دامت المحبة توجدهم دائما من ذاتها. انت تراهم على درجات ولكن المحبة التي تشملهم تجعلهم جميعا ابناء الله أَآمنوا بهذه البنوة ام لم يؤمنوا.

هذا يؤدبه ربه ويلاطفه لأنهم جميعا واحد في عينيه.  كيف تكون مكافأته عند ذاك، هذا امر لا ندرك كنهه. الله دائما يغفر ودائما يرحم حتى ننوجد امامه في نصوع كبير وهو انعكاس نصوعه.

نقاوتنا ميراث منه. النقاوة النازلة منه تصنع الهوية.



Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الكاهن والنبي / الجمعة 10 تموز 2010

جدلية العلاقة بينهما قائمة في المسيحية فقط وقد زال الكهنوت في اليهودية بزوال الهيكل السنة السبعين ميلادية وما من كهنوت في الإسلام. المسألة في المسيحية ان فيها مدبرين ورعاة يمارسون باسم الله سلطة وتجب لهم الطاعة وينطق الكتاب بهذا ما يجعل الكنيسة في جانبها البشري تتسم بطابع المؤسسة وهذا يعرضها لأخطار لا حد لها ليس أقلّها الاستبداد.

كيف تعامل الرئيس الروحي ان نطق عن هوى او وجّه الرعية بما هو ضد الفكر الإلهي او قادته «شهوات الخديعة»؟ احتاطت الكنيسة الأولى للأخطار نسبيا بإيجاد مؤسسة المشيخة حول الأسقف بحيث يشاور الشيوخ وعلى صعيد أعلى وُجد مجلس شورى سمي المجمع او السينودوس. لكن لا شيء يضمن احتضان الروح القدس لأي تجمع بشري. يمكن أن يُجمع البطريرك والأساقفة على خطأ او خطيئة او بدعة. وهذا حدث مرّات أرّخ لها المؤرخون. ولكون الكنيسة تبغي الحقيقة لا يصح أن نعمل كمؤسسة على صورة الدولة او الجيش. ولا يؤخذ فيها مفهوم الطاعة على مقياس الطاعة في الجيش. هي لا تُشبّه بأية جماعة أخرى.

المبدأ الأساسي الذي ينقح فيه المبالغة في المأسسة او يرفع عنها روح التحكم هو «حرية أبناء الله». والمعنى ان الروح القدس يمد المؤمنين بنفحات منه إذ «يهب حيث يشاء» فإنه غير مقيد بالكهنوت او الأساقفة وهم مقيدون به. إذا أردنا تعبيرا ورد في المجادلات المسيحية الغربية لقلنا ان الروح القدس ينقي الكنيسة بناس ليس لهم مقام ولا درجة او رتبة لأن الروح القدس حرّ هو من المؤسسة وله أن يختار لكلامه أداة من بين أصحاب الرتب العليا والدنيا او من عامة الناس الذين اعتدنا مؤخرا أن نسميهم علمانيين.

إذا صح هذا اللاهوت يتراجع اي مسؤول عن قرار اتخذه لما لم يستلهم الروح ونطق كبشر او تصرف كذي هوى ويكون بذا عاد الى «الجماعة التي هي حافظة الإيمان» حسب الرسالة الشهيرة التي كتبها البطاركة الأرثوذكسيون الى بابا رومية في منتصف القرن التاسع عشر. أنت آمر مبدئيا ان كنت ذا مقام ولكنك لست أمارًا الى النهاية الا بروح الرب الذي يدلك عليه الأنبياء.

# #
#
نحن ليس عندنا إمام معصوم. ماذا يعني ان الكنيسة معصومة؟ عند خلاف عقدي أين تكون الكنيسة؟ الروح القدس يدل الأتقياء عليها. اما «انا ربكم فاعبدون» فهذا غير موجود في الكنيسة بما فيها الكثلكة. ليس عندنا تحديد حقوقي للكنيسة او مؤسسي. عندما نقول في رسامة انسان: «النعمة الإلهية التي للمرضى تشفي وللناقصين تكمل هي تنتدب فلانا من الشموسية الى القسوسية» نوضح ان القيام بمسؤولية احدنا يتحدر من حركة الروح الإلهي اي انه موهبة وكذلك التكلم باسم الرب في الجماعة موهبة اخرى سماها بولس الرسول وسفر الاعمال النبوءة ولا تختلف بطبيعتها عن نبوءة العهد القديم من حيث قوة الروح الا ان الموهبة في العهد القديم كانت متجهة الى المسيح وفي العهد الجديد تأتي منه الى الجماعة.

هنا يمكننا تصور اصطدام بين «الكاهن» والنبي اذا كانت كلمة الكاهن صادرة عن هواه. النبي، عند ذاك، يصلح الكاهن. او اذا كان المسؤولون الروحيون سقطوا الي دركات اللامبالاة والجمود او التحجر او ما الى ذلك من اهتراء واخذوا الجماعة الى دركاتهم فالله يرسل من يتكلم لاستعادة سلطان كلمته من المفروض انهم حفظتها.

هذه المواجهة مُرة أحيانا ولكنها من بنية الكنيسة ومن مسيرتها. غير صحيح ان الكهنوت بُعده تكويني وان العوام (العلمانيين) غير تكوينيين. ليس صحيحا ان هناك كنيسة معلمة وكنيسة متعلمة. التعليم موهبة من مواهب الروح القدس كما يذكر بولس في الرسالة الى اهل رومية والرسالة الأولى الى كورنثوس. غير ان من استلم موهبة التعليم او موهبة الوعظ يُجعل كاهنا لأنه خادم الكلمة. ومن لم يوهب شيئا يبقى متلقيا. العلماني ليس بالتحديد من يتلقى ويعجنه الكاهن عجنا ببشرية الأول والثاني.
+ +
+
كل هذا لا يعني اننا نتفرج على الجمود والسقوط والجهل العلمي تفرجا. لكنه يعني ان نصلح كل انسانا ايا كان مقامه بروح الوداعة كما يقول الرسول بلا استكبار وفي بكاء لأن البكاء هو المعمودية الثانية. وهذا لا يعني ان الدعوة الى الإصلاح صادرة من نفس مجروحة او اساءت اليها الغطرسة او الفوقية بالاستناد الى الله. ذلك انه من السهل جدا ان تخضع الله الى الهوى في مزاعمك.

ما يفرح ويؤلم معا ان روح التجديد ينبت في الكنيسة فانها هي حاملة الكلمة بمجموعتها. وهذا يفسر ان دعاة الإصلاح أرادوا أن يبقوا في الكنيسة او الا يؤلفوا جسما آخر يبثون فيه دعوتهم لأن هذا الجسم ليس الكنيسة ولا جزءا منها.

كما ان مشكلة التجديد لا تحل بالانفصال للذهاب الى مكان آخر لأن هذا المكان الآخر يقع فيه المسؤولون في الأخطاء نفسها التي يقع فيها المسؤولون الذين كانوا يحيطون بك.

في كنيستك تتسلح بالصبر لأن الصبر هو لله وتجهد في سبيل السلام والوحدة ومتوخيا الحقيقة بآن. المسؤولون مدعوون الى ان يصغوا الى الذين يدعون الى التجديد وإعادة كل الأشياء الى الروح القدس او استمدادها منه. هذا سلام في الروح وليس في البشرة لأن هذا تسويات على حساب الحقيقة.

اعرف ان ثمة توترًا بين وحدة الرعية والحقيقة. لا يُضحى بالحقيقة التماسا للوحدة. ولا يُضحى بالوحدة بالرعونة والكبرياء. السؤال الرئيس هو فقط هذا: ماذا يقول الروح. هو الذي يرعى الكنيسة وانت تأخذ منه ان كنت قادرا على طاعته وتسوس فقط بالكلمة. هل يعرف الكثيرون ان من نرسمه اسقفا ارثوذكسيا يضع البطريرك او المطران القائم بالخدمة على رأس هذا المدعو الراكع عند المائدة المقدسة الإنجيل مفتوحا ليقول ان من نجعله اسقفا انما لا كلمة له ولا رأي الا هذا النازل من الكلمة الإلهية.

نحن لسنا متسابقين على مواقف بشر او كلمات لهم. نحن ساعون معا الى فكر المسيح. لذلك نشاور الإخوة قبل اتخاذ قرار لأن الشورى وان لم تكن ضامنة للحقيقة فانها تقربنا منها.

هذه جدلية المحافظة والتحرك. المحافظة يمكن ان تكون فهيمة والتحرك واعيا حتى يرتسم نور وجه المسيح على الكنيسة في ديمومة حياتها على الأرض.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

الطوباوي اسطفان نعمة / السبت 4 تموز 2010

السبت الماضي لمستْني نعمة الاستماع الى جوقات اجتمعت بقيادة غير راهب احتفاءً بتطويب الأخ اسطفان نعمة. الجو جو انتظار فرح او انتظار الفرح في الغد عند إعلان التطويب البابوي في كفيفان في القداس الذي كان سيقيمه غبطة البطريرك الكاردينال نصرالله بطرس صفير ويتلو فيه الكاردينال أنجلو أماتو الوثيقة البابوية التي تعلن فيها طوباوية الأخ نعمة.

ألوف من المؤمنين أحيوا الليل تأسيسًا على الترنيم وإكمالا له في صلوات الأفراد والجماعات متوقّعين كلامًا في القداسة في اليوم اللاحق. كان في هذا خشوع شاركناه في القلب داعين للمصلّين بالتبريك والنموّ الروحي اذ جاؤوا لالتماس التوبة وتقديس النفس.

لعلّ في هذا رمزًا لسلوك الكنيسة المارونية على دروب روحانية معمّقة ومثابرة تستمدّ ذكر الأبرار المطوّبين منهم وغير المطوّبين. ثلاثة او أربعة قديسين تعلن روما قداستهم إنما هو رضاء علوي عن الكنيسة المارونية.

الى هذا لفتني أن الأخ اسطفان نعمة اللحفدي كان إنسانا بسيطا لم يطلب العلوم العالية مع أن ثمّة من قال: «عالِم كراهب ماروني» لا سيما بعد تأسيس الكلية المارونية في روما التي أنتجت الحاقلاني والصهيوني والسمعانيين والدويهي ومن إليهما. ولا يزال كبار الرهبان يجيدون التاريخ الكنسي والطقوسيات والقانون ولم تنكبّ الا قلّة عزيزة على البحث العقدي. البحث عن الهوية الخاصة وتاريخ الملّة والليتورجيات دعامة من دعائم الهوية كان ما ميّز الكنيسة المارونية وأنا لست مؤهّلا لتقويم البحّاثة الموارنة في التاريخ ولكني التمست من كبارهم منذ عشرات من السنين أن يذيقونا الروحانية السريانية وباتوا قادرين على تقصّي الروحانية اليونانية اللغة أفي أنطاكية كان هذا أم في الاسكندرية. وعند التعمّق ترى أن الكنيسة في هذه البلاد تقوم على أعمال الآباء في اللغتين اذ ليس صحيحًا أن نتحدث عن كنائس بيزنطيّة التراث وكنائس سريانيّة التراث في هذه المنطقة من العالم. أنطاكية واحدة في الأصل ومسعانا أن نترسخ على هذا الأصل مع إطلالنا على حداثة التعبير ونقل هذا التراث الى أهل هذا العصر.

هل نحن راغبون في التشريق؟ صارت محاولات إصلاح ليتورجيّ في الكنيسة المارونية وليس فقط للقداس الإلهي. مرة حضرت رتبة المعمودية عمّد فيها طفل من أنسبائي المقرّبين. فرحت لها بسبب اقترابها الكبير من التراث. وكلما أُنعى الى مأتم مارونيّ مقول في شعر مقفّى وموزون أجد أنه مُركّز على لاهوت الآباء وليس فيه أثر للأُخرويات اللاتينيّة. الكنيسة المارونية ذات هيكلية ذاتية sui juris.  وهذا تنظيم أرادته روما لبطريركات الشرق الكاثوليكية ما يفتح لها مجالا في التشريق إن أَحسّت بضرورته لبنيان روحانية لها ممارسة في اللاهوت من جهة وفي الطقوسيات من جهة.

هل يحقّ لأخ مثلي أن يذكر بخفر أننا جميعا نوقّر مار مارون ونقيم له عيدا ولم تبادر روما إلى إعلان مجده وقد اقتبلنا جميعا مجده قبلها وبدونها. ألا يستطيع المقام البابوي أن يتوسع بمفهوم ذاتية الكنائس الشرقية بحيث يُفسح لها في المجال مثلا في تطويب القديسين المحليين في بلادنا؟

لقد دعانا غير مرجع ديني الى إقامة حوار بين الكنائس الأنطاكيّة كلها. كيف يتم هذا إن لم تتشرق الكنائس الكاثوليكية الى أقصى حدّ ممكن؟ إن كان الأثر اللاتيني عالقا بها فماذا تكون مساهمتها في هذا الحوار؟ اذ ذاك، يكتفي الأرثوذكسيون بمحاورة روما مباشرة كما نفعل الآن. والى هذا فالحديث يدور في الأوساط اللاهوتية الأرثوذكسية منذ سبعين سنة ودار في المجمع الفاتيكاني الثاني على الكنيسة المحليّة التي تتحقق فيها الكنيسة الجامعة. الكنيسة الواحدة المقدسة الرسولية الجامعة قائمة في كل كنيسة متّسمة بطابع استقامة الرأي. الكنائس الكاثوليكية الموصفة بذاتيتها في أمور كثيرة من المدى الروحاني ماذا تعني ذاتيتها؟

ما يبدو واضحًا مما تركه لنا الذين تابعوا مسألة تطبيق التوصيات التي صدرت عن مجمع الفاتيكان الثاني أن روما هي التي بدت راغبة في ذاتيّة الكنائس الشرقية الكاثوليكية اكثر مما هذه راغبة في هذه الذاتية في ناحية او في أخرى. هذا ليس مشكلة كاثوليكية وحسب. هذه مسألة تتعلّق برصانة الحوار القائم بين الأرثوذكسية والكثلكة كلها.

ملاحظة أخيرة أرجو ان تُفهم بالأخوّة الإنجيلية التي تجمعنا وهي تتعلق بأفراد من صحافيين وغيرهم. انا لم أُحبّ عبارة «قديس من لبنان» ولم أذق كثيرا الحديث عن يوم التطويب على انه يوم وطني بامتياز للمسلمين والمسيحيين. لماذا إقحام المسلمين بشؤون لا يتحسّسونها على الإطلاق؟ ولماذا لبننة القديسين ووطنهم السماء كما يقول بولس الرسول؟ انا لا أفرح بقديس من بلدنا أكثر من فرحي بقديس من الصين. هذا مأخذي على الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي خصّصت يوما تُعيّد فيه لقديسي الأرض الروسية. الوطنية اللبنانية لا تخضع لها القداسة. إنه خفض لهذه إن جعلناها جزءًا من تلك.

يبقى القديس اسطفان نعمة ساطعًا. هنا أقول لإخوتي الأرثوذكسيين انهم اذا شاؤوا أفرادًا أن يُكرّموه في منازلهم فلا شيء يمنعهم من ذلك وأن يضعوا صورته حيث شاؤوا دون دور العبادة بسبب الانقسام القانوني القائم بيننا وبين روما.

أهلا وسهلا للأخ اسطفان نعمة ولبهائه وتواضعه في قلوبنا. ما من جامع مثل القداسة.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

التواضع / السبت في 26 حزيران 2010.

ما همّني لو اسمي / امّحى من مهجة الأرض

ما همّني لو سارت الدنيا / إياي ناسية

حنان عاد

         كيف أُعرّف التواضع وهو حسنة لا تعرف ذاتها. هي لا تتكلم إذًا. ليس لها أنا. وجودها يقول ويضع في النفوس عوالم. تبكي لأنها مجروحة إذ تُقيم في المظلومية. لا تعترف لنفسها بالبهاء. هي ثملة بالجمال الإلهي الذي يُخفيها فيه. تراه وحده ولا ترى نفسها فيه لأنها باتت كمريم نسيًا منسيًا. الخفاء سكنها. لم يمحقها أحد. لا يستطيع.

         يدخل الناس إلى الله من بوابتها. مأخوذة هي بهم جميعًا. تراهم قامات من نور ولا تعي أنها تعكسهم. يعبرون بها، لا تستوقفهم، واذا وقفوا يؤخذون إلى جلالها. اذ ذاك يعرفهم ربهم ويحسبهم أنهم اليه. ينقلهم إلى المجد لأنهم مرّوا بقربها وأدركوا المذهل وسكنوا شعره وعزفوا على قيثارته متى غارت منهم الملائكة وسكتوا. هل صعدوا إلى السماء أم هي نزلت؟ هذه الحسناء في فضائل ربك جعلها الرحمن عرشا له وعليها استوى. كل ما في دنياك ليس بشيء إن لم تتلألأ له وجها اختاره الرب لسطوعه. التجلّي أساسيّ اذا العلم اختفى. التجلّي يصبح النطق أو لغة بين مجد ومجد. الذين عندهم هذه اللغة يسكنون الدهر الآتي الذي يدين فيه الله المستكبرين الذين حسبوا أنهم آلهة فماتوا اذ لم يعرفوا أن الرب هو الإله وأنه كان عليهم أن يفهموا أنهم نسيٌ.

         كتب مرة أمير في البلقان إلى ولي عهده: «لا تشته أن تصبح كاهنا أو رئيس دير أو أميرًا (وكان سيخلف أباه على الإمارة) لأن كل هذا من مجد العالم». خلافه طبعًا مجد الله إن ابتغيته تشاركه. ولا شيء يجمع بين هذا وذاك لأنك إما أن تأتي من السماء فتسوس بها الأرض أو تأتي من الأرض فتموت بها. أهل السماء يُدفنون فيها ولكنهم ليسوا منها. إنهم لقد صعدوا.

         «مجّدني يا أبت بالمجد الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم». عندما قالها يسوع كان في طريقه إلى موته الظالم. المظلومية شرط التواضع. الناس قهّارون للناس. القلة التي تقبل المقهورية تحبّ قاهريها. واذا وقع عليهم استرحام المقهورين قد يدخلهم الفهم فيستغفرون. ولا نصل إلى عالم الفهم ما لم يحبّنا أحد. ولا يحبّ إلا من توارى. المتواري وحده يعترف بالآخر. يعترف بأن الآخر، كل آخر أفضل منه. هذا شرط انتشار التواضع. هذا شرط لإثبات ملكوت الله.

*                  *

*

         عندما تقول مريم: «حَطّ المقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين»، كانت تشير إلى عظماء الأرض الذين رأتهم يستعظمون بأشيائهم. والملك ليس كيانا. أما اذا رفع الله المتواضعين فيُمتّعهم بكبر منه أي بما هو غير مخلوق، وحسب كتابنا يجعلهم آلهة وهو يدري وهم لا يدرون. وفي هذا يتألهون.

         ليس عند من رفع نفسه قدرة لبلوغ الله لأن الله لا يحب المنتفخين فيتفجرون من تضخمهم. اما الذين جعلوا أنفسهم على مستوى التراب فيرفعهم ربهم لينحتهم نحتا جديدا ويستطيبهم هو ولا يستطيبون أنفسهم اذ جوهر حُسْنهم ألا يعرفوا أن لهم حُسنا. عن هذا يقول باسيليوس: «لم نصنع شيئا صالحا على الأرض». هذا صدى لقول المخلّص: «لا صالح الا الله وحده». لذلك نبقى في جهل حسناتنا حتى ذلك اليوم الذي «يدين فيه اللهُ سرائر الناس». واذا أعلن الله آنذاك برّ الأبرار فهؤلاء ينسبون برّهم إلى الله ولا يتمجّدون بأنفسهم.

         كل القضية أن تعرف الله واهبا واحدا احدا، وأن تتخشّع له بسبب هذه المعرفة وتكون من الشاكرين. التواضع هو اعترافك بمركزية الله اي بأحديته في تقديسك. والقداسة فيك هي في اعترافك بأنك خاطئ. هذا بدء اتّكالك على الله الذي هو التماس لعطائه.

         كلّ ما قلناه هنا لا يلغي كلمة سقراط: «اعرف نفسك»، اذ يجب أن تعلم قدراتك لكي تعمل وتعاشر الناس وتُقيم معهم اتصالا. لا ينحصر هذا في قدرتك العقلية وتأهّلك لهذا النشاط أو ذاك. الحياة المدنية تتطلب أهلية وعلوما وخبرات. والإنسان يجب أن يقدر المواهب التي فيه فلا يتنطّح إلى ما ليس هو معدّا له ويلتزم المجتمع الذي هو عضو فيه وله رؤيته السياسية وربما العمل السياسيّ. وفي هذا لا يجوز أن يستصغر نفسه وأن يهمل تنمية مواهبه، وليس في هذا استكبار.

         أين تدخل مزيّة التواضع في وعي الإنسان مواهبه العلمية والمهنية؟ يمكن أن يكون أحد الناس كبيرا في عقله الأكاديمي أو الاحترافي ويعي بآن أن الرب عونه في هذا، وإن أدرك جهاده الطويل يبقى عليه أن يشكر لله هذه المواهب الطبيعية أو المهنية. نحن نعلم أن الشائع عند العلماء محبتهم للحقيقة وقبول بعضهم لبعض اذا اختلفوا على الصعيد النظري وعبّر عن هذا القرآن بقوله: «إنما يخشى الله من عباده العلماء» (فاطر، 28).

         لك أن تكون لامعا جدا وفقيرا إلى الله معا. الذي يُنكر مواهبه وقدرته العقلية أو العملية يتجاهل عطاء الله اليه. أن تدّعي العلم الذي عندك أو تدّعي جهلا ليس فيك تمسكُن أقرب ما يكون إلى الكبرياء.

*                         *

*

         التواضع يحسّ به الناس توا ومباشرة. ولكن لا يبتغي أن نفهم أن المرء المتواضع يُسلّم لك بكل ما تقول أو لا ينافسك أو لا يجادلك. يمكن أن يكون إنسان مواجهةٍ ونضالٍ حتى المخاصمة الفكرية ولكن يحبّه الآخرون لرؤيتهم صدقه وإخلاصه للحقيقة.

         الامحاء لله لا يعني امحاء فكرك أمام إنسان آخر أفي الوضع المجتمعيّ كان هذا أم في الحياة الشخصية. جمال الانسان المتواضع أنه يقبل الحق من آية جهة أتى. لا فرق في هذا أن يكون من تُواجه حادّا وأن تكون قناعاته مخالفة لقناعاتك لأن المتواضع يرى أن الحقيقة اذا أتت منك تكون رسالة اليه نازلة إلى خصمه أحيانًا من الله. في هذا وجب القول إن المتواضع لكونه يستلهم الله لا ينحاز في خياراته وليس عنده جعبة أفكار معلّبة. هو لا يحيا بما جمعه من ذاكرته أو من أصحابه. من هذه الزاوية هو إنسان دائما جديد أو متجدد. يأتيك من الفجر وينصب عليك من الضوء الذي استنار به ويُحررك من التفه ويحفزك على ألا تنتفخ لأنه يكره الترّهات. يُذكّرك أن خلاصك يأتيك مما هو صحيح لتُقيم فيه على البركات. التواضع يمحو عن الانسان كل خطيئاته.

         من عادى التبجّح والادّعاء يمدّ بالسلامة كل من صادق ومن مال إلى السكينة، والله يقيم في السكينة.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

السلطة / السبت 19 حزيران 2010

ليس لأحد من سلطان الا اذا أُعطي له من فوق اي اذا مارسه وهو في رؤية الحقيقة التابعة المحبة لها. في المبدأ ما كان أصحاب النظام الملوكي على خطأ في الغرب عندما كانوا يتكلّمون على أن الملك هو من حق إلهيّ، ليس بمعنى أن الملك اذا أمر من عندياته يكون الرب هو الآمر، ولكن بمعنى أن الحاكم المطلق ليس كذلك الا لإيمانه بأنه ينقل الى الناس سيادة الله عليهم بما يراه إلهيا. وعندما رفضت الثورة الفرنسية مطلقية الملك كانت ترفض أن سيادة الله منتقلة آليا الى الحاكم. بكلام آخر لا يبقى الرجل ملكًا الا اذا كان إلهيّ الإرادة.

اما الشعار الذي أطلقته الثورة بأن السيادة هي للشعب فخطأ كسيادة الملوك ما لم نؤمن أنّ الأمّة لا تُجمع على خطأ. البشر لا يُطاعون الا إذا جلسوا على أرائك الحقيقة والإخلاص للإنسان بالعدل والمحبة. السلطة تبقى لله كائنة ما كانت وسائل النقل. الإنسان تراب والتراب لا يحكم.

عندما يقول القرآن: «قلْ اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع المُلك ممّن تشاء» (آل عمران، 26)، لي أن أفهمها ليس بمعنى تقلّب الحكام وحسب ولكن بمعنى أن الملك يبقى عند الله ولا يملك إلا من مارس حق الله فيزول اذا زالت عن قلبه حقيقة الله. اذًا ليس هذا الجالس على العرش مليكا الا اذا كان يتعاطى حقيقة الله في شؤون الأرض. ليس هذا الجالس مركز الحكم. الله وحده المركز. بالمقابل لست أقول ان الله وراء إجماع الشعب او ما يسمّى في لبنان التوافق اذ من الإمكان أن تُجمع الأمّة على بغض او ظلم. الحكم يبقى اقترابًا من الفكر الإلهي وواقعيًا هو دائمًا محاولة دنوّ من البهاء الإلهي. ومَن كان حاكمًا بأمره دون الرجوع الى ربه يقع في الشرك وليست له طاعة وجدان. لذلك كانت السياسة اجتهادًا بشريًا تحمل طابع الخطيئة لأن البشر يقومون بها فيما هم غارقون في خطاياهم.

اذا انتقلت الى الحيّز الدينيّ لا نرى كلامًا في السلطة الا عند المسيحيين. لا يختلف هؤلاء على اختلاف مِللِهم ونحلهم على أنّ السلطة هي لكلمة الله القائمة في الكتاب وعند بعضهم يوضحها التراث. ولكن كيف تتركّز بشريًا؟ عند أول نقاش في عهد الرسل حول اقتبال الوثنيين في الإيمان أيتهوّدون قبل معموديتهم أَم لا، عُقد مجمع أورشليم وفيه ليس فقط الرسل بل الإخوة ايضًا اي عامّة الناس. المعنى الواضح أن الخيار النابع من الحقيقة ينزل على الجماعة المؤمنة والممارِسة. انت تحتاج الى طريقة تكشف لك ما يلائم حقيقة الله. الانصياع هو لمشيئة الله. لا أحد يأمر وينهى بأمره. لذلك يؤتى الى الرئاسة الروحية بمَن كان أهلًا للقيادة وذلك اذا كان الرجل وفق قلب الله في معايير ذكرتها الكلمة بلسان الأوائل. يُطاع الرئيس لأن هذه المعايير اكتُشفت فيه وهي التي دعت أن يُجعل قسا او أسقفًا.

# #
#

وقالت كتبنا إنه ينبغي أن يكون تائبا، وفي درجة أعلى أن يكون مستنيرًا. اما في درجة الأسقفيّة وهي العليا فينبغي أن يكون مؤلَها اي انسانا إلهيا لا عيب فيه ولا لوم عليه ومدركا مقام اللاهوى اي التنزّه عن الغرض والشهوة المؤذية وغير منفعل او غضوب ولا طامعا بالمال ومخلصا لزوجة واحدة، غير شرّيب للخمر، عفيفًا على كل صعيد.

وفهم المسيحيون الأوائل أن تطيع انسانا كهذا لأنك تطيع فضائله ولست منصاعًا للحم ودم. مرة سألت كبيرا في كنيستي: «كيف تعلم أن الكلام الذي تقوله صادر عن الله أَم صادر عن شهواتك؟». تتصوّرون أن السؤال كان محرجًا ولكن هو السؤال. لذلك يجب أن يسمع الأسقف صوتا نبويا يهزّ ضميره ويدعوه الى التوبة لئلا يكون مستبدّا بخراف يسوع ويعطيها ما وسوس به له الشيطان.

إنه يقترب من المبتغى لو قرأ قول المعلّم: «ما جاء ابنُ الإنسان ليُخدم (بضم الياء) بل ليَخدم (بفتح الياء) ويبذل نفسه فداء عن كثيرين» (مرقس 10: 45). المطران خادم وغاسل أرجل. من هنا، بعض التدابير يَعرفها أهل الدنيا: أن يُحاط بمستشارين، بمجالس شورى . هذا هو الحد الأدنى، غير أنّ تقواه تقتضي أن يحيط به الأتقياء الذين ملأهم الروح بالحكمة ونزّههم عن الغرض. اما أن يتصرّف وكأنه يقول: «انا ربكم فاعبدونِ» فهذا شرك وضلالة.

أما اذا اختلطت عند الرئيس الديني المسيحي تقواه بشهوة التسلّط والتسلّط بغض فما علينا إلا أن ندعو له بالهدى ومخافة الله وأن تقوى محبته. دائما التعاطي بأمر الله رهيب. فهو إما تبليغ لأمره او تطويعه لشهوة المسؤول. من هنا أن المحلّ الممتاز للاستبداد هو الكنيسة. الدولة ايضا مكان الاستبداد ولكنه استبداد بشريّ عاديّ -إن لم تكن دولة قائمة على مشروع- أسهل تحمّله لكونه لا يدعم نفسه بالله.

الدنيا كلها استعظام الإنسان لنفسه أيا كان مقامه وأيا كان عمله المفترض، والمتواضعون قلّة، اولئك الذين يعتبرون ربهم كل حياتهم ويرون أنفسهم لا شيء. هؤلاء يُصلحهم ربهم ويُنقّيهم اذا زلّوا، ولكن التواضع الأصيل فيهم ينجّيهم من كل ادّعاء. ونحن علينا بالصبر إذ به وحده يواجه استعباد الإنسان للإنسان . من تشكو على هذه الأرض والضغوط تنزل عليك من كل صوب؟ لازم وجه ربك وحده لأن الوجود كله زائل وزائل معه المجد الباطل، وأنت تُعطى مجدا من فوق، مجدا غير منظور وتفرح بمن يعطيه لا بنفسك.

كيف نتعلّم أن البشر جميعا إخوة وأن كل أخ لك خير منك؟ الوحدة البشرية ليست ركام أجساد. انها فقط وحدة الودعاء الذين رفعهم ربهم على الملائكة وجعل قلوبهم عرشه.

التسلّط هي تلك الرذيلة التي يجعل الإنسان نفسه فيها بديل الله الذي له وحده سلطان السماء والأرض. فيها يعبد الإنسان نفسه أولاً، ويريد الناس كلهم عبيدا له، ويعيش كأن الكون كله مخلوق لممارسته نفوذه. كل خطيئة تصدر من شهوة ما. شبق السلطة قتل للناس جميعا بالفكر، إلغاء كيانهم في نفسك.

انت لا تستطيع إلغاء المتسلّطين اذ عندهم كل الوسائل ليكبروا أنفسهم ويثبتوا وجودهم. طريقك الوحيد الى التحرّر منهم أن تتمرد عليهم. أن تجعلهم يحسّون بأن الله مُلغيهم من الوجود الحقيقي. تمرّد بالمقاومة السلميّة دائما لأنك إن استعملت العنف تكون قد تبنّيت رذيلتهم. العنف كبرياء وجود. لعلّهم بالمقاومة السلميّة يتوبون. تمرّد على الأقل في قلبك. هذا يُحييك وقد يُحييهم.

الى هذا اصبر الى الله. اتّحد به وارفعه عليك مليكًا وحيدًا. لا تُساوم إن صبرت. هذا خنوع والذل لله لا لمخلوق. تخشّع دائمًا في حضرته ليمنّ على أهل الدنيا وأهل الدين أن يتقبّلوا رئاسة الله عليهم ويعترفوا بأنه الرب الواحد الأحد.


Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

المحبة والشوق / السبت 12 حزيران 2010

ليس مِن تقابُل بين المحبة والحب كما زعم كبير بين شعرائنا. هما واحد في اللغة. لكن اذا تتبعتُ الكتاب المقدس وأدب الآباء ألحظ أنّ التقابل هو بين المحبة الإلهية او التي يسكبها الله والشوق او العشق الفائض من قلب بشر الى قلب بشر والذي عبّر عنه قدماء اليونان، ومن تبنّى استعمالهم في الأدب المسيحي بلفظة Eros.  هذه الكلمة ليست محصورة بمدلول جسدانيّ ولكن لها دائمًا مدلول تأثّريّ أو انفعاليّ. هي شعور تلقائيّ على صورة الينبوع. وعلى أنها تنبثق من أعماق النفس إنما تُقال ايضا -ولو قليلا- عن الله. واذا قيلت انه هو احيانًا مصدرها الا أنّ الشعور الصادر عن الله (خارجا طبعا عن الانفعالية) يسمّى المحبة.

الى هذا المحبة النازلة الى القلب البشري بفضل من الله وكرمه أي بحركة نعمة كما نقول في المسيحية تنسكب ايضا في قلب آخر او في حركة من هذا القلب. الإنسان، اذ ذاك، محب كما الله محب.

على صعيد البشر، العهد القديم وحده يتكلّم عن العاطفة القائمة بين رجل وامرأة بدءًا من كلام الله الى حواء بعد السقوط اذ يقول: «والى رجلكِ يكون اشتياقكِ» (تكوين 3: 16) وفي الترجمة السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد القديم) لفظة اشتياق تحمل معنى الرغبة والشهوة.

اما العهد الجديد فلا يحتوي كلمة واحدة تعني الاشتياق او حتى كلمة حب بمعناها البسيط. لا يتحدث عن علاقة عاطفية بين رجل او امرأة. يتكلّم على الزواج فقط الذي قد يرتكز على العاطفة قليلا او كثيرا وقد لا يرتكز. الزواج مرتبط بالله بطريقة او بأخرى ولو انعقد على أساس عائليّ او اجتماعيّ. ليس صحيحا تاليًا أنّ المسيحية تتطلب الحب بمعناه المألوف عند الإنسان العصريّ او في رومنسيته. ليس في العهد الجديد ما يشبه نشيد الأناشيد او ما يشبه قول هوشع في مطلع كتابه عن التملّق والملاطفة.

# #
#
هذا الإعراض عن الحديث في الحب في العهد الجديد سببه -فيما أعتقد- أن الإنجيل ما جاء ليصف الطبيعة اذ تُعاش ولا يحتاج المؤمن أن يعلّمه الله عن أمور قائمة في تكوينه الجسدي والنفسي. هذا ما يسمّيه بولس الإنسان الطبيعي اي القائم على صعيد الخَلْق، ثم يصير انسانًا روحانيًا اي مستمِدًا نفسه من الروح القدس ولو لم يفقد صفاته الطبيعية. تصير ذات اتجاه إلهيّ. الرسول لم يتنكّر للرغبات البشرية الحميدة كالجنس الممارَس حسب الشريعة ليبقى الإنسان غير مدمّر ويستطيع الارتفاع الروحي. المؤمن يتعاطى الجسد المرتبط بالنفس السائرين معًا نحو الروح القدس.

هذا الإنسان المتجدّد بالروح الإلهي يستلم من الله المحبة التي تفوق الأشواق بمعنى أنها تُشرف على الشوق وتُهذّبه وتنقّيه. بدء البدايات أن الله محبة وإذا جئت منها تكون نازلًا من عند الله. وتحيا لاهوته في إطار طبيعة لك هي مدعوة دائما أن تبصر القوى الإلهية التي تُقدّسك. وبالقداسة انت في الأرض تتحرّر من نير الأرض وليس من صعود جغرافيّ الى السماء.

هذا يقودني الى ما يقوله الرسول في رسالته الى أهل أفسس متحدّثا عن الزواج اذ يقول: «أيها الرجال أَحبّوا نساءكم كما أَحبّ المسيح الكنيسة» (5: 25). فعل أحبّ، يُحبّ، هو لفظًا، كما في اليونانية «أغابو». وهذا يعني أَحبّوا نساءكم بالمحبة التي ترثونها من الله. هذا لا علاقة له بالعاطفة الطبيعيّة ولا العلاقات الزوجية. بولس لا يدعو المسيحيّين الى تأجّج عاطفيّ اذ يَعلم أنّ هذا لا يحتاج الى وصيّة منه. أنت تبذل نفسك عن زوجتك كما جاد يسوع بنفسه عن الكنيسة اي حتى الموت وهذا ينزل عليك من فوق.

بولس ينقلك حتى تصبح انسانًا روحانيًا في الزواج بحيث تبقى في العلاقة الطبيعية ولكن ترفعها بالمحبة (لا بالأشواق) الى أن تصير مع الناس كما انت مع الله اذ تصبح معطاءً كالمسيح. تصبح مع زوجتك كيانًا واحدًا (جسدا واحدا حسب تعبيره). هذه الوحدة يستحيل على الأشواق وحدها ان تُتمّمها لأنها تهبط وتصعد. فيها برودة وسخونة وفتور، والمبتغى أن تصبح في حدود طبيعتك انسانًا روحانيًا. ويتابع الرسول قوله: «هذا السر عظيمٌ ولكني أنا أقول من نَحْوِ المسيح والكنيسة» (5: 32).

ليس المراد عند بولس أنّ الزواج سرّ من أسرار الكنيسة. ما يريده أنّ حياتك الزوجية كلّها تصبح سرًا إلهيًّا إن عشتها على غرار العلاقة بين المسيح والكنيسة أي حتى منتهى العطاء.

العطاء هي الكلمة المفتاح. في الحضارة الإغريقية الحبّ استيلاء، سلطان على الآخر. هذا أفلاطون. في المسيح الحبّ بين الرجل والمرأة قربان تضمحلّ معه قوة السؤال عمّن هو الرأس في العائلة. صاحب السلطان في العائلة أو في أيّة إدارة هو من أَحَبّ ليس من أَمَر. الآمر عنده شوق السلطة حتى الشغف بها. المحب يطاع بلا أمر يأمر به. المحب يموت فيحيا هو والمحبوب.

الأشواق تذهب الى حيث تشاء، فإذا استطعت أن تقودها بنور المحبة الإنجيليّة تُنقذها، وإذا لم تستطع تُدمّرك. الاشتياق لا يتبنّى الآخر. المحبة تبنّانا الله بها وهي تتبنّى الناس جميعًا لأنها مبذولة من أجل من أوصى بها أَعني الله. انها تغمر كل وجود، كلّ وضع بشريّ وتجعله مقرًا لله. إذ ذاك، يزول الفرق بين السماء والأرض.


Continue reading