انكفأت عن قادة لبنان الى لبنان عليّ اتعزى. انكفأت الى الأرز الذي نصبه الله كما يقول المزمور ١٠٣ في حين ان كل الأشجار الأخرى نصبها البشر. هكذا يعلينا الكتاب الإلهي ويمدح جمال نسائنا في نشيد الأناشيد ويكشفنا هدفا لمطامع اسرائيل. انت لا يسعك ان تناقش في ما اذا كنا موجودين او غير قائمين على هذه التلال والجبال بعد ان ذكرتنا التوراة حوالى سبعين مرة كائنا ما كان منظور هذا الذكر.

                      لست اعلم اذا كان المهاجر الذي قرر عدم العودة لصيقا بالوطن. لست أدين احدا فهناك اولاد يكبرون ويتزوجون ويلازمون الأرض التي ابتغوا الإقامة فيها. انه لشيء عظيم اذا مت ان تضجع مع آبائك. تكون تشرقت اي طلبت ان تُدفن تحت الشمس في بلدك. واذا كنت مسيحيا تذكر ان أشعياء يسمي المسيح الشرق. وقبل انشطار الكنيسة في القرن الحادي عشر كل الكنائس كانت الى الشرق ومنه لبنان. ان كنت تحبه تسافر هنيهة طلبا للعلم او الرزق ثم تعود الى النور اذا التمسته عيناك ورغب فيه قلبك وتنتظر ان يلتصق لحمك بترابه عندما يقرر الرب استردادك الى الملكوت ولكن قبل ولوجك السماء يحجب وجهك ترابنا. الصوت الإلهي يناديك من تحت ترابنا. من عندنا تنطلق الى كنيسة السماويين.

                      لست متعصبا لجمال الطبيعة عندنا ككل اللبنانيين ولكن لا شك عندي وانا المسافر الكبير اننا في طليعة البلدان الجميلة ولكن بيوتنا راسخة في التاريخ في الساحل ومصوغة في الجبل كالماس في الخاتم. يسحرك بهاء الكثير من قرانا حتى نعيد الأشجار التي احترقت ونقول بذا اننا محبو الخضراء والجنات التي تجري من تحتها الأنهار. ولكن يعذّبني ان السياسة عندنا ليست جنة واننا في حاجة الى زمن غير يسير حتى تصير حياتنا الوطنية على صورة القديسين. يؤلمني هذا البعد بين الطبيعة عندنا وهذه التشنّجات الجارحة التي تحزّ في كياننا البشري. لماذا بتنا هكذا على اللاوعي وعلى غير الاخلاص وهنا لا اتحدى احدا ليقيني ان فينا قوما طاهرين عندهم من كلمة ما تجعلهم مؤهّلين لخدمة البلد كما كان الفلاسفة يحكمون أثينا في ايام أفلاطون.

                      البلد لا يمشي من ذاته. لا يتحرّك الا بالمعرفة والمحبة اللتين لا تلازمان بالضرورة المقامات العلى. والعلم وحده بلا محبة يولد من أحشائه الخير كما يولد الشر. والكثير منا انفعالي بدءًا من قيادة السيارة الى رجل السياسة التي هي اصلا فن قائم على الصدق والتقوى والنزاهة الكاملة. ليس صحيحا ان السياسة تلطخ آليا صاحبها، انه اذا تعششت فيه المعصية تأتي أعماله سيئة ويقدر ان يفسد البلد.

#                  #

#

                      انا عشير لبنان من قبل الاستقلال وكدت أموت في مظاهرة طلابية في طرابلس صباح الحادي عشر من تشرين الثاني السنة الـ ١٩٤٣ تحت دبابة فرنسية قتلت احد عشر من رفاقي المتظاهرين عند اعتقال الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح ورفاقهما. وعرفت بسبب من عملي آنذاك قضاءً نزيهاً الى حد كبير وادارة معقولة في هذه الفترة وبعدها.

                      عند منظر الدم ولمسي لأعضاء رفقائي المتقطعة اهتديت الى لبنان رافضًا للإنتداب وآمنت اننا قادرون على الحرية ومستحقون لها. وعملنا لها لما كانت تتهدد وصرنا اليوم أكثر من اي يوم مضى مصرين عليها ليصبح كل منا بشرا سويا ونهدي مواطنينا وغير مواطنينا الى الحق.

                      بعد تلك الأيام صرت أتردد على جريدة لسان الحال وصرت أكتب فيها كل سبت وكان جبران حايك يعرف اني واياه كنا نذكر معا انطاكية عاصمة ولاية سوريا الروماني ومركز كنيستها حتى اليوم. وكان ذكر انطاكية يعني لنا النهضة الروحية في كنيستنا. قال لي جبران مرة: ما هي انطاكية؟ لم أفهم سؤاله. اجاب هو عن سؤاله بقوله: انطاكية هي اليوم بيروت. فهمت انه يعني نهضة الفكر العربي التي كانت العاصمة اللبنانية تحتضنها وانها المدينة الاولى في نشر الكتاب العربي كما لاحظ ذلك طه حسين وما كان أدباء العرب من العراق الى القاهرة الى السودان الى الخليج يتهمون لبنان بأنه انعزالي. الروح اللبنانية كانت تعني آنذاك لبعض الابتعاد عن العرب وكنت اعرف ان العروبة بدأها موارنة باريس وان الموارنة ثم ارثوذكس جبل لبنان سبقوا غيرهم بسنوات في تحدي الصهيونية. هل كان انعزالية ان تجبه الفكر الصهيوني فورا بعد مؤتمر بازل السنة الـ ١٨٩٧؟

                      هذا الشعب حي قلبه وحي عقله بانتظار إحياء الدولة. متى ينتهي الطلاق بين الحكم والأمة؟ متى يصير الحكم على صورة الشرائح الطيبة من عائلاتنا الروحية جميعا؟ طبعا انا لست أؤمن ان اللبنانيين جميعا قديسون ولكنهم محبو السلام ويسعون الى تنشئة اولادهم ونموهم حتى يأتوا روحيا على جمال جبل لبنان، على مداعبة الشمس لجبالنا عند الغروب فوق ضريح جبران او فوق قبر ميخائيل نعيمة في الشخروب.

                      من يعرف كل هذا لا يستطيع الا ان يشتهي الراحة لأهل لبنان والازدهار، لأن في هذا خدمة للعرب جميعا. كنت أحاضر مرة عن المسيحية العربية في الخليج وكانت القاعة قاعة للدولة ويقدمني شخص رسمي وكان ذلك امام خمسمئة شخص كثرتهم الساحقة من الإمارتيين فلم يجد تعريفا لي الا اني من وطن جبران ونعيمة وأمين الريحاني. هذا لم يخطر بباله ان المسيحيين انعزاليون. كذلك في المغرب لمست مع كبار من أساتذة الجامعات ترحيبا بي كلبناني.

                      اما اليوم فكلنا خائف على البلد بعد اقتناعنا انه يقوم على دولة فيها مقومات حكم سليم. والحديث منذ تولي الرئيس الياس الهراوي كان عن دولة القوانين والمؤسسات اي في العلاقة الموضوعية العادلة بينها وبين المواطنين. وهذه العلاقة في خلل مبين ويحس اللبناني انه متروك الى قدره وعمل الدولة عينا في التغلّب على القدر وإحكام العقل. هذا الشعب يحتاج الى رعاية، الى حضن، الى ثقة بالمستقبل القريب، الى الا يتعرّض الى الجوع. هذا كله يحتاج الى التضحيات من قبل اهل السياسة والى نوع من تخفيف حدة الحزبية طلبا لشيء من الرحمة. هل انا حالم لو قلت اننا في حاجة الى اتخاذ اهل الحكم والنواب البلد الى صدورهم التائبة وان يلتقوا على هو ممكن وبنّاء بآن؟

                      والقضية قضية ايام اذا كنا مصرين على انتخاب رئيس لأن إرجاء الموعد اذا لم يحدث فراغا لا بد له ان يحدث قلقا كبيرا حتى درجة اليأس. والناس هم المهمون ولاسيما الفقراء منهم. الى هذا لن يرضى الموارنة وربما عائلات روحية اخرى مسيحية ام غير مسيحية ان توضع الرئاسة في مهب الريح. انا افهم ان يتمسّك الماروني بمقام الصلاحيات فيه قليلة ولكنه يرمز الى منطق تاريخي.

                      في اليومين الأخيرين جمع السيد البطريرك صفير المجروح من اجل البلد أقطاب طائفته وأرجو أن يكونوا قد اتفقوا على صالح لبنان (مقالي مكتوب قبل اجتماعهم). وبالتأكيد لا يرغبون او لم يبقوا في موقع من يملي خيارا. ولكني اوصي في المحبة ان يراعى جانبهم اذا هم اتفقوا حتى نصل الى فكر ديموقراطي علماني لا نأخذ بعين الاعتبار الطابع السياسي للطوائف.

                      واذا لم يتم هذا الاتفاق فلندع الله جميعا ان يتم تحت قبة المجلس. ان رغبة البطريرك في ان يكون النواب جميعا هناك هي رغبة حكيمة تتخطّى بعض الاعتبارات الاجرائية فينتخبوا رئيسا قويا طيّبا فهيما مثقفًا غير تافه ومن بعد هذا لا نكون عند نقطة الصفر ولكن تسير عجلة الإنقاذ. من الممكن ان تبنى الدولة من جديد مع رئيس جديد وتتعهد السلطات الثلاث التي تضع يدها على مؤسسات البلد فتساعد هذه الدولة على تكوين مجتمع صالح نسبيّا ولكنه في حاجة الى خمسين سنة او اكثر من التربية الأخلاقية ليتفاعل والدولة في شكل خلاق يبنيه ويبني الحكم معا.

                      أرجو ان ترفع قلوبنا ادعية بارة لبدء مسيرة الإنقاذ حتى نبلغ قيامة لبنان الأبيض.