لبنان مصلوب كلّه. اصحاب المنافع في الدنيا يصلبونه. يصلبوننا نحن الذين لا مصلحة لنا أنانية في هذا الوطن. ان الذين يعتبرون انفسهم كبارا يميتون الصغار الذين لا يفيدون من هذا البلد شيئا. قلبي على الأطفال الذين لا يفهمون لماذا عند البالغين شحنة بغضاء، لماذا ليس عندهم طراوة الطفولة فيتكاذبون، لماذا لا فرح فيهم، لماذا يصممون الموت بعد ان خُلقوا للحياة، لماذا يصنعون صلبانا لبعضهم البعض، لماذا لا ينشدون صادقين: كلنا للوطن، للعلى الذي لا يتكوّن الا بالتواضع. هذا البلد يبدو مملكة شيوخ عجز فقدوا حسهم بالورود. يريدون ان يحيوا بلا اشتمام للجقيقة ولا تذوّق للخير واذا تصالحوا فلكي يقتسموا الغنائم ولا يوزّعون المغانم للمحتاجين الى النور.

                      يريدنا الأكابر طعاما لهم ولا يريدون انفسهم غذاء للجميع. قال المسيح: «خذوا كلوا هذا هو جسدي». الوطن يقدّم نفسه طعاما لمن أراد الحياة وهؤلاء الأكابر يعطوننا حجرا بدل الخبز وانقساما عوض عن الوحدة. لماذا جفاف القلوب العطشى الى الماء الحي؟

                      لكوننا نعرف ان البشر الضعفاء محكوم عليهم بالمصلوبيّة وضعت كنيستنا يوم غد ذكرى ترفع بها على الرجاء مصلوبيّة الناس. في بلد يتباغض الناس فيه بلا سلاح اردنا ان نرفع البغضاء بالحب. لذلك تجيء غدًا، الأحد ذكرى الصليب الذي يقول للبشر ان واحدا منهم رُفع على هذه الخشبة لكي ينال كل واحد منهم حياة عوض الموت العميم ورجاء بدل اليأس. وهذا يجري في طقس اذ يوضع صليب وسط صينيّة فيها رياحين او زهور ويُطاف به ونجثو امامه ذاكرين الصلب والقيامة معا. ويعطي الكاهن المؤمن زهرة ليقول له رمزيا: ان المسيح فرح العالم وان الانسان لن يبقى مقهورًا الى الأبد اذا عانق المصلوب فاتخذ هذا مصلوبيّة الانسان ليجعله قياميا.

                      نحن فصحيون ولا نميت احدا لأن يسوع مات ليخلّص العالم وليس فقط الذين ينتسبون اليه بالمعمودية. انت، ايا كنت، تطلب الحياة وهي تبدأ بالحياة الجسدية. «لم يظهر الروحي اولا، بل البشري، وظهر الروحي بعده» (١كورنثوس 15: 26). وانتظام الدولة قائم اولا لخدمة الانسان الطبيعي ثم نداء الله اياه يجعله ممتلئا حياة روحية. في البدء يكون المجتمع المدني ثم يصعد من داخله ناس يتروحنون بالعطاء الإلهي الذي ينسكب عليهم فيكونون على الأرض اهل سماء وفي عصر الأزمات لا تتوارى عن اهل الحب السماء التي يحجبها الكثيرون عن انفسهم وهي تخترق نفس من احب اختراقها لكي تجعله منذ الآن انسانا ملكوتيا.

                      لماذا نقيم هذه الذكرى في منتصف زمن الصوم؟ اننا قد لاحظنا ان بعضا من الصائمين يملّون جهادهم وينحون الى الاسترخاء فلئلا تضيع صورة المخلّص عنهم نضع لهم هذه الصورة التي اذا انطبعت في قلوبهم تمكّنهم من الاستمرار بالجهاد اذ ليس يجوز في الحب الملل ولا يسوغ التراجع بعد ان نزلت عليك الرؤية. وينتج عن قبلة الصليب ان المؤمنين يتعانقون وقد عرفوا ان السيّد نفسه بموته قد عانقهم ونقّاهم ورفعهم بالروح الى الآب.

#         #

#

                      ينتج عن هذا ان قتل النفس لا يجوز طلبا للسلام. فالرب لا يميت ولكنّه يؤدّب. وانت تدع خصمك او من ظننته كذلك للرب الذي يحييه بتهذيب من عنده فإنك ان قتلت احدا تخرجه من إمكان التوبة وتتحجّر نفسك او تنصدع بحيث يستحيل عليك ان تضمن لك توبة في اي يوم من ايام حياتك. وامام حرمة الحياة يستوي الخاطئ والصالح. كلاهما الله ضامنه وواعد بتنقيته وهو الذي جعل في يديه وحده سلطان الحياة والموت. ونحن نعيش بعضنا مع بعض على رجاء كسب كل منا الطهارة الذي تنزل علينا من فوق.

                      لم يفوّض الرب أحدًا بأن ينفّذ عنه موت الآخر وهو القائل لكل قاتل: «قايين، قايين اين أخوك؟» اي كان عليك ان تعايش أخاك الذي لم يكتب عليه الفناء بيد أخيه. وتعميم المعنى ان كل انسان اخوك لأنكما اتخذتما عطاء الحياة الواحدة ووعدا إلهيا بأن تنموا معا. واذا خفت نشوز اخيك فعليك بالموعظة الحسنة وان تصالحه بالرأفة التي فيك عسى الا تنبت بذور الخطيئة ويرد لك الصالح بالصالح وتلتقي نفسك بالبهاء الذي في نفسه اذ ليس من احد خاليا من البهاء.

                      كان عندي قبل الحرب في لبنان موظّف نسمّيه قواسا وهو حارس للأساقفة في بلدنا وللقناصل والسفراء في استانبول وهذا من باب رعاية السلطنة العثمانية لهذه الفئات من الناس وكان لهؤلاء الحق ان يحملوا سيفا وفي العصور الحديثة مسدسا. وفيما كان هذا الشاب يتمشّى في بيتي امامي احسست ان تحت سترته مسدسا. سألته: ما هذا؟ قال هذا سلاح رخصته الدولة. اجبته انا لا اريد ان تحميني لأني اؤثر ان أموت من ان يُحكم على شخص آخر – ولو قتلني ـ بالاعدام او السجن المؤبّد وغالبا ما كان رب عائلة وانا ليس عندي عائلة وجرّدت الرجل من السلاح.

                      الرب أعزل ونحن على مثاله وليس لنا شأن بالسلاح. لذلك كنت دائما اكره كلمة صليبيين التي اتخذها الفرنجة في القرن العاشر لما هاجموا بلادنا. كانت صدمتي بأنهم يقتلون باسم من قال: «يا بطرس رد سيفك الى غمده لأن من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ». وهذا الكلام جعل الملايين من المسيحيين يشهدون اذا استشهدوا. وهذا الكلام ادخل الى القانون الكنسي ان الكاهن او الراهب لا يسوغ له الدفاع عن نفسه لأن في ذلك احتمال قتل لآخر. والقانون عندنا يقول ان الكاهن لو قتل شخصًا  عن غير عمد اي بحركة خاطئة ينبغي ان يوقف عن اقامة القداس الإلهي كل ما تبقى له من حياة.

                      لما حل المسمّون بلغّتهم صليبيين في بلادنا وأمعنوا فيها الفساد كان عند المسلمين لياقة اخّاذة انهم سموهم فرنجة ولم يسمّوهم صليبيين لعلمهم ان المسيحيين لا يقتلون.

                      المسيحيون باقون بقوة المسيح فقط ولا يسعون الى طريقة اخرى وهم يغفرون للقاتل. ليس لديهم سلاح آخر وما لهم شهوة النفوذ ولا الحكم ويعرفون ان الغلبة لكلمة الله ومشيئته. لذلك لا يقتنون سلاحا وقد قيل لهم: »لا تخافوا ممن يقتل الجسد خافوا بالحري ممن يقدر ان يلقي النفس في جهنّم« وجهنّم، طبعا قائمة للمعتدين.

                      ليست الدنيا تقاسم غنائم. انها إنفاق مغانمك على المحتاجين والمحتاج اذا شاركته ما عندك يرفعك الى السماء لأنك لا تقدر ان ترفع نفسك وحدك الى السماء ولكن يرفعك الإخوة ان احببتهم والإخوة هم كل الناس الى اية عقيدة انتموا. وانت قادر بالرحمة ان تجعلهم من اهل السماء في اليوم الذي يديننا الله فيه اجمعين. «يأتون من المشارق والمغارب ويجلسون في احضان ابراهيم وابناء الملكوت يلقَون خارجًا». ضمانتك الوحيدة لتصبح من ابناء الله ان ترى ان لله أب لجميع البشر.

                      انا ما دعوتك الا تنادي بالمساواة بين ابناء الوطن الواحد. ولكن اعلم ان ليس لك كرامة مستقلة عن كرامة الآخرين. وعليك ان تطلب حريتك لأنها هي الكرامة. ولكن قد تداس. عند ذاك تسعى الى الآخر بالكلمة ونضال الكلمة ولا تكون من زبائن الاجنبي لأن ذاك لا يصون الا نفسه ولو قال غير ذلك. والكلمة فعالة ان كنت انت عظيمًا في الحب. قد يكون لسواك لغة غير هذه اللغة. هذا شأنه وله من يدينه. اما انت فلك فقط جهاد النفس. ولا احد يقدر ان يكون على قلبك طاغية وانت انسان القلب ولا سيما ان المسيحية لا تعرف نفسها كتلة بشرية او حزبية. لذلك لا تناصر الا المظلومين ولكن دائما بالكلمة الحلال والبروز الطاهر للنفس. واذا كنت من القارئين فالوحي عند المسلمين يقول: «من قتل نفسًا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا» (المائدة ٣٢). فعلى صعيد التعامل الشخصي نحن مع المسلمين واحد.

                      لذلك كانت الميليشيات كلها باطلة في عيني الرب وكان القتال الداخلي باطلا ايضا في عينيه. واعلم ان الفتنة مدخل الى القتل.

                      نحن جميعا مدعوون الى الجدية كاملة اذا اردنا الا يموت احد بيدي انسان فنكون من الظالمين فكل منا وكيل الآخر على حياته ونموه وازدهاره والحفاظ عليه في كل ظرف من ظروف البلد وفي كل ازمة من التاريخ حتى يعلو حق الله ولا نمحق وجودا جعله الله لمجده وصانه مع عياله وفوّضنا امر حياته مهما اشتدّت علينا المحنة اذ الرب قادر ان ينجينا من وطأة التجارب بسلام ينزله علينا نعمة من عنده.