ان تكون على علاقة حميمية مع الرب يعني ان تكون حرا من كل انسان وفي البدء حرا من قلبك. انا افهم ان تجمعك مع قومك – اهل الضيعة او بني طائفتك ـ انسجام عاطفي، طبائع متقاربة، عصبية تاريخ، دفء. ولكنك لا تجيء منهم لأن عمقك لا صلة له باللحم والدم ويجب الا يكون اسير التاريخ ولا أثر فيه للخوف اذ الخوف يحدث القوقعة والقوقعة تحتاج الى تلك الحرارة التي تجعلك من ذويك او بعض من ذويك.
اما اذا نزلت من فوق حيث انت جالس مع الله ولو سرت على هذه الأرض فالسماء مدخلك الى الناس وانت مرجعهم اليها اذ ينشدون بك الى رب السماء ويتصرّفون هنا كأهل سماء فاذا عادوا اليك لا تحركهم عصبية ولا يثيرهم سلطان شهواتهم اذ يعرفون انك لا تشاطرهم شهواتهم لأن ما يحركك انت سلطان لا يأتي من تراصهم ولا من غضبهم الجماعي الذي يأتيهم من انتفاخهم.
افهم ان تدفع لحمة العقيدة الى خدمة ذويك ولكن الخدمة ليست التناصر. انت تنصر اخاك على الظلم اي اذا بات مظلوما ولكنك لا تنصره اذا ظلم هو نفسه لمجرد ان بينك وبينه نسابة او وحدة دين. الدين ينزل من عند الله ولكنه لا يصل الى كل النفوس او يصل مكسورا او مجزأ او مشوهًا. هذا الإنسان لست كفيله في اعوجاجه. ما من شك انك راعيه ولكنك انت راعي الآخر وتضحي من اجل الراعي والمرعي.
انت من رعية اهل الله فقط ولك معهم عهد الطاعة للإله الجامع بينكم. وانت فيهم كفيل الفقراء والبسطاء لأن هؤلاء الله نصيبهم. واذا كنت من ذوي اليسر فاقترب اليهم ليعرفوا ان الخلاص في الدنيا يعطيه المحبون. اجعل المحتاجين مجتمع الحب اي الذين يعرفون ان الرب يملأهم من خيرات الأرض ويعزيهم بما يقوله لقلوبهم وبما ينفحهم من نفحات الروح.
ولكن هذه المجتمعات التي ينشئها الروح الإلهي والنفوس الملطفة به مولودة عند فجر الجودة وليست من المدى ولا الزمان ولا تتموضع فيهما. لذلك لا يسري عليها حكم التراص. من هنا انها تبدد بلاقوة فهي لا تتفاخر بما تملك اذ لا يعني لها ما تملك شيئا وتشعر بأنها كلما افتقرت الى الله تزداد هنا قوة وعزما واذا تعرت فالله ثوبها او جاعت فهو طعامها. لذلك ليس لها وجود بمقاييس اهل الدنيا، ولكنك تحس بغيابها اذا غابت.
# #
#
لا يفهمنّ احد اني احزن اذا رأيت لصوق المسلم بالمسلم او المسيحي بالمسيحي على سبيل المثال. ففي كل مجموعة تراث واجبة رعايته وربما اتسمت كل طائفة بطبائع جميلة ولياقات تحمل السلام وسكائب روحية تشفي النفس المتعبة. المسألة كلها في حركتك الى من كان من مجموعتك الروحية ومن لم يكن منها على المستوى الجماعي كان هذا او على المستوى الفردي. هنا لفظة طائفة في لبنان ملتبسة. على صعيد القلب. انت معها لأنها وريثة الله بتعليمها وصلاتها ولست منها في حركتها الاجتماعية اذ يجب ان تتحرك وطنيا فليس من وطنيات صغيرة ضمن الوطنية الكبيرة. انت ليس عندك اصطفاف طائفي الا بسبب قيود الدولة واذا كنت مسيحيا لك مع إخوتك المؤمنين اصطفاف في جسد المسيح وهذا لا يعني شيئا على المستوى الأرضي الا ما نسميه اعمال الرحمة. ولكن ليس من تضامن ازاء تضامن وتنتفي هنا العصبيات.
من هنا اود ان اقول ان في الحياة الدينية شيئين مختلفين كليا وهما العقيدة والمحبة. فعلى مستوى العقيدة انت موحّد مع ابنائها وهذا يراه الله وله تعابيره في العبادات. اما المحبة فواحدة لجميع الناس إطلاقا فأنت محسن للمؤمن بديانتك ولغير المؤمن بها وتنصر اهل الحق وتقوم معهم بحركة واحدة نابعة من القلب.
من هنا اني لا افهم كلمة الأمة كما يستعملها المسلمون. لا انكر على المسلم ان يكون اخا المسلم في العقيدة ولكن هذا لا معنى له في الاصطفاف. اركان الاسلام شيء آخر وتوحد. ولكن وحدة القلوب واحدة مع كل الناس بما فيهم المشركون والملحدون لأن الله وحّد نفسه بهم بما يسميه المسيحيون أبوة الله.
الأمة هي امة الله حسب الاستعمال القرآني واذا شنت استعمالها هكذا ولا تريد ان تتطوّر الدلالة لا مانع عندي. عند ذاك يجب ان تفتش عن مفردة اخرى للدلالة على المجموعة الوطنية حتى تحس انك واحد منها وواحد فيها. من الواضح ان المجموعة الوطنية كيان عضوي او جعلناه عضويا بسبب التوحّد الوطني الذي اصطلحنا عليه. كذلك الطائفة كيان عضوي قائم على المعتقد الديني. الكتلة الوطنية، مجموعة، لا دين لها ولذلك اذا تكلمت على دولة دينية – وهذا زال في الشعوب المسيحية – تعني استلهاما لقانونها الوضعي من شرع إلهي. وهذا ما هو حادث في الدول الاسلامية ولكن حيث لا شرع مسيحيا لا مجال لدولة مسيحية. من هنا انه لا مهرب من وجود كتلة وطنية موحّدة بالروح الوطنية والإخلاص لدولة ولكن ليس فيها إخلاص لمعتقد ديني كما انه ليس فيها من إمكان لنفي اي معتقد ديني اذ تبطل ان تكون دولة لتصير كنيسة او امة إلهية كما هي الحال في الاسلام. بكلام آخر، انت مضطر على العلمانية اذا اردت ان تقيم دولة بالمعنى الحديث، ذاك الذي يقوم فيه التمييز – ولم أقل التفريق – بين المعطى الإلهي والمعطى الدنيوية
نحن في لبنان لسنا مرتبطين كدولة بمعطى إلهي. لذلك ارتضينا الطوائف كما ترتضي هي نفسها دون ان نناقش اساسها الديني.
من هنا انه يسوغ ان تكون لمجموعة طوائف موقف وطني واحد لأن هذا الموقف مبني على المصالح الوطنية التي هي من هذه الدنيا.
# #
#
هذا الفكر الحديث ما في ذلك ريب مصدره فلاسفة عصر الانوار في القرن الثامن عشر وقبل هذه الحقبة لم تكن من دولة حديثةولم تكن حرية دينية ولا شيء يقنعي ان الدولة الدينية تعترف بحرية الاأديان بصورة كاملة. لها ان تعترف بشيوع الوظائف على كل المواطنين وحرية العبادة ولكنها لا تعترف بالامتداد غير المحدود للديانات الأخرى ولا بالحوار الديني اللانهائي او الدعوة او التبشير.
عندنا اليوم تكتلات حزبية من مختلف الطوائف وهذا بحد نفسه حسن وقد يكون هذا شبه ضمان لعدم الاحتراب الديني او المذهبي ولكن لا يعني هذا اننا استأصلنا اساس التوتر الطائفي اذا تغيرت الأحوال السياسية. اتمنى ان يعني هذا اننا فصلنا الدين عن القتال. واتمنى – اذا صدقنا جميعا – ان نزيل اسس التحارب في علمنة معيشة وان لم نقل بها جميعا من الناحية النظرية.
اذا حل السلام – وهو اسم من اسماء الله الحسنى- نفحص في جو من الأخوّة الشأن الديني المجتمعي وإمكان الحوارات الدينية والتلاقي بين الأديان في المجال المجتمعي وربما في المجال النظري بحيث نكافح الانغلاق النظري وتاليا الانغلاق الحياتي.
ويعزيني انا المسيحي الارثوذكسي اننا غدا نعيد لقديس عاش في القرن الرابع عشر يدعى غريغوريوس بالاماس اوضح المعتقد المسيحي القديم القائل بأن ثمة قوى إلهية أزلية نشترك فيها فنكون آتين روحيا من الله نفسه تقديسا كما أتينا منه خلقا دون ان نقتحم الجوهر الالهي لأن هذا يكون شركا. متى يصبح اللبنانيون مألوهين (والكلمة اسلامية) ؟ اي متى يتخلقون بالاخلاق الإلهية (والعبارة اسلامية ايضًا)؟
كل رؤية اخرى ترقيع. البلد لا يقوم فقط على القوانين والمؤسسات. هذه حسنة ولا بد منها. البلد يقوم على الطهارة وهذا ما يسمونه – باللغة السياسية مكافحة الفساد. غير ان طهارة الوزراء ومندوبي الأمة وموظفيها هي اعلى درجة من مكافحة الفساد. هي ان يدنو اهلنا من الله دنوا صادقا، شجاعا حتى يصبح الله – في عقولنا- ملك البلد كما هو في ذاته. متى نعترف بأن لنا في الطاعة له حياة فضلى بل افضل حياة؟ هذه هي حريتنا الحقيقية التي اذا اقترنت بالحريات العامة تقيمنا في تجليات عظيمة.
