تاريخيا هو ذكرى لاعادة الامبراطور هرقل صليب المسيح من الفرس الى اورشليم (القدس) وكان الفرس قد اخذوه. لعلها مناسبة ان اطرح اسسا لبعض حوار مع كل الناس. منهم من قال ان القديسة هيلانة ام قسطنطين الملك هي التي عرفت ذلك العود الذي مات عليه المعلم اي ثلاثة قرون بعد حادثة الصلب وتثبت ذلك باعجوبة. لست اعلم ما اذا كانت فرقة تشك في هذا. الاوضح ان ثمة من لا يهمه هذا الامر وذلك في اعتقادي يعود ان مقاربته لسر الايمان تتجاوز المادة كليا. تجسد الكلمة عنده لا يستتبع تعابير في المقدسات. وسيظهر هذا الاختلاف في العبادات. فالمذهب الانجيلي الكلفيني يستخدم صليبا عاريا اي خشبة لا صورة عليها. الكثلكة (مع اللوثيريين) ترسم وتنحت المصلوب على الخشبة والكاثوليك يقبلون المصلوب لكنهم احيانا يستعملون صليبا بلا مصلوب هنا وثمة.
الارثوذكسيون لا يولون اية قيمة لصليب بلا مصلوب لان الصليب عندهم ايقونة فاذا قبلوها يؤمنون بانهم يتحدون روحيا بالمسيح. فالصليب العاري عند من يستعمله هو تذكر لسر الخلاص. اما الذين يتخذونه ايقونة فهو انتقال بالروح والايمان الى من رسم عليه. لذلك كان من الجهل ان يقال ان المسيحيين يعبدون الصليب. وما هو اعمق جهلا ان يصدق اي مطلع على طبيعة المسيحية ان المسيحيين يؤمنون بالاصنام.
مقاربتك للاديان ان تعرف لغة تعبيرها عن نفسها. فما يسميه البعض التجسيم ليس الا لغة فليس احد في العالم بدءا من الهندوسية المؤلفة تماثيلها يعتقد ان للاله جسما هو من طبيعته. المسيحيون يعتقدون ان الكلمة (او الابن) اتخذ جسدا وهذا خاص بالكلمة ولا ينحصر الابن في هذا الجسد بل يبقى مالئا الكون.
اكرر ان القضية قضية لغة. فاذا جثا الارثوذكسي او الكاثوليكي عند الصليب المرسوم انما هو في علاقة عناق مع الابن. في العبادة الارثوذكسية نخاطب الصليب مخاطبتنا لشخص. من الواضح ان كل من تحرك شهريا يفهم هذه اللغة ومعظم عباداتنا كتبناها شعرا يونانيا.
نحن اهل جمال ورأينا ان نسكب عباداتنا في جمال الرسم والموسيقى وان نعبر عن انفسنا كذلك. فالذي علق له عند معموديته صليب اذا كان له ايمان شعبي – فولكلوري فهذا شأنه وعلينا ان نربيه. الارثوذكسي يعرف انه يحمل ايقونة ولا يحمل طلاسم فعملية الحمل عملية صلاة مقولة او غير مقولة. هذه ضريبة الدين انه مسلم لكل العقول وهي تحمل مشاعر كثيرة. فانت قد تصلّب وجهك (اي ترسم اشارة الصليب على صدرك) بصورة آلية (لست متأكدا من ان احدا منا آلي مطلقا) وآخر يصلب وجهه بوعي اكمل ويصلي. والمألوف في العبادة (القداس وما اليه) اننا اذا لفظنا كلمة سجود او كلمة قيامة نقوم بهذه الاشارة. اذاً نحن في عالم المعاني والمعنى يلازمه شكل دائما في دنيا الشعر فأنت لا تلد معنى ثم تلبسه مبناه. هذان يصدران منك معا.
فلنتفق اذاً اولا على اننا لا نعبد صلبانا وانه من طبيعة الاشياء في مجتمعات متحضرة ان نحترم امرأة تزينت بصليب من ذهب اذا آمنت ان لها به علاقة روحية. للناس حق الاختلاف في اية بقعة من المعمورة وليس لدولة اذا تعاملت واهل ديانات اخرى ان تمنعهم من استعمال رموزهم. “لكم دينكم ولي ديني” سورة الكافرون الآية 6، ان عنت شيئا لقارئ عصري التنفس فإنما تعني حرية قول دينه في الطريقة التي يتحسس بها. وعليه ليس من سلطة مخولة ان تملي عليه له ما يلبس وما لا يلبس ولا تمنع امرأة من ارتداء حجاب وهي مؤمنة بانه من مقتضيات شرعها. وما تريده لنفسك ترضاه للآخرين.
ليس الصليب صنما فالصنم يعني حضور الاله فيه وهذا ما لا نؤمن به. وانت تسال الناس عما يؤمنه به وتفهمهم كما يفهمون انفسهم. هذه هي استقامة الحوار. والعبرة في العلم للائمة لا للعامة اذا جنحوا. ففي هذا جاء التنزيل: “وجعلنا منهم ائمة يهدون بأمرنا” (السجدة، الآية 24). في تدقيق المعنى كلامنا في المصلوب وليس في اداة موته. ونحن نؤمن ان نلنا بموته حياة ابدية لانه ما كان موت فناء بل موت قيامة. والمعنى ان المسيح لما مات لم يتسلط عليه الموت لحظة وما فني لحظة وما فسد. واذ ظن اليهود انهم قتلوه كان لحيظة وفاته حيا وقائما من وطأة الموت. وما نسميه قيامته بعد ثلاثة ايام ما هي الا الكشاف للنصر الذي انتصر به هنيهة اسلم الروح. فالكتاب يقول: “مجدني يا ابتِ (اي مجدني بالموت) بالمجد الذي كان لي عندك قبل انشاء العالم” (يوحنا 17 : 5). الفكرة ان البهاء الالهي الذي كان لي أزليا يتحقق في العالم اليوم بذبحي على الخشبة. هذا سر المحبة التي لا يسبر غورها.
نحن نفرح بالصلب لانه مطرح القيامة الحقيقي. ذلك ان آلام المعلم ما كانت الا معراج جسده وروحه البشرية الى الضياء الابدية الذي لازمه دوما واخفاه بسبب من التجسد.
قال لي مرة واحد من ائمة المسلمين كان صديقا عليّ واداً ومودوداً: “ديانتكم ديانة مأساة”. أجبته: “اذا عربت بكلمة مأساة التراجيديا اليونانية فنحن لسنا كذلك لان الفكر الاغريقي يجعل الانسان الذي في الضيق بلا مخرج تماما كما يراه جان بول سارتر سجين قاعة مغلقة من كل النواحي. نحن نخرج بقيامة المسيح”.
نحن لا نعذب انفسنا لنتشبه بعذابات المسيح ولا نسر بالمرض يفتك بنا بدليل ان المسيح قضى مساره على الارض بشفاء الاسقام وبدليل اننا نخصص صلوات وسرا ندعوه مسحة المرضى التماسا لشفائهم. نحن ديانة الفرح مع كوننا ديانة صبر. والالم موجود في الكون وهو ينشأ من وضعنا الكوني اما الملكوت حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد فموضع بهجة لا تنقطع.
لهذا يقول بولس: “افرحوا في الرب كل حين واقول ايضا افرحوا” (فيليبي 4:4) وزيادة في التدقيق احصيت كل كلمات الكتاب المقدس التي هي من جذر فرح، يفرح فكانت 313 كلمة. الكنيسة التي تأمر بشهادة الدم لا تسر بعذاب الشهداء ولم يمر جيل في هذا البلد او ذاك لم نضطهد (بفتح الهاء) به لا نتفرج نحن على عذاب لهم لا يوصف ولكننا نتعزى بايمانهم بقيامة يسوع وتاليا بقيامتهم. اما اذا انوجد عند المشغوفين بالالم استلذاذ بالالم فهذا شأنهم ولكن ليس هذا ما يقوله الائمة عندنا. ليس صحيحا على الاطلاق عندنا ان الاوجاع كعارة لمن عاناها. قد تكون فرصة للمؤمن الكبير ان يصبر اي ان يفرح بعزاء الرب. اذا صرت بآلامك قياميا اي اذا آلت عندك الى مطرح فصحي فانت تعرف بها القيامة الاولى كما يسميها غريغوريوس بالاماس.
لذلك نقول مع يوحنا الذهبي الفم: “قام المسيح وليس من ميت في القبور”. وعلى هذا نقيم الى جانب العيد الكبير وتهليلاته التي تدوم اربعين يوما بعد العيد، نقيم كل احد عيدا للقيامة. لذلك كان المسيحيون الاوائل يلبسون ثيابا بيضا عند موت عزيز.
فاذا حملنا صليبا في اعناقنا نكون ملازمين الحياة العليا التي لنا بالمخلص. عيد ارتفاع الصليب ان هو الى دعوة الى الحياة الجديدة في المسيح وفي اختبارنا انها ممكنة ههنا الى ان يقيم الرب اجسادنا في اليوم الاخير بالروح القدس حيث “ننتقل من مجد الى مجد” لنسير في الله.
