من الاشياء التي ترعبني ان الكلمة الالهية لم تنزل بقوة او بالكثافة نفسها على اهل المسيح في اجيالهم. سواهم يحيا في سر الله وهو يتدبرهم بحكمته ان كانوا من اهل التوحيد. اما اهل الديانات الآسيوية والافريقية فأنا لا اعرف شيئاً مكتوباً عن مصيرهم وادعهم الى حكمته. لكن معظم الناس الذين لهم كتب لم يقرأوها أو لم يستطيعوا لجهلهم قراءتها وظلوا عن حقيقتهم غافلين وفيها قبس او بعض قبس. والناس من ظلمة هذه الاعين لا يرتجفون وأنا في خوف كثير من ان يستمر هذا الظلام فيهم وفي اولادهم من بعدهم وهم لا يدرون.
ما يقلقني في غيرتي وفي حبي ان هؤلاء الكثير منهم سينجون بفضل رحمة الله من حيث انهم يعاينون الله بسبب من نقاوتهم وهذه في كل حال من امر ربك وليست من باب تأملي الان اذ ينجو الطاهرون من كل جنس مهما قال المتزمتون ولاهوتيو الكتب. ليس هذا ما اعاني منه وعذابي عنهم لا يتعلق بالآخرة ولكنه يتعلق بالاولى كما يقول الاسلام او بالدهر الحاضر كما تقول المسيحية. عذابي في ان معظم الناس لا يفهمون وان بعض المتكلمين هم على لاهوت خاطىء اذ يقولون في الله اشياء مغلوطة. واذا كانت الآخرة امتدادا للأولى فليس فيها كشف الهي يضيف الى ما نعرفه في دنيانا لأن “ما كُتب قد كتب” وانت لا تعرف اشياء جديدة الا اذا قلت ان محبوبيتك عند الله – وهذه نعرفها – كافية للفهم واننا لا نعرف عند ذاك الصلة بين القلب والعقل وقد يكون القلب طاغيا فيفهم ما لم يكن هنا فاهمه دون ان تعبر الكلمة العقل. ما اتأمله في هذه الاقوال يتم عن اني اقيم فرقا بين العقل والقلب في اليوم الاخير ولكن اللعبة قد تكون مختلفة تماما. لعل هذه تحفزات عقلية لي لا تهم بسطاء القوم وقد يقول الله في ذاته ان كلماته انما ينزلها علينا في هذه الدنيا وان له معنا فوق لقاءات ليست من طبيعة اللقاءات التي كانت له هنا على وجود لحمة بين ما هو هنا وما سيكون.
ولعل بعضاً من قرائي يقول لماذا تعنيك هذه الامور ولم يكشف عنها في ما الهمه ربكم. جوابي انك لا تقدر على ان تهمل ما هو لربك أجاء فيه كلام أم لم يجئ لأن هذا يدفعنا الحب اليه. ولعل اهتمامك بالمدعوين الى الخلاص في ما سيكونون عليه أهم ما يكون عليه الفكر الالهي هنا لأن الذين أنت اليهم هنا ستكون اليهم هناك بسبب من وحدة المعشر وهذه المشاركة العظمى التي ستجمع بينكم عند حميمية الله.
لعل ما ليس دون ذلك ايلاماً في ما أسمعه من ارشاد في المعابد ان الخطيب يتحدث باللغة الفصحى وبصورة بليغة أحياناً وأنا أرى الوجوه وهي مقصرة في ادراك العامية فكيف بالفصحى ولعل الواعظ لم ينتبه الى ان القليل قد بلغ سامعيه وان كلمة الله اذاً راوحت مكانها وان شيئاً قدسياً لم يحصل.
يجب ان يتروض الفصحاء على ان قلب سامعيهم هو الذي يتقبل كلام الرب أو لا يتقبله واننا لسنا في مباراة بلاغية ولكنا في تبليغ الحق. ويفرح الواعظ ان الحاضرين كثر وهو يستلذ كلامه الذي لم يصل.
ما من شك في ان الله يريدنا ان نفرح بكلامه وان نغتذي منه بصبرنا ونصيره كي نبلغ القامة الروحية التي من أجل صنعها تكلم وجعل ناساً يتكلمون. أنا لا أستطيع ان أتصور ان الله اكتفى بان يفوض الى ناس أمر ارسال الكلمة ولم يفوض اليهم أمر تبليغها أي ان تشق دربها الى العقول والقلوب كي يصبح كل منا كتاباً الهياً يفتح بدوره بايضاح ما سجل فيه تبشيراً ودعوة.
أجل كان هذا مسعى اذ يصل من الزرع ما يصل ومن استنار من بعد توبة وعلم يبغي ربه منه ان يهيئ النفوس الى السمع وتناول الحق بتوبة وعمق أيضاً حتى لا تعود الكلمة الى مقرئها فارغة في تكامل يبني كل جماعة بالحب والغيرة عسى تصل الى كل منا حبات من الزرع ولا نبقى جياعاً.
أنت، عارفاً، ليس شأنك ان تهمل التعليم وتقول ان الله يرحم من يرحم ويرأف بمن يرأف. انت مسؤول على أعلى درجة كي يفلح الرب كرمه ويفهم من يفهم ويخلص من يخلص. هذا من أمر ربك واما التبليغ فتكليف وأخشى ان اهملته ألا يرحمك ربك ويعدك من الكسالى.
وما يؤذيني ان قلة من العابدين ترغب في المعرفة اذ تتكل على الصلاة وحدها والله يريدنا من العارفين لان المعرفة تقوي فهمنا للصلاة وتجعلنا نستطيبها. أنا أخشى كسل الاتقياء الذين يتكلون على المثابرة ولا يريدون ازدياد الفهم. كما أخشى الذين هم على صلاتهم ساهون. والصلاة تقام في الملكوت على طريقة ما. غير ان المعرفة تبدو في الملكوت أيضاً على كثافة ما والأكمل أفضل من الكامل.
ما يعزيني عن هذا التقصير ان هناك مسجداً غير منظور يجتمع فيه محبو الرب من كل دين يقيمون فيه الصلاة ويتبلغ منهم الكل بقدر حتى يجمعنا الله في المسجد السماوي غير المصنوع بيد ويمدنا الله فيه بالرحمات وربما يزيدنا فهماً لأن الله عقل أيضاً.
ما يحزنني من سنوات عديدة هو ما يبدو لي من ان الهيكليات الدينية على اختلافها تدفعها عوامل كثيرة في أزمنة الناس الى ان تنهمك بنفسها وأنظمتها ورجالها وتهمل الكلمة وادخالها الى ثنايا القلوب. أجل كل الديانات عندها حلقات دراسة لكتبها المقدسة والمذاهب تتسابق في النشاط. غير ان إقبال المؤمنين المسيحيين على العبادات العظيمة والضخمة جعل درس النصوص الالهية يتضاءل جداً. غير ان شيئاً لا يقنعني ان أي نص طقوسي أو نص للآباء مهما سما له في النفس الوقع الذي لكلمة الله. مرة قال لي عالم ليبي في الاسلاميات: لا شيء في الاسلام يؤثر في الانسان مثل النص القرآني. شهادتي المماثلة ان لا شيء أعرفه في كل التراث المسيحي يفعل في النفس المسيحية مثل الانجيل. أضيف الى هذا ان النفوس التي تأصل فيها الانجيل قادرة على ان تواجه تحديات كبيرة من الحضارة الحديثة بما هو اعظم من الايجابات الفلسفية أو اللاهوتية الحاضرة.
“الكلام الذي اكلمكم به نور وحياة”. هذا الكلام الذي نطق به السيد لا يعني فقط معرفة ولكنه يعني تنقية للنفوس وارتفاعها الى الدرجات العلى من القداسة والفهم في آن. طبعاً ليس الملكوت مجمع لاهوتيين والحمد لله ولكن اذا كانت السماء تكمل ما كان في الأرض جميلاً فلا بد من ان تستمر الكلمة الالهية في السماء اذا ما تمجد حاملوها.
