اليوم نعيّد ليس فقط للشهيدة بربارة ولكن للبارّ يوحنا الدمشقي المتوفى السنة الـ 749. يوحنا هو الاسم الذي اتخذه في دير مار سابا في فلسطين لما تَنسَّكَ فيه. هو منصور بن سرجون. جده منصور كان حاكم دمشق في زمن البيزنطيين. فاوض العرب على تسليمهم دمشق خشية دخولهم المدينة عنوة واستعمال العنف. والده سرجون ولاّه معاوية بيت المال.
لا نعرف اذا كانت العائلة متحدرة من أصل عربي او من أصل سرياني من حيث اللغة. المعروف ان يوحنا كتب فقط باللغة اليونانية التي كانت آنذاك لغة اهل المدن.
اخذ بكل علوم عصره، وليس ثابتا انه كان يتقن العربية. لم يكتب بها لأنها لم تصبح في بدء الفتح العربي لغة المواطنين. الا انه كان صديقا للخليفة يزيد بن معاوية، ولا بد انهما تخاطبا بالعربية. وبقي على علاقة وثقى بالقصر حتى خلافة عمر الثاني الذي منع توظيف المسيحيين، ولعل يوحنا احس ان هذا علامة قمع فزهد قديسنا بدمشق وبالدنيا والتحق بالحياة الرهبانية.
في تلك الفترة شنت الامبراطورية البيزنطية حربا على الايقونات، فدافع القديس عن الايقونات وكتب فيها ثلاث رسائل صارت هي الأساس الذي اعتمده المجمع المسكوني السابع ليُظهر ايماننا بالايقونة ويدعمه.
رسمه بطريرك اورشليم كاهنا فصار واعظ المدينة المقدسة ويتمم خدمته في كنيسة القيامة. بقي لنا من مواعظه تسع اكثرها عن والدة الإله. غير ان اهم كتاب له هو «ينبوع المعرفة» يشتمل على ثلاثة ابواب، اولها فصول فلسفية كناية عن تمهيد للبحث اللاهوتي. يلي ذلك باب الهرطقات، واخيرا الجزء الأعظم «في الإيمان الارثوذكسي» الذي يقع في مئة مقالة.
إلى هذا كتب في الهرطقات التي خرجت عن الكنيسة. وعنده جدل مع المسلمين نُقل إلى اللغة العربية.
إلى جانب الكتابة العقائدية أرسى أسس كتاب المعزّي، وتُنسب اليه قطع طقسية مثل الفصحيات وبعض القطع الأخرى.
لا نعرف بوضوح كامل دوره في علم الموسيقى الكنسية، ولكن لا شك انه اسهم في تلحين قوانين وطروباريات وفي وضع نظام العلامات الموسيقية.
كتابه في «الايمان الارثوذكسي» اهميته الكبرى انه اول كتاب يجمع كل العقائد المسيحية بشكل منتظم، منسّق، مبوّب. قبله كانت توضع رسائل متفرقة: مثلا في التجسد الإلهي لأثناسيوس الكبير، او رسائل في الثالوث المقدس لغريغوريوس اللاهوتي. اما يوحنا الدمشقي فشرح كل العقائد المسيحية مرتكزا على الآباء، وبناء على عمله صارت الكتب المتعلقة باللاهوت العقائدي تُكتب هكذا.
ما لا بد لنا من تذكره من تعاليمه عن الايقونة قوله إن تحريم تصوير الله في العهد القديم أنه كان غير منظور. ولكن بعد التجسد صار الله ذا شكل بشري، فنحن نُصوِّر المسيح لا الآب ووالدة الإله والقديسين. إلى هذا فالايقونات كتب للأميين.
اهمية الرجل جمعه صفات كثيرة في شخص واحد: قداسة السيرة، اللاهوت، الاطلاع على علوم العصر، الجرأة في مواجهة البدع والانحرافات، الموسيقى والتأليف الطقوسي، الحوار مع غير المسيحيين. نفعنا الله بشفاعته.
