“ويل لذلك الإنسان الذي به تأتي العثرة (متى 13: 7). في المصطلح الإنجيلي العثرة هي تلك السقطة التي اذا ارتكبتها وعرف بها آخر يعثر على طريقه الى الخير. هي صدمة تهز كيانه لأنه نزهك عن الكبائر كما يقول المسلمون أو الخطايا الجسام كما نسميها نحن. لكونه جعلك في مصف الأبرار أو الطاهرين حتى الكمال لا يتوقع منك سقوطاً كبيراً أو صغيراً اذ تخيل انك لست مصنوعاً من تراب أو أنك تخطيته الى نور كبير عمّ كيانك فأنى لك ان تعود الى هذا التراب المقيت. كأن الانسان الذي يشتاق الى الله لا يستطيع ان يحيا الا باشعاع بعض الوجوه عليه ولا يقدر على ان يتصور دنيا بلا قطع من الجنة فيها هي قامات تضيء وتبدو لنا قادرة على ان تقيمنا من هبوط اذ لا نطيق الهبوط فنطل على النهوض ولا نبقى ناهضين ولكنا نتعزى بأن قوماً منا لا يذنبون بشكل مريع وانهم قد يكونون رجاء تجدد لنا اذا حان أوان الرضاء.
ما من شك في اننا في المسيحية نعيش بسبب من كل هذه الدعوات المتكررة في العهد الجديد الى ان نتعاضد روحياً ونبني بعضنا بعضاً ونحب بعضنا بعضاً لكوننا أعضاء متماسكين في جسد المسيح. وهذا مفهوم الحياة الروحية الجماعية لكون الكنيسة كالصليب فيها بعد عمودي يصلك بالله وبعد أفقي يقيم صلة بينك وبين الإخوة. فكل منا ينمو بالآخر، يتكل على دعاء الآخر من أجله. كل منا يقول لأخيه بالايمان: صلّ لأجلي. في هذا العمق الروحي يحتاج المؤمن الى نماذج، الى ايقونات حية حوله يقتدي بها أو يتكىء عليها تعلمه بضعفه من جهة وبالتكامل من جهة وبأن المخلص ترك لنا من البشر من ينقل الينا هذا الخلاص بصورة محسوسة. من هنا قول بولس لبعض من مؤمني عصره: “تشبهوا بي كما أتشبه أنا أيضا بالمسيح”.
غير ان الانسان الذي تتكل أنت عليه ليقوم مقام الايقونة يتصدع كالايقونة، يشيخ كالايقونة. ولعلك في شاعريتك الروحية استعظمته أكثر مما يستحق واذ بك تكتشف انه بشر ولعلك تكتشف ان فيه بعض هشاشة ما كنت انت مستعداً لرؤيتها بلا اهتزاز فيك.
ثم هناك من كانت عيوبه بادية لبعض وما هي ببادية لك لان خيطاً ذهبياً من العشق يربط برؤية نزلت عليك وعشت بها. كنت ترى بلوراً واذا بالبلور ينكسر أمامك فجأة فينشىء هذا فيك صداماً مرعباً. ليس أحد منا لا يرى في هذا أو ذاك أخطاء مريعة تحدث فيه خيبات موجعة. وتتراكم الخيبات أحياناً. ولكنك اعتدت الصداقة ولا تريد ان تبتعد لئلا تجد نفسك في عزلة تامة. يكفيك، اذذاك، شيء من فضيلة الصديق بعد ان تساقطت جمالات كثيرة. تؤثر ان تتغذى من هذا النزر القليل على ان تعيش في صحراء الحب.
واذا انتاب اصدقاءك هشاشات تعيش انت عليها كما يعيش الفقير على الفتات.
في حصاد الهشاشات قد لا يؤذيك شيء مثل ما يؤذيك وضع كاهن (أو اسقف) رأيت في وجع ان قلبه ليس لله وانه تالياً اخطأ العنوان في اتخاذه هذا الطريق. ربما ما كان هذا الرجل يعرف نفسه جيداً لما انخرط في هذا السلك دراسة ثم التزاماً. بالتأكيد ان اساتذته لم يعرفوه اذ ليس مثل الدراسة ما يحجب التفحص الحقيقي. هذا الشاب مغطى بمظاهر التقوى وما كانت بتقوى أو ان الرجل سقط في ما بعد بما تعرض له في مهمات الرعاية. نحن نعرف على وجه الدقة كيف يجرح الطهر ثم نعرف ان التوبة عسيرة وان معظم الناس يموتون في خطاياهم.
ما كنت مخطئاً في المبدأ ان تعلق آمالاً على راعيك أو راع آخر لأنك تعرف من الكتاب والتراث شروط الانتماء الى هذا المصف. غير ان الداخل اخطأ الخيار أو من اقتبله اخطأ الخيار أو كنت تظن ان أمثال راعيك محصنون لأنهم باتوا أشباه ملائكة وما كان لك النضج لتفهم ان ليس في العالم الروحي حصون وان البشر ركامات تراب مرمية هنا وهناك حتى يرضى ربك ويبني منازل قليلة من هذا التراب.
كثيرون تركوا رعاياهم أو مذهبهم في هذا الشرق لأنهم رأوا ما رأوا في مسؤوليهم. الخطأ كان في اعتقادهم ان الانسان قادر على ان يصنع من المسيح نسخاً وتالياً في اعتقادهم ان التراب له ان يصبح ضياء. هذا غير ممكن وغير مكتوب. ان تعطش انت روحياً لا يعني ان قربك ماء. كنت على حق لما سعيت الى أنوار وجه السيد ترتسم هنا وهناك. لكن هذا حققه قلة ويحققه بعض منا فترات ولكن لا نحققه كلنا وفي كل حين لأن السماء لم تهبط بعد على الأرض ولأن الملكوت لا يزال وعداً.
جميل ان تقفز في أشواقك تواً الى الفردوس وان تحس ان من انت مسحور بهم روحياً فردوسيون ولكن ليس من فردوسي. يبقى سؤال يحز في صدري بشرياً ولا يزعزع إيماني مطلقا وهو لماذا سمح الله بكل هذا التلف وسيسمح به الى الأبد. الجواب الذي أعرفه عقلياً هو ان الرب ارادنا احراراً وان نقبل اليه بحريتنا ولم يسخرنا لمشيئته كما تسخر انت الآلة. وثمن الحرية الارتفاع والسقوط وانت لا تسمو الى الألوهة إلا طوعاً وفي كل لحظة ينبض فيها قلبك وعليك ان تدفع ثمن تقلبه حزناً وان تبكي بين خطيئة واخرى نتتراءى لك صور من الفردوس حقيقية لتحقق الكلمة: “اننا بالرجاء خلصنا” (رومية 8: 24). وفي موضع آخر يؤكد بولس: “انكم بالنعمة مخلصون” (أفسس 2: 8).
واذا عرفت ذلك تفهم قول الله على لسان داود: “لا تتكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر اذ ليس عندهم خلاص”. أنت مثل المعلم مشلوح على الصليب وأنت وحدك كماكان وحده وليس معه الا الآب. في الأخير الكنيسة هي المسيح المصلوب وليس أحد من البشر مهما علا شأنه يستطيع ان يفعل عمله أو ان يحجبه عنك والكنيسة هي انت والمسيح والذين يحبونه بحق. كافح حتى يسترد المخلص التائهين عن دربه واذذاك تكون معهم ولو لم تر وجوههم. اعلم انت انك حي بمحبة يسوع التي تنزل عليك.
