المسيحي معذب أبدا لان الملكوت حل بمجيء الملك اعني المسيح ولم يكتمل اذا لم يصبح كل البشر بعد على صورة المسيح. ويقوى عذاب المؤمن اذ كان يرجو ان تكون الكنيسة مجتمعا ملكوتيا على قدر ما يسمح بذلك الضعف البشري لكن المجروحين بالشوق الالهي لا يرون ذلك كامل التحقيق واحيانا لا يرونه قريبا من التحقيق. وكلما ازداد الانسان غيرة يريد ان يشد الايام الاخيرة الى يومه الحاضر حتى لا ترجئ عيناه سطوع المجد الالهي.

لماذا إلحاح المسيحية على الكمال منذ الآن؟ ولماذا قال المعلم: “كونوا كاملين”؟. لما قال الناصري هذا ما كان اسير الزمن ولو علم ان احدا لا يكمل في حدود الزمان. غير ان يسوع يقتحم هو ازمنة الناس ويشدها الى المستحيل. ولذا اعطى مقولة الشهادة ابعادا لم يعرفها العهد القديم بضراوة. والشاهد ينقل المشهد الذي رآه اي انه كالمشهد. في المسيحية التركيز ليس فقط على السمع ولكن على معاينة الله اي على ذوقه هنا والسلوك الحسن يفهم على انك جئت من إخلاق الله لانك شاهدته في قلب نقي. من هنا ان من رآك يكون قد رأى الله واخذه الى قلبه. من هنا ان مقولة الشاهد في الحياة المسيحية هي اهم من مقولة السامع ومع ان المسيحية تتحدث كثيرا عن البشارة الا ان المبشر لا ينتقل كلامه ولا يفعل الا لكونه عاين في نفسه مجد الله.

ويؤذي اهل الملكوت ان يلحظوا ان المسمين على اسم المسيح ليسوا افضل من باقي البشر وان المعمودية ما نفعت الا قلة. اهل الملكوت لا يرون ان التائبين كثرة وان من ابتغيت منه الشهادة لا يؤديها ولا يطلق بكلام الطيب الذي ينتظر من فمه كأنه ينطق بفم الله وكأن الانجيل بات هدرا او بعضا من هدر، كأن القلة العزيزة فقط احست بالحنان الالهي وانطقها، قولا وفعلا، بلسانه وكأن الكثيرين الذين جلسوا الى مائدة الرب خرجوا الى الليل.

تبدو المأساة اكثر وضوحا في الاكليرس وهي كلمة يونانية تعني النصيب اشارة الى الكهنة العبرانيين الذين لم ينالوا نصيبهم من الارض لانهم جعلوا الله نصيبهم. والذي سموا كذلك في الكنيسة اي العائشون بالاستقلال عن مصالح لهم في الارض قد لا يكونون خيرا من العامة مع ان اغناطيوس الانطاكي المستشهد السنة الـ117 يجعل كلا منهم ايقونة المسيح. والاصول القانونية المتبعة في الكنيسة الارثوذكسية اليوم تقول اذا محوت، بمرور الزمان، صورة القديس عن سندها الخشبي ينبغي ان تحرقها اذ لا يسوغ تكريم ايقونة لم تبق ايقونة.

أجل في الفعل التاريخي المطران او الكاهن بشر والكل يعرف ضعفات بشريته ولست في حاجة الى تفوق عقلي كبير لكي تحلل الرجل ويعسر جدا ان تجد رجلا “بلا لوم” تجعله اسقفا كما تتطلب نصوصنا الموحاة علما بان الرتبة التي يقام فيها رجل عضوا في السلك الاكليريكي تصنف انتقال الانسان من وضعه العلماني الى مقامه الكهنة نعمة مكملة للناقصين.

غير ان الرسائل التي كتبت من بعد العهد الجديد عند الآباء اللاهوتيين او الادب النسكي تشدد على طهارة الكاهن المذهلة وهي ليست كذلك ولن تكون. في التعامل وبعد الخيبات يكتفي الشعب بألا يكون الرجل مرتكب الكبائر، محجما عن الرذائل الجسيمة. غير ان الوجدان المسيحي الحساس لا يقبل بذلك ويريد الكاهن ان يكون على نقاوة نادرة هو واهل بيته. ملكوتيا يكون او لا يكون رأسا لهم اذ كيف يكون قد صار أباً ولم يولد من فوق؟

ازاء ذلك لا يكون كل كاهن أباً روحيا اي قادرا على ان يلد الناس من المسيح. ان تعترف بخطاياك لا تعني بالضرورة ان تولد من جديد. لذلك يلتف الآتون من الروح بعضهم حول بعض على نسيمه ينتقل من واحد الى آخر بالمودة والتقارب الروحي وقراءة الكلمة والبكاء.

الجماعة المسماة مسيحية والتي لم تولد ثانية من السماء تحلل مجتمعيا وحسب الظاهر وتقيم الدعوى على ان الذين احياهم الروح فئة لتقول عن نفسها هي انها الكل اي الكل الفاتر الذي لا التزام عنده. اما انا فأقول لم تزدهر المسيحية الا في الفئات اذا قبلتم هذه التسمية الاقصائية. والاقصاء لناس اساسي عند الاكثرية حتى ترتاح الى التنكر لمقتضيات الانجيل.

المشكلة انه غير مرخص لك بأن تأتي بالانجيل وتحاسب الناس عليه او تدع نفوسهم تحاسبهم اولا لان علو الانجيل يزعج الاوضاع القائمة والناس القائمين على هذه الاوضاع وثانيا لانك تكون قد ادخلت مقاييس غير مألوفة لقيادة الكنيسة وكأنك انشأت كنيسة جديدة.

ان جديد المسيحية بالنسبة الى العهد القديم انه كان نظام الكلمة يذكر الانبياء بها ويخضع لها الشعب او لا يخضع. اما في العهد الجديد فبت في نظام الايقونة وهي – اذا شئت – الكلمة المفعلة والمبتغى دائما تفعيلها بحيث تقول: “تعال وانظر”. انت شاهد والآخرون شهود ومن رآكم يكون قد رأى الله وإلا لا يعبر الله الى احد او يعبر فقط الى من اصطفاهم بلا مساندة شاهد.

“الذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته” باتوا قلة عزيزة. هم الذين يحملون في نفوسهم نصر الله الى ان يملك الى الابد في الكنيسة الظافرة. غير ان الجهاد يبدأ وينتهي في كنيسة الارض بكل وداعة ولكن بكل صدق حتى لا يزول حرف واحد من شريعة المسيح وحتى نبقى بذا نارا متأججة.

الكنيسة فيها ناس قلوبهم في هذه الدنيا ومنها. هم اخوتنا على رجاء ان يتجلوا بالمسيح على قدر قبولهم النعمة حتى يأتي المسيح ثانية ويتوب اليه من يتوب. حياتنا في الكنيسة تأخذ قوتها واستمرار بهائها بالمخلص ولكن يرافقنا اولئك الذين لا يقربون وجهه بصدق وجدية. معنى ذلك اننا متألمون دائما في زمن الناس ولكنا لسنا تحت وطأة الالم اذ نذوق فيه قوة القيامة. لا تحمل انت الصليب الا شريكا للذين لا يطيقونه. هم ايضا يتألمون ولا يعرفون فصحية تنبلج من اوجاعهم.

الحياة في الكنيسة ليست مريحة لانها طلب ما كان غير محقق بالكلية. هذه فرادة المسيحي الملتزم ان لا سقف فوق رأسه الا قبة السماء. بهذا المعنى المؤمن مشدود الى فوق ولا يقف. فهمها يلفت من البر انت دائما جريح الخطيئة. المسيحية توق لكن التوق له وعود الحياة الابدية التي تبدأ معك من اول مسيرتك في التقوى. المسيحي انسان ممكن ليس بمعنى انه يكمل نظاما مغلقا، منتهيا، ولكن بمعنى انه يحيا على الرجاء وفيما هو يحيا يستلم ويحيا ليستلمه الله بمجانية رحمته.