أشياء تخضّنا / السبت في 3 تشرين الثاني 2005
قد لا تجد في هذه البقعة العربية بلدا مثل لبنان يتشابك فيه الديني والتاريخي والسياسي بحيث لا تعرف قدر السياسة وقدر الايمان وما يخالطه من تعصب في هذا الانسان او ذاك. ولعل هذا ينسحب على الطوائف جميعا. قد يختلف مقدار التلاقي بين هذه العناصر من طائفة الى اخرى. قد تكون احدى المجموعات ادنى الى الالهيات الصافية او الاخرويات وقد تتساوى النخب في معظم الجماعات بضعف ديانتها واقبالها على الشأن الدنيوي. وهذا يجعل الرعاة الادنى الى الروحيات منهم الى الدنيا في حال ضيق وحزن وهذا يجعلك في اصطفاف مع ناس لا علاقة لك الا بما هو خارجي عندهم وكأن في كل طائفة حزب الروحيين وحزب المسيسين ومن هم في منزلة بين المنزلتين وقد يأتيك الزمان بمن يبتر قسريا وقانونيا بين هذه المجالات.
المشكلة في لبنان انك لا تستطيع ان تسمي الاشياء باسمائها الا اذا انتقدت طائفة وكنت منها. لا احد يعتقد انك قادر على ان تقوم بدراسة انثروبولوجية (اناسية، اقول) او اثنولوجية او سيكولوجية لاي عنصر مجتمعي في هذا البلد اذ تقول عنك كل الناس انك منحاز او مسيس اذ لا يتصورونك الا انفعاليا اذا تكلمت على الآخرين. مرة سألني احد لماذا غمزت من قناتي في العظة. اجبته هل اعرفك انا؟ قال لا. ثم اردفت قبل دقيقتين وانا مغادر طرح علي سواك السؤال نفسه. السبب يا ابني ان كلمة الله هي التي مستك ومسته. كثيرا ما يطرح على الاصدقاء سؤالا عن مقالاتي في “النهار” قائلين من قصدت وأشتم انهم لا يصدقونني عندما اقول لهم لا اضع صورة احد على مكتبي لاكتب عنه مرة واحدة. في الحرب كتب شاب ماروني صفحة كاملة في احدى الصحف عن الارثوذكس اخطأ فيها مرة واحدة في الوقائع ومرة اخرى في التفسير او الرؤية وكان المقال علميا وهنأت الرجل. طبعا الارثوذكس اقلية لا تنافس احدا وانا لا اعرف مطامعها او حتى طموحها ولكنها ليست بالضرورة “مهضومة” وانا عليم بعيوبها وبالتحليل التاريخي لعيوبها.
غير ان الطوائف الكبرى الالصق بالفعل التاريخي هي المدعوة الى ان تنقد نفسها او تنتقدها. سمير عطاالله وهو من أكتب الصحافيين وأثقفهم اجترأ ان ينتقد الموقف الماروني من مقام رئاسة الجمهورية لكونه مارونيا. اظن اننا نحتاج الى ماروني عميق الروحانية ومتجذر في تاريخ كنيسته ولبنان، صافي الذهن وهادئ القلب كلما يقول المتصوفة الارثوذكس ليبين لنا السبب ليس فقط التاريخي ولكن الروحي للمسالك السياسية عند الموارنة. غير الموارنة يجب ان يصمتوا عند ورود هذا الموضوع.
يعسر موضوعيا ان يوحد المسيحيون موقفهم لو تسيس المسيحيون غير الموارنة في مشاركة معقولة فيها شيء من التوازن وربما شيء من الجديد تحمله هذه الاقليات المسيحية، نوع من التناضح بين الموارنة وسواهم من المسيحيين فلا يأتي الفعل املاء من احد على احد. هذا يعني اننا مصلوبون معا وقائمون معا بلا احساس مرضي باننا ضحية احد. ان الصلاة من اجل وحدة المسيحيين يجب ان تلقي هذه “الشعوب” المسيحية في قراءة واحدة لتاريخها في لبنان والعالم العربي. واريد بذلك تاريخها المدني.
غير ان هذا لا يعني بالضرورة ان المسيحيين مدعوون دائما وفي كل مناسبة الى اتخاذ موقف “مسيحي”. ذلك اننا لسنا معا في مواجهة المسلمين او تلاقيهم. قد يوثر بعضنا موقفا اسلاميا على موقف فريق مسيحي.
جل ما استخرجه من هذا التأمل ان يبرهن المسيحيون مرة اخرى انهم لا يبغون امتيازات لانفسهم بل يسعون الى تعظيم لبنان كله. غير ان الله منّ على المسيحيين بعد هذه الحرب انهم تخلوا عن كل رافعة اجنبية وهم لا يلازمون دولة كبرى او وسطى الآن وان التقت المصالح فلا مانع في بعض الظروف واريد بذلك مصالح لبنان. واذا تعلم المسيحيون ولاسيما الموارنة انه لم يبق لهم مجال ليكتسحوا البلد ففي المنطق نفسه رجائي ان تتعلم كل طائفة كبيرة ان اكتساحها الصاعق للآخرين سيؤذيها. العدد من شأنه ان يؤذي. كذلك الشعور بالتفوق المالي او السياسي يؤذي. لا توازن بين الطوائف اذا استكبرت طائفة على اخرى.
ليس عندنا نحن المؤمنين بالله استقواء الا بالله. واذا استغنى في مجموعتك بعض فعلمهم على محبة الفقراء ولا تجعل هذا الغنى يصير مالا سياسيا لان هذا باب التسلط وافقار الآخرين والتفسخ الجديد اعني التفسخ بين الطوائف فديمومة الصراع والعجز دون الوحدة الوطنية التي تقوم على العدالة بين الطوائف تخل بالتوازن. هذا افظع بكثير من ظلم الطوائف في توزيع المناصب. هذا دائما يكون قليلا وهذا لا يحدث فقرا اجتماعيا.
اظن ان المسيحي اقتنع بان ليس له رافعة خارجية لعلمه ان الدول الغربية وعلى رأسها اميركا باتت علمانية ليس فقط بشكل مبدئي ولكن مسلكيا هي لا تتصرف بأي قربى عاطفية من المسيحيين ولا يهمها الا منافعها وهذه تؤمنها الدول الاسلامية الى جانب اسرائيل. المسيحيون العرب اخرجهم الاميركيون من الدور السياسي وترك لهم الاوروبيون مكانة شعورية لا تحسم شيئا خارج التحرك الاوروبي في الملعب الدولي. اذا كان تحليلنا صحيحا هذا يعني ان المسيحيين ليس عليهم ان يأخذوا درسا لا في الوطنية ولا في القومية. فالدور المسيحي اصبح كبيرا خارج الصفوف المسيحية من حيث انه دور تجميع القوى الوطنية في لبنان الواحد. العزلة لا تهدد المسيحيين اليوم، نحن اليوم امام دعوة الى المعية التي تعني الا يقوى احد منا منعزلا عن الآخر او على حساب الآخر. ليس التوازن ان تأخذ كل جماعة حقوقها كما هو منصوص عليها في الطائف ولكن ان تقوم بما عليها لتتلاحم في ما بينها في الخدمة والعطاء الثقافي والانتاج الاقتصادي. هذا هو التوازن الجديد، توازن واجبات الجماعات.
في الحياة اللبنانية العديدة عناصرها الدينية والمتواجهة في تأريخها كيف نحقق وحدة المسيرة؟ انت لا تجعل مستقبلك رهينا لماضيك بل تنظر الى مستقبل واحد لشعب لبناني موحد الحركة اي مهيأ في وحدة تطلعاته الجديدة بحيث لا تبحث عن ايام المسلمين الآتية ولا المسيحيين الآتية ولكنك تبحث عن نشوء امة واحدة بالعمل المشترك.
قد يتضمن هذا الكلام مفهوما لم نألفه في لبنان وهو العيش المدني وليس فقط الحكم المدني. كل ما هو مجتمعي انا اشطرك فيه واحدا معك وليس لاحد منا انتماء طائفي بمعنى التحرك السياسي. ديانتي واخلاقي وتراثي الروحي فاعلة فيّ وآتي منها جميعا لاخدم هذا الوطن معك بلا امتياز لمجموعة ولكن بضمان الكل للكل، بتماسك الكل.
هنا ينبغي ايضاح العيش المشترك بقولنا انه عيش مدني مشترك لا يتراكم فيه الواحد والآخر ويبقى كل منا على موروثه. اعني ملازمة الموروث وترجمته سياسيا. وهذه هي العصبية. كل ما امكن ان يكون مشتركا اي ما كان خارج العقيدة الدينية والعبادات نقوم به معا او لا يكون. وسعوا حلقات المشاركة في المجتمع المدني لتظهروا امة واحدة ناحتة لأيامها الآتية.
Continue reading