Category

2010

2010, جريدة النهار, مقالات

الإكليروس وعامّة المؤمنين / السبت 16 كانون الثاني 2010

كل بحث لاهوتيّ قائم على كلمة الله والتراث الذي ينقلها ويفسّرها. وكلمة الله ليست قانونا وضعيا ولا تتضمّن قانونا وضعيا. وليس من مقولة مدنية او سياسية ترعى النظام الكنسيّ. وما من قرار للسلطة الكنسية ذا قيمة او إلزام ما لم يكن موافقا لكلمة الله والتراث. فالكنيسة ليست مجتمعا ديموقراطيا قائما على سيادة الشعب وتنفيذ هذه السيادة بالتصويت.

الكنيسة كلها من حيث هي مرتبطة بالكلمة قال عنها الله مجتمعة: «أما انتم فنسل مختار وكهنوت ملوكيّ وأمّة مقدسة» (1بطرس 2: 9). وليست قائمة على تقسيم فئويّ بين إكليروس وشعب، فإن كهنوت الكاهن او الأسقف لا يخرجه من الكهنوت الملوكيّ الذي يحمله الشعب كله بمعنى أن من سُمّي إكليريكيا هو من الشعب له تفويض إلهيّ خاص من أجل إقامة الكلمة والأسرار، وهذا لا يجعله طبقة او طغمة اذ ليس في الكنيسة من طبقات.

هنا تجيء كلمة «علمانيين» المشتقّة غالبا من لفظة «عولم» السريانية التي تعني هذا العالم، وفي الفهم الشائع انها تترجم كلمة «لاييك» الفرنسية التي تحمل معنى دهريا ناتجا عن فلسفة الأنوار التي سبقت الثورة في فرنسا. وهذه اللفظة تختلف كليا عن الكلمة اليونانية «لاييكوس» التي تعني العضو في شعب الله، وللالتصاق بالمعنى اليوناني آثر آباؤنا العرب ترجمة لاييكوس بصيغة الجمع بلفظة العوام اي كلية المؤمنين ولا تحمل معنى الخفض لقيمة المؤمن العادي.

فإذا كنا جميعا شعب الله وكهنوتا ملوكيا وأمّة مقدسة على الرجاء، ليس من احتمال لقيام إزائية بين المرسوم وغير المرسوم بحيث توضع صلاحيات إدارية لهذا وصلاحيات لذاك، إذ الإدارة مقولة قانونية وليس في الكنيسة أصلا قانون بالمعنى الوضعي. واذا لم تكن ثمة إزائية لا يرد البحث عما يستطيع أن يقوم به الأسقف وعما لا يستطيع الا بتصويت هيئة من العلمانيين. فإذا وُضعت الأيدي (الرسامة) على رجل ليصير أسقفا، لا ينفصل عن «الأمّة المقدسة»، بل عليه ان «يسمع ما يقوله الروح للكنائس» (رؤيا 2: 7) اي للجماعات المصلّية المتغذية من جسد الرب. استمع ما يقوله الروح القدس ولا تسمع الى كل من سُمّي مسيحيا يحفظ مسيحيته على بطاقة هويته.

*       *

*

الأمّة المقدسة لا تعني اذًا مجموعة المسيحيين المستقيمي الرأي بالتسمية. هناك فرق بين مَن مارس ومن لا يمارس. المعمودية لا تكفي لتصير مسيحيا. إن لم يكن الروح الإلهيّ فاعلا في نفسك ومكوّنا لعقلك، فمعموديتك كانت مجرد حمّام على ما يقول القديس سمعان اللاهوتي الحديث. اذًا ليس من مسألة عنوانها الإكليروس والمجتمع الأرثوذكسي الحديث. ليس من مسألة عنوانها الإكليروس والمجتمع الأرثوذكسي المرصوص او المصطفّ. العلاقة بين الأسقف والعوامّ هي في الكنيسة حيث لا سلطة بمعنى القانون الوضعي. واذا قال المسيح «كل سلطان أُعطي لي في السماء والأرض» (متى 28: 18) يعني بذلك كل قدرة لأنه هو القائل «مملكتي ليست من هذا العالم». من يعرف شيئا من اليونانية يفهم أن العهد الجديد لم يستعمل مرة كلمة سلطة بالمعنى الذي يعرفه الشرع الروماني.

في الكنيسة سلطة المحبة فقط، وهذه المحبة وحدها تجعل الأسقف رقيبا (وهذا معنى لفظة أسقف)، فاذا راقب يراقب بمحبته واذا كان هو المعنيّ رسوليا ليكون رقيبا، فليس عليه من رقيب. هناك فقط المراقبة الجماعية التي يمارسها المجمع، وهي ايضًا ليست ذات طبيعة حقوقية. انها تأتي من محبة الإخوة المطارنة بعضهم لبعض.

هنا يأتي موضوع شكوى العلمانيّ على مطرانه. هذا يتم أمام السيد البطريرك ومجمع المطارنة بناء على تهم معلّلة مستندة الى القانون الكنسي القديم الذي يعدد ويصف معاصي المطران التي تستوجب محاكمته.

ليس واردا تاليا أن تشكل هيئة علمانية تُسائل المطران اذ تكون عند ذاك رقيبة على الرقيب. خارج مقولة الرقابة، كل مؤمن يسأل المطران ما يشاء. هذا سؤال وليس مساءلة. فاذا لم يستقبل المطران السائل، يلحّ هذا عليه مرة او مرات او يصطحب من يلحّ عليه لأن الحقيقة أقوى من المطران وأعلى. وإنه لشيء عاديّ أن تصدر الحقيقة عن العلماني. هذا ما تفرضه سلطة المحبة، والبنوّة تنادي الأبوة. والسؤال ليس فقط عن الأوقاف وأحوال المال، ولكن يتناول بالدرجة الأولى الأمور الروحية واللاهوتية اذا أخطأ المطران فيها أو كان في حاجة الى أن يتقوّى بها.

تقضي قاعدة المحبة بالشورى. وهذا ما كان ايام الرسل لما اجتمعوا في اورشليم ليبحثوا في قضية قبول الوثنيين في الكنيسة. الرسل رأوا انهم في حاجة الى استشارة الإخوة. ينتج عن ذلك أن الأسقف الذكيّ يستشير لعلمه بأنه لا يعرف كل شيء والتشاور يخفف عنه أعباء كثيرة وتأتي قراراته مستندة إلى قبوله بمن له تقانة وخبرة.

أفهم ان اجتماع عدة أشخاص حوله يزيده علما وقد يزيده تواضعا. ربما ليس صعبا على اي أسقف أن يجمع مجلسا استشاريا او شوريا assemblée délibérative  لها الحق في كل سؤال ويلزم نفسه بالاستماع اليها وأن تناقشه ويبقى مقيّدا بضميره وقناعاته اللاهوتية. واذا اقتربنا الى الواقع لا بد أن نلحظ بالممارسة أنه يشاور الناس بأمور دنياهم اذ لا بد ان يكون بينهم من أولي الاختصاص. وأزيد على هذا انه حسن أن يُخضع الأسقف ماليته الى مراقبة شركة للمحاسبة وان ينشر تقريرها او يبلغه الى المجمع المقدس (وعندنا في هذا قرار) فيبرئ هكذا ذمّته امام الجميع. وهذا ليس فيه انتقاص لسلطانه الأسقفي.

*         *

*

تبقى القضية الاجتماعية والاهتمام البالغ بالفقراء. هنا تعظم مسؤولية العلمانيين ولاسيما أنهم عالمون بأمور العمل والمشاريع العمرانية ووجود عدد من الأثرياء الذين نرجو أن يزيد كرمهم. هناك عملية تنظيم كبير حتى لا يبقى في الطائفة بائس وان كان «الفقراء معكم في كل حين» كما يقول السيد المبارك. هناك أوضاع اجتماعية لا بد من فهمها ومواجهتها، وهذا يقوم به الكثيرون في رعاية الأسقف والكهنة الذين هم على اتصال بكل الشرائح المجتمعية. العلمانيون هم في الميدان بحكم موقعهم حتى لا يظلّوا حصرا مستشارين.

الى هذا القضية السياسية بما فيها عدالة الحكومة في شأن المناصب والوظائف في الحكم. هنا أرى فسحة كبيرة للنواب وأهل السياسة. اجل قلنا منذ عقود ان الأرثوذكسيين هم أولاً كنيسة وليسوا مجتمعا مدنيا قائما في ذاته. ولكن آن للأرثوذكسيين أن يعرفوا انفسهم طائفة لبنانية غير مهمّشة مدعوّة الى بناء الوطن القائم حتى الآن على الطائفية. يجب على الأرثوذكسيين أن يدخلوا اللعبة كما دخلها غيرهم لأننا لم نصل بعد الى الآخرة. ليدرسوا اذا بهدوء هل هم مغبونون. ليفتشوا عن حقوقهم ويستفيدوا من الدولة. اذ ليس من المعقول ان تخدم الدولة بالتخلّي عن حقوقك فيما الكل مهتمّ بحقوقه.

اجل لا ينبغي أن يعزل المطارنة عن هذا السعي لكونهم آباء لأبنائهم في حاجاتهم، ولكن السعي الحثيث الى هذا وتنظيمه مسؤولية أولى للعلمانيين. لا يسوغ أن تحس فئة من الشعب أن السلطات المدنية مهملة لها.

هذا لا يعني عندنا أن للطائفة الأرثوذكسية سياسة واضحة، محددة خارجية كانت أم داخلية. وقد لا يريد الكثيرون منا اصطفافا أرثوذكسيا على اي صعيد من الحياة الوطنية، ولا يريد الأرثوذكسيون تراصا لهم سياسيا وبعضهم ينخرط مع الطوائف الأخرى او الأحزاب في الشأن الوطني ولاسيما انهم انضمّوا الى أحزاب عقائدية او غير عقائدية. ولكن هذا لا يمنع أن يحتجّوا على انتقاص حقوقهم في مجال الانتخابات النيابية اذا كان هذا واردا وفي مجال الحقوق البلدية او الاختيارية. أفهم ان يحسّوا انهم في حاجة الى العدل.

ولكن كل هذا لن يسير سيرا حسنا اذا بقي عدد كبير منهم أرثوذكسيين اسميا حسب التوصيف الطائفي في لبنان. بلا تحسّس دينيّ كبير والتزام لحقوق الله عليهم وانخراط جادّ في ثقافتهم الروحية لا تحلّ مشكلة بينهم وبين رؤسائهم الروحيين. بهذا فقط ينتقلون من الرؤية الوضعية، الزمنية الى رؤية روحية تكون الزخم الكبير لحياتهم في الإيمان وفي الوطن والحكم.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

أخلاق اللبنانيين / السبت 9 كانون الثاني 2010

هذه مسألة كبيرة يهتم بها كل اللبنانيين وعلى رأسهم الصالحون. هؤلاء تقلقهم لأنها تعذّبهم. ولكن هل من رأي واحد في الموضوع؟ شعبنا تجذبه فضائله وما من شك في وجودها. الضيافة عندنا وحسن الجوار والسعي الى السلام وتجاوز التشنّج وسلامة العائلة والحب الرومنسي لهذا البلد طبائع قائمة ولا تجعلنا في أسافل دركات الوجود. مع هذا ليس من مواطن واحد يعتقد اننا أمّة من القديسين، ولست أظن ان شعبا واحدا في الأرض يدّعي القداسة لنفسه.

السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الإشكالية هو هل لنا أن نتحدّث عن أنفسنا موضوعيا. في هذا أظن ان كل رأي فينا مرتبط بخبرة كلّ منا اذ يأتي الإنسان من صدماته فيشكّل من مجوعتها رأيا يعمّمه، والمستحيل أن تُجمع على رأي او على آراء متقاربة. وما يخيفني أن المعاصي تستوقفنا وحدها على وجه التقريب ولا نرى الحسنات الكثيرة. انا لا أستطيع ان أقتنع أن الأبرار فينا قلّة. لسنا جميعا نحب الاحتيال على الدولة وخرق القانون. ولسنا كلنا أدنى الى الغش في المعاملات. ولعل معظمنا على خطاياه يحب الإخلاص لعائلته، ولسنا كلّنا متعصّبين دينيا. قد نكون متعصّبين لطائفتنا. هذا شيء آخر، وعند الهدوء نرى جمالات روحية في أبناء طوائف اخرى، بل نتجاوز هذا المستوى ونرى ان في الدين الآخر بهاء روحيا وقيما خلقية ونتكلم حسنا على الأديان الأخرى ولو اجتمعنا في حلقات من دين واحد او مذهب واحد، ونميل الى ان التعدد الديني فيه بركات. ولعلّ ما يعنينا على هذه الرؤية اننا أمّة مختلطة و«شعوب» متعاونة في الحياة اليومية. وقد يكون هذا أساسا مرتبطا بصداقات شخصية وعائلية لا شك في عمقها، ونفهم أحيانا ان الصفات الحميدة عند مسلم او مسيحيّ تعود كليا او جزئيا الى مصادر ايمانه والى كتبه، وقد يعود هذا الى كوننا نؤمن بإله واحد هو مصدر القيم، وعندي ان الملحدين في لبنان قلّة نادرة وقد لا تكون هذه المجموعة مجرّدة من ممارسة القيم ولو لم تقرّ بأن مصدرها هو الله.

اما الآن فهل بتنا بعيدين عن وعينا لكلام الله ومتطلّباته في دنيا المعاملات بعدا كبيرا؟ هل كل الشرائح الاقتصادية تعيش على نوع من الحياد الخلقي ام تختلف مسالك الشرائح بعضها عن بعض. ما أذكره جيدا لاطلاعي على التعامل المالي في منتصف الثلاثينات من القرن التاسع عشر من العائلة التي أنتمي اليها أنها ما كانت تشكو من سوء التصرف عند المدينين لها.

كان المستدين بمئات او ألوف من الليرات العثمانية الذهب بلا سند يردّ دَينه في الوقت المحدد ويعترف بالدين مبلغه. بعد هذا وعند مطلع الثلاثين من عمري لما أمسيت خادما لرعية في منطقة أخرى كنت ألمس صدق الكلام وطهارة المعاملة. هذه كانت القاعدة وكان الناس يدلّون على الكذوب. كل هذا يعني أن شيئا طرأ على علاقات الناس، وفي تحليلي أن هذا بدأ منذ السنة الـ 1936 عند سقوط الليرة اللبنانية وبداءة الحرب العالمية الثانية. الا يمكن ان يطرأ عامل آخر اليوم يساعد على تقويم العقلية واستعادة الناس للقيم؟

ولكن الأخلاق العامّة مرتبطة بالوضع السياسي العام بصرف النظر عن الطاهرين الأحرار من الضغوط المجتمعية. يبقى ان قوة الدولة سبب من أسباب التخلّق السليم، وهزالتها سبب للعكس. إن حِرْصنا على صحة الدولة وسلامتها هو حرصنا على الأخلاق الفردية. شدّة الحكم سبب في نقاوة التصرف عند الأفراد، واسترخاؤه يقود الى استرخاء الأمة.

غير أن نقاوة الحكم لا تستتبع آليا نقاوة الشعب. هنا تلعب الأديان دورها بجعلها الله، حقيقة، ينبوع الإيمان فالتصرف. تبقى الأديان العامل الكبير في تحويل الطبائع. وما علينا أن نلحّ على المرشدين والواعظين به هو أن تقوّي الكلمة الجانب السلوكيّ عند المؤمن ولا تنحصر في التعليم الديني النظري والعبادات. هناك ورشة كلامية كبرى ينبغي ان يكون هاجسها الدعوة الى احترام القانون جزءًا مما تتطلّبه الكلمة الإلهية. الحثّ على الواجب المدني هو بعض من الحث على التوبة والتطهّر من شهوة السرقة لأموال الشعب.

أجل هذا لا يكفي فالفضائل الفردية كلها اذا صقلناها تصبّ في فضائلنا الاجتماعية وتنقّي العلاقات بين الأشخاص فينشأ مجتمع روحيّ المنحى تريده الجماعات الدينية كلها.

اجل الدولة مربّية والمجتمع يربّي. منذ سنوات عديدة قرأت في جريدة لموند الفرنسية سؤالا من اربعة او خمسة أسطر عن مسلك لرئيس الجمهورية القائم آنذاك: «اين يقضي السيد رئيس الجمهورية صبيحته بين الساعة العاشرة والساعة الحادية عشرة»، وكان هذا طبعا إشارة الى سلوك له يخالف الإخلاص الزوجيّ. في اليوم الثاني او الثالث من نشر الخبر أذاع الناخبون الكاثوليك انهم لن يمدّدوا له الولاية إن بقي على هذا.

الأوربيون يمزحون ولكن ليس في كل شيء. في هذه الحال بيّن الناخبون في فرنسا انهم لا يقبلون بحياة خاصة لرجل يمثّل الأمة. الموظف الكبير او السياسيّ عندنا اذا كان فاسدا يكون قد زاد على دخله الشرعي دخلا غير شرعي اي يكون قد اعتدى على من يعيش من راتبه او دخله اذ يكون قد لبّى شهوة الراشي وقام بعمل يخالف القانون الذي هو حارسه. من كان راتبه قليلا نحلّ له مشكلته رسميا ولا نُبيح له ان يشتهي ثروة.

يبدو أن بعض اللبنانيين غير مقتنعين بأن ثمة فرقا بين الحلال والحرام. وهذا لا ينسحب فقط على المال. هناك فساد لا دخل فيه للمال. يأتي من الخوف، من الزبائنية للكبار. لا شك ايضا أن هناك هدرا في هذا العمل او ذاك غايته الإنفاق على النساء. الإصلاح ليس فقط في العقاب ولكن في التحرر من الخطيئة. تنقية الذات من الشهوات المؤذية هو المبتغى. الحرية من المعصية هي حرية للشخص وللبلد معا.

الى هذا الجهد الشخصي في سبيل الحرية الداخلية اي حرية النفس للعلماء دور الى جانب الدعوة الدينية. هنا أناشد علماء المجتمع والنفس والأنثروبولوجيا (الإناسة) أن ينكبّوا على مسألة الأخلاق اللبنانية وذلك بعد دراسات بعضها عملانيّ. لست أعلم اذا قامت بعض هذه الأبحاث عندنا. واذا لم نقم بها فلنباشر عّها تنفع وتساعد الأخلاقيين عندنا وعلماء الدين أن يربطوا فكرهم بمعلومات آتية من مراقبة الناس. هناك تضافر بين القوى أساسيّ عسى نرى عوامل غير سياسية تسهم في تكوين تصرفاتنا.

هل هناك أخطاء وقع فيها معظم اللبنانيين بسبب من عوامل ناتجة من البيئة، من المنطقة، من معتقدات شعبية؟ فإذا وجدنا مثلا أن هناك خطايا متشابهة هنا وثمة او ضعفات في كيان المواطن متأصلة، كيف نعالج هذا في مؤسساتنا الدينية والتربوية والجمعيات الأهلية والندوات الثقافية للأحزاب.

كيف نتجنّد في سبيل لبنان منقّى؟ يخطئ من يعتقد أن كتاب التربية الوطنية هو وحده موضع الحل. المدرسة ليست وحدها مكان التطهّر ولا العائلة وحدها ولا المعبد وحده. هناك مواضع مختلفة ينبغي ان نكتشف تكاملها وتعاونها في سبيل الإعداد لمواطن صالح.

Continue reading
2010, جريدة النهار, مقالات

ملل ونحل / السبت في 1 كانون الثاني 2010

كل بلد ملل ونحل. والملة قوم على دين فليس من معتقد يقوم بلا ناس وليس من انسان لا ينتمي الى معتقد والملحدون أنفسهم واحدهم الى الآخر. الدنيا تقوم على مجموعات الفرق بينها وبين الاوطان ان الوطن مصنوع، تاريخي، ركبته الظروف واما الدين فمن المسلم به عند اتباعه انه جاء من الله والانتماء اليه انتماء الى الله أي الى هذا الذي ليس مثله يحرك القلوب.
ولكون الجماعة الدينية ليست جزءا من شيء يكون لغوا كل هذا الحديث الذي يفيد ان الولاء للوطن يجب ان يصير بديلا من الولاء للطائفة وكأنك تقول اترك المحل الذي فيه إله الى المحل الذي ليس فيه إله. القضية لا توضع اذًا على مستوى القلب. تبقى على مستوى الترتيب السياسي.
تبقى كذلك لأنك اتخذت قرارا سياسيا يقول ان الطائفة مجموعة سياسية يمكن جعلها على مستوى الوطن الذي هو جماعة سياسية أكبر أو أوسع. أنت لا يمكن ان تقارن الا بين مجموعات من طبيعة واحدة. لذلك اذا كان عندك مشكلة حياتية مرتبطة بتعدد الطائفة فلا حل لها الا بإزالة التعدد السياسي أي بذوبان الطوائف احداها بالاخرى فلا تقرأ الوجود الطائفي إطلاقا وترى الناس كلهم مجتمعا مدنيا صرفا.

أول سؤال يطرح نفسه هو هل ترى الطائفة نفسها وجودا مدنيا بحتا. اذا قرأت «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهوى عن المفكر» لا يرى المسلمون انفسهم وجوديا خير أمة ولكنهم هم في حركية هذه الأفضلية عند امرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. هم يصيرون مؤمنين بتحركهم. واذا قال العهد الجديد عن أتباع يسوع انهم أمة مقدسة فيفهمون انهم يحققون ذلك بمسيرتهم الى البر. طبعا الوطن يتعامل والناس كما هم أي اذا أمروا بالمعروف أو لم يأمروا واذا سلكوا على دروب القداسة أو لم يسلكوا. لا يمكن الدولة ان تعطي اعتبارا للمستوى الروحي في الجماعات كما انها لا تستطيع تجاهل إيمان الناس وتصدمه. لذلك كان إنشاء مجلس شيوخ يعنى بامتياز برؤية الوجه الروحي للتشريع اختراعا لبنانيا جميلا أعمق من تجاهل فرنسا وبعض الدول العلمانية للأديان كليا. ان الغاء الطائفية السياسية أمر يفرض علينا الإخلاص ان نواجهه بصدق وبلا خوف. ما مضمون الإلغاء؟ يبدو لي ان مهمة الأمة وليس فقط مجلس الشيوخ ان توضح بعض الأمور الأساسية: هل يتضمن إلغاء الطائفية ان يأتي الرؤساء الثلاثة من أي مذهب كان وان تلغى أية صفة دينية عن أي موظف وفي الجيش، ان الغاء الطائفية السياسية تدبير تشريعي يرافقه غيابه عن النفس. لولا هذا الواقع لكان أكثر تخريبا من الطائفية السياسية.

# #

#

في التأزم الديني أو المذهبي أو الطائفي القائم ممكن استغلال الغاء الطائفية السياسية وتضخيمها بحيث يأتي الرؤساء الثلاثة وكبار الموظفين والنواب من الطوائف السائدة عدديا بسبب من حملات متشنجة مسعورة لإلغاء الصغار. قبل ان يوضع مضمون وتفصيلات لإلغاء الطائفية السياسية نكون قد ارتمينا في المجهول الوجودي من أجل الوجود النظري الذي يبدي انه التجاوز الأمثل لخلافاتنا.

اما القول بأن تغيير النفوس قبل النصوص فهو في حقيقته المثالية السياسية دخول في الملكوت أي ارجاء الموضوع الى الآخرة. هل تأتي «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية» وسيلة للتوفيق بين الآخرة والاولى. هذا يذكرني بشعار كبير تصدر القانون الروماني:«ما القوانين بلا اخلاق وما الاخلاق بلا القوانين؟» كل الأعوام التي تلت الحرب شدد الفكر اللبناني على دولة المؤسسات والقانون. كلنا يفهم ذلك امام التفلت العميم من القانون وهذا قول عظيم في نظامنا الطائفي ويبقى عظيما بعده.

# #

#

ما يحزنني كثيرا ان الطوائف آمم صغيرة أو قبائل وان كل جماعة تُعرَف بعددها لا بما شاء رب كتبها ان تكون. بكلام آخر لا نقارن قيم الإسلام ولا قيم المسيحية لنعمل سياسة. شعوب متناصرة أو متقابلة للتفوق في السلطة والله لا علاقة له بشيء من هذا. «خير أمة أخرجت للناس» في قول و«أمة مقدسة» في قول. لا يبدو ان هذا يوظفه احد أو يقدر ان يوظفه ليحب، ليبني وطنا. مشكلتنا مشكلة لغوية. لفظة أمة اذا استعملت بلا نعت لها مدلول في الدستور ومدلول آخر في كل حزب يستعملها.

هل نعت الأمة الذي نستعمله هوية؟ كيف نلغي الطائفية السياسية ولسنا متفقين على معنى واحد للفظة في القاموس؟ يجوز ان نكون بلا هوية. أنت لست في السياسة مضطرا الى هوية تأخذ بمجامع قلبك. أنت في هذه الدنيا تنتسب الى بلد. هذا خيار للعيش وتعمر مجتمعا لا شعر فيه ولا رومنسية وطنية ولكنك تعمر لبنان حضاريا بأعلى مقاييس العمران.

اظن ان المجتمع اللبناني لا يمكن ان يقوم الا على هيكلية خاصة به نابعة من مكوناته وذاكرة تاريخية له ثقيلة ومهما اردت حاضرك حرا من وطأة التاريخ تبقى مشدودا الى الماضي ولو لم تكن اسيرا له. العبء الملقى على عاتقك ارجو اننا نسير على الانعتقاق من حمله. أنا لست اشك ان كل فريق ديني يحمل ذكرى مقهورية ولو اختلفت عن الأخرى في الرؤية اليها وتحليلها التاريخي والنظري. هنا يمكن ان تعلم الدولة شعبها. فإن كان الطهر فيها يتعلم الشعب هذا الطهر فيما نتعاطى الشأن العام ونشرع في تقدير الفريق الآخر بحيث نرى كفاءته وصدقه والممارسة خير درس.

# #
#

فلتتشكل الهيئة الوطنية المكلفة بدرس موضوع الغاء الطائفية اذا كان معظمنا يدعي احترام الطائف. وقرارها غير مقيد بفترة زمنية. ولكن لترافقها المقامات الارشادية والمفكرون بكل ما من شأنه ان يطهر النفوس من الخوف والشك حتى تتزاوج النفوس والنصوص وقت يرتضينا الله.

ولكن على الغائكم الطائفية السياسية اذا بقي هذا الشعب فقيرا لا تكونون عالجتم شيئا. مع الطائفية صعوبات كأداء لا ريب في ذلك. ولكن الجوع آفة وبعض منا جائع. مع الطائفية او الغائها ينبغي ان يأكل شعبنا اكله وان يتعلم ويتداوى. هذه لن نختلف فيها. متى نفيق لنرى الآكلة ونكافحها ونحيا.

Continue reading