قلبنا على لبنان كما لم يكن لان وحدته تتعسر ولعل تركيبته الطوائفية تجعله صعب المراس حتى يشبه مراسه استحالة اذ يتعذر اكثر من اي زمان مضى ان توحد ناسه عليه. وحدته مرجوة عند الخيرين ولكن لا تبدو معالمها مهيأة لتصوير وجه له يرضي كل ابنائه. فلا يبدو اننا متفقون على ثوابت وعلى اصول فما هو تحت النقاش عندي ليس كذلك عندك. ولما افترقنا كثيرا في الحرب قلنا اننا تجاوزنا ميثاق 1943 ولست ارى اننا تفاهمنا حول ميثاق آخر. كلام البيان الوزاري لحكومة المغفور له رياض الصلح ان “لبنان ليس للاستعمار مقرا ولا الى جاراته العربيات ممرا”. وكان ذلك ليتباعد بعض عن فرنسا وبعض الا يؤذي بلدا عربيا آخر بتصدير الاستعمار اليه. غير ان هذا الميثاق بسبب الوحدة العربية لم يخطر على بال اصحابه آنذاك بسبب الاخاء العربي اننا قد نكون مطمعا لعرب آخرين ولم نصنع ميثاقا جديدا يقول هذا فأتت الرياح بما لم تشته سفينتنا فاستصغرونا بسبب من صغر حجمنا.
والوطنية تعني ان البلد ولو تحالف يصر على ذاتيته لانه لم يكن عنده او فيه ذات تأتي احلافه غير صادقة او غير متينة وانه يفوض امر مصيره او مساره الى آخرين. وتترك كل كتلة او شريحة الى هواها التاريخي او الى ما تريد ان تستقوي هي به وعندئذ تتلاشى الوحدة.
ان تكون هذه الطائفة او تلك قوية فهذا جميل اذا وضعت قوتها في خدمة الوحدة واذ ذاك لا تكون الطوائفية مشكلة او لا تكون مشكلة مستعصية. نحن اذا في حاجة الى ترويض روحي لكل فئة لتحس بأنها تحيا بالفئات الاخرى. وهذا يعني ان ليس من وطن يكون فيه لأية طائفة سياسة خارجية وتبقى السياسة للدولة التي تبطل تحديدا سياسة الطوائف منفردة. وهذا هو الميثاق الجديد الذي يكمل ميثاق الدولة في عهد الثنائي بشارة الخوري – رياض الصلح.
كنت شابا لما قرأت البيان الوزاري الذي صدر في 8 تشرين الثاني 1943 وتظاهرت بعد ثلاثة ايام في طرابلس مع من تظاهر احتجاجا على الفرنسيين ومشت على اجساد رفقائي هناك دبابة فرنسية ومات منهم احد عشر شابا. وتحولت تحولا كليا بعد ان شاهدت بحرا من الدماء وأشلاء رفاقي من شاب مسيحي يرتضي الانتداب الى رافض له رفضا عضويا وأحسست أني واحد مع هؤلاء الشبان المسلمين الذين قتلهم عسكر الانتداب وشعرت ان الدم المراق وحّدنا انا وهؤلاء الشبان.
لا يستطيع الوطن ان يقوم على احتدام عواطف وهي اليوم نار تحت رماد. هناك أسس موضوعية مشتركة لا تتبدل بتبدل الاحوال السياسية. ان يكون لبنان الى الابد صديقا لاحدى الدول ليس من الثوابت. ان ننهي الحرب مع اسرائيل أمر خاضع للنقاش. ان نرفض التعامل مع اسرائيل الى الابد مع توقيع ما للتهدئة أمر مقبول. هناك تفاهمات داخلية بين أطياف الشعب اللبناني تؤسس لاجماع وطني.
الدستور كرّس العيش المشترك أمرا تاسيسيا لا يجوز الخروج عليه. عبارة “العيش المشترك” تتضمن في تصوري فكرة تلاقي الطوائف على نوع من الوحدة الاجتماعية وعلى توافق وتعاون بينها ينفي وجود حكم ديني ويفترض حكما مدنيا كما سماه بعض العلماء المسلمين ومفكريهم ولا سيما الشيعة منهم.
خارجا عن التوترات الحالية أفهم ان تستمر الزبائنية السياسية في لبنان. كانت عندنا زبائنيات كثيرة وذلك منذ أجيال ولعل ذلك يعود الى ان بعض الجماعات كان لها في الدول الكبرى مرجعيات سياسية تحميها وتدافع عنها او يظن ان هذه الدول كانت على مقدار من الفاعلية. ربما صح القول اليوم ان لبعض منا ما يجعله يستقوي بالغير. هل الاحزاب اللبنانية المدعومة من الخارج قادرة على ان تقول لا عند الاقتضاء؟ ما طبيعة العلاقة بين كتلة صغيرة من البشر ودولة في الخارج؟ هل هذا حلف أم تطوع أم ولاء؟ امام الاختلاف في التطوع بين اللبنانيين هناك أكثر من قراءة للبنان وليس ثمة عيش مشترك.
اذا هدأت العاصفة التي هي في قوتها أشد من عاصفة الـ1975 لا مفر من ان نرى الى الاحزاب والتيارات نظريا وذلك بما ينفع منها لبنان. عند الأمم التي سبقتنا في نظام الاحزاب مع مشابهتها الاحزاب المماثلة في البلدان الاخرى كانت كلها تتكيف بتاريخ بلدها وطبائع أهله ولانهائيته. كان الحزب الشيوعي في فرنسا مثلا قائما على الماركسية ويتعاطف والاتحاد السوفياتي بسبب من العقيدة الماركسية وشيء من التآزر العملي ولكنه كان يسمي نفسه الحزب الشيوعي الفرنسي. وكذلك كان الايطالي.
لم يكن في تلك البلاد حزب ذو عقيدة دينية. الاحزاب المسماة ديموقراطية مسيحية لم تكن تطلب من اعضائها ان يشاركوا في القداس يوم الاحد. الحزب يدعو، يقيم مؤتمرات ويلتقي وفودا من بلدان اخرى ويرى ان من صالح البلد ان يتفاهم وبلدانا اخرى من طريق الدولة.
وفي التأزم الحالي لن اتكلم على حزب اذ قد يعد هذا انخراطا والوقت للتهدئة. في وقت مناسب لا بد للبنانيين ان ينظروا ناضجين الى كل الاحزاب وليس من مقدس. كما ان النظام الحزبي القائم عندنا على غرار الجمهورية الرابعة في فرنسا قد لا يكون نظاما مؤسسا في المطلق. هناك بلدان تقوم على حزبين وليس عند المواطنين فيها احتدام سياسي خارج زمن الانتخابات التشريعية. فالاختلاف السياسي الحقيقي بين الناس ليس فيه تعدد لا يحصى. طبعا لا ادعو الى تشريع اعتباطي في هذا المجال ولكني ادعو الى نقاش المقدس في الحياة الوطنية اذ ليس من مقدس على صعيد الحياة الحزبية.
في هذه الايام العصيبة يبدو لي لبنان ثمرة صلاتنا اجمعين بسبب من هروب تكويناته منه. غير اننا اذا قلنا القول الواحد في قوام الوطن والتزمنا طاعته وحده قد يكون لنا ان نبقى معا في صدق. لقد استلمنا هذا الوطن واستمتعنا به وما من بديل. ارجو ان يبارك الله له ويحفظنا فيه مع اولادنا بكرامة ومحبة.
