سُمع أن يسوع في بيت والناس يلتمسون من فمه كلمة او من قوته معجزة. واصطف الناس كثيرين. «وكان يخاطبهم بالكلمة»، بكلمات الملكوت، بكلمات التوبة الآتية من الأنبياء وليس لنا كلمة اخرى اذا قمنا واعظين.
أتوا اليه بمفلوج ولم يقدروا ان يصلوا اليه بسبب الازدحام ففكّروا بأن ينقبوا السقف وكان كالسقف في جبل لبنان: بعض ألواح من الخشب يغطيها تراب ترصّه محدلة، وهذا تفتحه ايادٍ قوية. دلّوا السرير المضطجع عليه الرجل. السؤال الذي يواجهني اليوم: هل اذا كنت انا ذا قلب مفلوج او متحجّر ألتمس لينه من يسوع؟ هل أريد مع السيّد قربى ام أؤثر البقاء على تحجّري وقساوتي؟ هل لي مع المعلّم عشرة الصديق والصديق؟
عند رؤية المخلّص للمريض، كان حاملو هذا لا ينتظرون من السيّد سوى الشفاء. هم جاؤوا لهذا واذ به يقول شيئا غير منتَظر. يقول: «يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك»، كأنه كان يقول ان هذا هو الامر الأساسي في الحياة. لا شيء ذو قيمة ما لم يصالحنا الله مع نفسه وما لم نحس انه كل الوجود.
اعتبر الكتبة، اي علماء اللاهوت، الذين كانوا مع الجمع هناك ان يسوع ينطق بكلام التجديف لأن نبيا في اسرائيل او معلما لم يقل لأحد: «مغفورة لك خطاياك». هذا يعني ان هذا يأخذ مقام الله. كيف يقدر هذا ان يجعل نفسه في صف الله؟ جادلوه في هذا لأن في موقفه ادّعاء انه ابن الله، فأراد ان يثبت قوله بالفعل. لذلك اكد سلطانه لهم: «لكي تعلموا ان ابن البشر له سلطان على الأرض ان يغفر الخطايا»، قال للمخلّع: «لك أقول قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك».
كان السيّد يعرف ان له سلطانا على النفوس والأجساد، واغتنم هذه الفرصة ليؤكّد ذلك ويبيّن لهم انه يحمل قدرة الله كلّها. هذا اذًا ليس كالانبياء الذين سبقوا. كلماتهم كانت تنقل الفكر الإلهي. اما هو فشخصه ينقل قوة الله ذاتها.
ما العبرة الأساسيّة من أعجوبة المخلّع كما أوردها مرقس؟ هي تذكير كل واحد منا ان عافيته الحقيقيّة في توبته. كل مشاكلنا في هذا الوجود اننا نجعل التوبة موقفًا سطحيًا ونقارنها بالأشياء الأخرى ونعطي لكل شيء حقه. هذا هو الخطأ بالذات لأن الرجوع الى الله لا يُقارن بشيء. هذا المريض ذهب الى بيته. نحن اذا تبنا نذهب الى بيت يسوع. نسكن فيه ويسكن فينا وتُشفى نفوسنا ولو بقي الجسد متعبا او كل أمور معيشتنا متعرقلة او اشغالنا واقفة.
هذا كله لا يعطل عمق الحياة. اما اذا فرغت الذات من الله ومن ملاطفاته فكل أمور الدنيا لا تملأها، لا تزيدها بهاء. تبقى جافة، بلا حيويّة.
هذا المفلوج «قام للوقت» وعاد الى بيته. نحن يمكننا ان نتوب بلحظة اي في لحظة واحدة نحس ان الرب هو كل شيء. احيانا تتطلّب التوبة وقتا غير قصير وتروّضنا على معرفة الله. لذلك ارادتها الكنيسة ان تكون ممدودة على مدى الصيام وتجعلنا نتذوّقها يومًا فيومًا وأحدًا بعد أحد، ويبقى الهدف ان نعي اننا احباء الله وهذا هو منطق التوبة. واذا ادركنا اننا محبوبون وان الفرح هو في إدراكنا هذا، نذهب توا الى الله ونبقى في أحضانه.
وتتصاعد صلواتنا وتشتد اسبوعًا وراء اسبوع حتى لا يجدنا يسوع عند الفصح مفلوجين. كل القصة ان نمشي الى القيامة ونحن معافون حتى يجدنا المسيح من جنسه عند صباح الفصح.
ونزداد يقينا بهذا اذا عرفنا اننا نقيم اليوم عيد القديس غريغوريوس بالاماس الذي خصّص تعليمه كلّه للنور الإلهي وفهمنا منه ان النعمة التي تنزل علينا هي قوة الله بالذات اي ان شيئا منا لا يبقى خارج الله إن نحن سلّمنا اليه قلبنا.
