مملكة الأنباط وعاصمتها البتراء (في الأردن اليوم) امتدّ نفوذها إلى دمشق. والحاكم فيها، بسببٍ من وثنيّته، قرر القبض على بولس الرسول الذي لجأ إليها بعد أن ظهر له المخلّص على الطريق إليها واتّصل فيها بالكنيسة واقتبل المعمودية.
عَرفَت الجماعة المسيحية في المدينة بسعي الحاكم إلى القبض على الرسول، فأرادت أن يهرب، فدُلّي من كوّة في زنبيل من السور، والمكان معروف حتى اليوم، فنجا بولس من الحاكم. وبعد ان قال هذا في هذه الرسالة، قال: «انه لا يوافقني أن أفتخر فآتي إلى رؤى الرب وإعلاناته». ثم اختار إعلانا واحدا ليتكلّم عليه، وقال عن نفسه ولكن بصورة الغائب: «أَعرفُ إنسانًا في المسيح منذ أربع عشرة سنة (في الجسد لستُ أَعلم أَم خارج الجسد لستُ أعلم، الله يعلم)- ويدلّ بذلك على نفسه-اختُطف إلى الفردوس (أي إلى الملكوت) وسمع كلمات سرية لا يَحلّ لإنسان أن ينطقَ بها».
قال: أفتخر بهذه الرؤية، بالنعمة «وأما من جهة نفسي فلا أفتخر إلا بأوهاني» أي أفتخر بشفاء الله لي من ضعفاتي. ويفسّر هذا بقوله: «ولئلا أستكبر بفرط الإعلانات أُعطيتُ شوكة في الجسد، ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أستكبر». طبعًا لا يشير الرسول إلى أخطاء ارتكبها، إذ العلماء مُجْمِعون على انه يتحدّث عن مرض يلازمه. ويختلف العلماء حول هذا المرض أو هذا العجز، وانا أميل إلى أولئك الذين يقولون انه يشير إلى ضعف البصر عنده. وما يقوّي هذه الحجّة اننا نعرف من رسائله انه كان يمليها على مجموعة من تلاميذه، وما كَتَبَ إلا فقرات قليلة بيده. والمرض كان يلازمه -حسب قوله- لئلا يقع بالكبرياء.
ثم يقول: «لهذا طلبتُ إلى الرب ثلاث مرات ان تفارقني» أي ان تنقلني بالموت إليك. «فقال لي تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل». كان بولس، بسبب الشدائد الكثيرة التي تَعرّض لها (غرق، رجم، اضطهاد من الإخوة الكذبة) وهو تحدّث عنها في مكان آخر، يحتاج إلى نعمة الله فشعر فيها انه نجا من الشدائد جميعا بنعمة الله. كان يحس بالضعف الجسديّ ويحس بالوقت نفسه بتعزيات يسوع له ويدرك ان النعمة نجّته من كل هذه العذابات، ونجّته بخاصة من الحزن والكآبة، وتحرر منهما لمعرفته انه يجب ان يبشّر وان يتابع الرسالة في كل الأوضاع الصحية.
بولس كان يرى المسيح دائما أمام عينيه وهكذا قال: «فبكل سرور أفتخر بالحريّ بأوهاني لتستقرّ فيّ قوّة المسيح». بعبارة أوضح هو ما كان يفتخر بالأوهان الجسدية وما يرافقها من حزن إلا لكونها جعلته يلتجئ إلى قوة المسيح، وهذه القوّة كانت تستقرّ فيه وتجعله يتغلّب على الآلام في جسده وفي نفسه. الأوجاع، مع انه يعانيها، ما كانت تسيطر عليه لأن المسيح استولى عليه. ما قال الرسول ان السيد رفع عنه أوجاعه، ولكنه قال انه لا يعتبرها شيئا لأن المسيح كان كل شيء.
هذه يجب ان تكون جَمال المسيحيّ المتوجّع. لا يبقى مسمّرا على أوجاعه ولا يقع في الكآبة التي يأتي بها المرض ولكنه يقفز في المرض والعجز عنهما ليجعل بدعائه الدائم المسيح يحتل مكانه في قلبه. يشفي، واذا لم يشفِ فإنه يعزّي بحضوره وتعزيات روحه. هكذا اذا رافَقْنا المريض ولا سيما عند مرضه الأخير ننقله بكلمات الرب إلى معاينة ملكوته والانتقال إليه وهو على هذه الأرض.
