عرّف المصلح الروتستنتي الكبير الكنيسة بقوله انها جماعة المؤمنين. عند القديس افرام السرياني عندنا تعريف أدقّ وهي انها كنيسة الخطأة الذين يتوبون. هذا يتضمّن اننا جميعا خطأة وان بعضنا يتوب. اما تعريف بولس الرسول وهو أدقّ منهما كليهما أنها جسد المسيح. انه هو رأس هذا الجسد المتكوّن منه والنازل منه، وهذا يستتبع أن ما نسمّيه الكنيسة كيانه المطلّ على التاريخ. انت من الكنيسة إن سكنك المسيح بمواهب روحه. هو إذًا يعرف من هم له ونحن نعرف بعضنا بعضًا بما يبدو أي بالمعمودية ومشاركتنا في المقدسات.
من هذه الزاوية ليست الكنيسة مؤسسة قائمة على تراتبيّة درجات او مناصب. هي حياة في المسيح كما قال الأب سرجيوس بولغاكوف العظيم. المنظور في الزمان والمكان مجتمع مسيحيين، تراكُم مسيحيين وهي رؤية في عالم الاجتماع اي ما يسمّى في لبنان طائفة قابلة أن تصير كنيسة اذا هذه الطائفة كانت تتحرك بالتوبة، اي اذا كانت تسير نحو مجد الله.
أنا وأنت نرجو أن نصبح من الكنيسة. وسيقول الله لك ذلك في اليوم الآخر. بانتظاره نحب بعضنا بعضا او نسعى، وإن لم نحب نبقى جماعة من الدنيا اي من السياسة، وليس لنا نصيب مع المسيح وليس هو نصيبنا. لذلك ليس في الحديث عن الكنيسة مكانة للعدد ولا للمال ولا للأوقاف. وأن يُعدّ المسيحيون حوالى مليارَي نسمة فهذا من باب علم الاجتماع وليس من باب اللاهوت. المسيحية نوعية وجود. في مجال الحق ليست الأجساد شيئًا. الى هذا ليست المسيحية عائلات ولا قبائل ولا رعايا منظمة إكليروسًا وعوامًا. هي الروح القدس فاعلا.
المسمّون مسيحيين بناء على معموديتهم فقط هشاشة لأن كل ما كان من العالم الهش. المسيحيون ليسوا من هذا الدهر. انهم من الدهر الآتي اذ وهبهم ربّهم المُلك الآتي كما يقول يوحنا الذهبي الفم في قداسه. لذا لا معنى لقول الناس ان موقف المسيحيين او بعض منهم هو كذا او كذا في سياسة العالم. المسيحية ليس لها كلمة في السياسة. قد تكون ثمة كلمة لمجتمع القوم المسمّى مسيحيًا. هذا لا علاقة له بيسوع الناصري. ما يُحزنني في بلدنا أن الطوائف المسيحية تتحدث في السياسة. هذا غير ممنوع عليها. غير أن هذا كلام يخصّها من حيث انها مجموعة من الدنيا اذ لم أسمع من زعيم من زعمائها أيّ ذكر للمسيح ولم ألحظ استقاء من الإنجيل.
يبقى أن هؤلاء المسيحيين غير الممارسين او الممارسين موسميا هم إخوتنا لكونهم معمّدين بالماء والروح او بالروح والنار. نهتم بهم اهتماما بالغا لأنهم خراف يسوع علموا أَم لم يعلموا. يستطيع الإنسان أن يجهل هويته. نقرأها له عنه يحبها فينتمي. الإنسان ينتمي الى الرب لا الى بشر. لذلك نسعى معا الى إصلاح ما يعتبرونه مؤسسة لأنها حاضن. والعبادات حضن واللاهوت المستقيم الرأي غذاء. كل شيء هو للإخوة.
عطاؤنا لا يمنعنا أن نتألّم في الكنيسة. قد لا تكون بيئة موجعة مثلها لأنك تتوقع الخطيئة في كل مكان وتتوقع أن تكون الكنيسة مكان البر. الذين ترجو منهم متعة روحية لا يصل اليك منهم شيء او يصل ما يخيب ويحزن ويعيدك هذا الى عزلتك في جماعة الرب. الكنيسة في واقعها التاريخي بشر والبشر واقعون في بشريتهم وهي عند بعض نتنة. عندما يصوم الرجاء يبتعد الكثيرون اذ كانوا يحسبون انهم يعاملون من عليه صبغة الله ولا تجد أية مسحة ألوهة على ناس فرضت عليك معاشرتهم واذا بقلبك يبكي في كل حين.
الجهالة الدينية في اوساطنا المسيحية مريعة. كيف يحيا ألوف من الناس بلا أدنى اطّلاع على أبسط أركان العقيدة؟ والمصلّون ماذا يفهمون من كلمات صلواتهم؟ هل نحن نجمع المؤمنين على مختلف أعمارهم ليذوقوا الإيمان ويحيوا به؟
هذا غياب. من المسؤول عن الجهلة ومن المسؤول عن تشويه الإيمان وعن تفه الكلمات التي يعرض بها. الجهلة ايضا أحباء يسوع. من يقول لهم انهم كذلك؟ يقول لنا علماء الإحصاء ان المسيحيين منذ ألفي سنة هم ستون مليار إنسان. هؤلاء كلهم ماذا عرفوا؟ ماذا فهموا؟ الى أين وصلوا بالحب؟
اذا كانت كلمة الله هي الإيمان اين كنا، اين نحن من الإيمان؟ بشر، بشر، بشر. المريع انك لا تجد إلها على الأرض. من مصلحة الناس أن يحسبوا إلههم في السماء اذا تربّع فوق هو لا يحاسبنا هنا. بلنأكل ونشرب لأننا غدا نموتا (1كورنثوس 15: 32).
من يشعر أن انطباق سلوكه على الكلمة هو كل حياته وأن ما دون هذه النوعية من الحياة لحم ودم ولهو وزينة. ولعل بعضا يتحرك وكأن الطقوس تعطيه كل شيء. عندي أنه في هذا التراث المسيحي او ذاك هي قمة الوجود او دسمه او فرحه. ولكن اذا سكرت في أشكالها ولم تمتصّ معناها لتُحوّلها الى نار فيك تصبح مائتة ومميتة. تنهي فيك التوثب الى أحضان الرب وتظلّ سجين هذه الأرض.
وتدخل في السجن اذا تحوّلت الكنيسة عندك الى مؤسسة. يهمك عدد الناس في طائفتك وأموالها وظهورها اليوم وأمجاد أمسها ومقارنة مجدك بمجد الآخرين. منافسة الأمجاد أنظومة دينية عند بعض بحيث تكون شاهدًا على ما هو بشريّ. تجمع في ذهنك وأحاسيسك ما يمكن تسميته دينا ولكنه ليس بالإيمان.
أجل لا معنى بلا شكل، بلا صورة وقد تكون الصورة غنية وكثيرا ما ذقنا الصورة ولم نذق معناها. قد تتعصب مثلا لما تسمّيه انت الأرثوذكسية ويكون شيئا بشريا بحتا لا علاقة له بالمضمون وتكون في الواقع مفتّشا عن نفسك، عن بقائك في هذا الدهر ولا سعي فيك الى ملكوت الله. أحيانا تصعد الى أطر الصورة اذ فيها جمال. تركّب لنفسك دينا جميلا ولكن ليس فيه روح الله ونعلنك ارثوذكسيا اذ ينبغي أن تنال جنازة أرثوذكسية تتوقع تأبينا لك فيها وتكون قد دخلت الكنيسة من بعد موت ليُقال عنك حسنا ولا سيما اذا كنت من كبار القوم. هذا الدين الحسّي يحمل في نفسه طيّات حياة وطيات موت ويُشيّعك كثيرون أرواحهم مائتة.
يبقى أن كل هذه الجماعات المهمّشة، المكسورة هي من إخوتك. انت لا تحكم على ما يبدو منها ولا تدين ولا تستعلي عليها. في رؤيتك اياها كثّف محبتك لها. تدعو لها بأن تعرج على الله حتى تحبه يوما حبا كثيرا. تكون كانت بعضا من كنيسة الخطأة. تصبح بعطائك كنيسة خطأة تائبين وانت لا تعلوها لأنك ربما عدت عن توبتك. غير أني موقن أن من عرف التوبة يوما وسقط يعود اليها لأنه يعود الى نكهة ما ذاقه قديما في نفسه من جمالات الله.
