قالت العرب: «أعذب الشعر أكذبه». هل المراد بهذا الكلام ان الشعر هو الهروب من العادي الذي يجسّده النثر الى إحساس ينشئ كلمات اخرى. الشعر ليس كذبا لأنه ليس تشويها. انه بناء آخر ولو كانت الحجارة واحدة. هو في الحقيقة محاولة نجاة من واقع يؤلمك ولا ترتضي السكنى اليه اذ تكون، اذ ذاك، قابعا في ما يشبه الموت. تخرج من الألم او تحاول في الإبداع الذي يعطيه التماس الفرح. ما من إبداع في الكذب الأدبي. الزخرف هو الكذف. القلق الذي لا بعده سلام يجعلك مختبئا فيه. هذا في الأدب.
أما في الحياة فالكاذب كثيرا ما ينجح بالاختفاء ولكنه لا ينجح بالاستمرار. بهذا المعنى قال فولتير: «اكذب، اكذب يبق دائما شيء من هذا». قد يصدقونك الى حين ولكن لا يصدقك كل الناس. لذلك كان الكاذب في الأخير محكوما عليه بالوحدة فيعتزله القوم الذين يلتمسون الشفافية لكون الكذب يؤذيهم او يؤذي مصالحهم ويرون كيف تمزقت شبكة العنكبوت وكيف انهار صاحبها ليس لأنهم بالضرورة أصدق. الكذوب لا يحب ان يكذب عليه لأن فيه إرادة الحياة. ليس هناك جماعة كذابين. الكذب لا يربط كاذبا بآخر.
الكذب يغري للكسب، لتغذية النفوذ. ولذلك يعرّض له الإنسان اية كانت مهنته او موقعه في العائلة. ولكن لا ضرورة له في اية حرفة. الديبلوماسي نفسه يحمل رسالة من دولته ويفاوض ويدافع عن موقف بلده ولكن لا شيء يضطره الى مجافاة الحق ولاسيما اذا امتهن ديبلوماسيّة مكشوفة كما هي الحال احيانا في ايامنا. كذلك المحاماة يعيشها الكثيرون في صدق كامل. المحامي يدافع عن وجهة نظر وعن الجانب القوي في موقف موكله واذا جانب الحقيقة يفضحه الخصم او القاضي. لا تستطيع انت ان تنفي واقعا ثبت او يمكن إثباته. تستعين القانون او تشرح الظروف بحيث ينجلي الوضع.
المبالغة في وصف الحسن للبضاعة وأساليب أخرى في التجارة كتحريف سجلات المحاسبة كل هذا يقع تحت عنوان الكذب الى جانب السرقة. انهما متلازمان.
# #
#
في بلدنا لا بد من ان يطرح السؤال حول الصدق عند رجال السياسة. أجيب توًا اني اؤمن بأن منهم من كان صادقا وكذا في بقية انحاء العالم. طبعا هذه فضيلة صعبة المنال حيث السياسة شأن الزعيم او النافذ الذي يشتهي ان يجدد قعوده على مقعد بعد ان احتله فترة طويلة او قصيرة. هذه شهوة السلطة التي ترهبني اكثر من اية شهوة اخرى. تضعف الرغبة فيها في وجود الأحزاب التي تختار هي مندوبيها الى مجلس النواب. ولكن في القبلية التي تتخذ اسم الديموقراطية – والقبيلة فردية- حظنا في الصدق قليل.
هناك أنظمة سياسيّة او تركيبات مجتمعية تضعف حظ الصدق. المؤكّد ان من انتهك العفة في الانتخابات يكون قد ارتكب الرشوة التي هي استغلال حب الناس للمال وتاليا قبول إفسادهم. من ينقذنا من هذه الآفة.
مرة سألت أحد أبنائي الروحيين ان كان يكذب. أجابني: نعم ولكني لا اؤذي احدا. قلت له: على الأقل تؤذي نفسك لأنها تقزّمها بخسارتك الشجاعة. المواجهة هي حق لمن تتعامل واياه. له حق في الصدق. ان تواجه هو ان تجعل وجهك اي داخلك امام وجهه اي داخله لأنك تقوي شخصيتك بالصدق وهو ينميها بمعرفة الحق الذي قال الناصري انه يحرر. بالصدق تتقبّله وهو يتقبّلك واذا اخطأ فله عليك حق عتابك ولعلك تشفيه من خطأ وقع فيه. اخرج دائما من نفسك لأن الآخر بات هو مركزك وانت توجد به وفيه ويحل النور عليك وعليه.
انه لمقلق جدا الا تكون متأكدا ان الآخر لا يصدقك. يختل التعامل اذًا ولا تعرف اين تقف واين يقف الآخر ويبدأ الشك بالنيات وتتهدد مصالحك وقد تصل الى اليأس من الآخر وربما تعمم شكك على جميع الناس وتعوزك اذ ذاك، قوة كثيرة ونعمة الهية فائقة لتستمر في الطهارة وتشعر ان الطهارة تؤذيك في حياتك الخاصة او العامة.
السؤال الذي يطرح نفسه احسب ان لنا جوابا عنه في ما قاله صاحب الرسالة الى العبرانيين حيث قال: «فاذ قد تشارك الاولاد (اي البشر) في اللحم والدم اشترك هو (اي المسيح) كذلك فيهما لكي يبيد بالموت الذي له سلطان الموت اي ابليس ويعتق اولئك الذي خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية» (2: 14 و15).
القصة كلها هي الخوف من الموت وهذا الخوف هو العبودية. فالسارق يسرق خوفا من جوعه وجوع اطفاله او في ظنه ان ما عنده لا يكفي وانه يعيش على مستوى الموت. كذلك الكذاب يكذب خوفا مما يشبه الموت. التلميذ مثلا يخالف الواقع الذي يسأله عنه المدرس خشية عقابه. الذي يخون زوجته هو دائما غارق في سرد حكايات لا أساس لها لكي تطمئن وترضى عنه. يخشى عقابها كائنة ما كانت صورته. قبولنا للموت هو اعلى مستوى روحي يمكننا بلوغه. اما اذا وصلنا فمعنى ذلك اننا احرار من الخطيئة.
انها اذًا لحرب دائمة نخوضها على الخوف بحيث لا نخشى تأديب احد في اية مؤسسة نحن فيها ونرضى بالطرد من اجل الحقيقة. وليس من نصف صدق وقد عبّر عن ضرورة كماله المسيح المبارك بقوله: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا وما زاد عن ذلك فهو من الشرير» (5: 37) فلا تسوية بين النعم واللا. وهذا المعنى يؤكّده بولس الرسول بقوله. «امين هو الله ان كلامنا لم يكن نعم ولا» (٢كورنثوس 1: 18).
اجل لك ان تتكتم والا تكشف الحقائق لفضوليين ليس لهم الحق بمعرفتها. اما حيث يقضي التواصل او المسؤولية في مؤسسة انت فيها فهناك المكاشفة وعند ذاك تبدي ما يجب ابداؤه. اي اخفاء يضر بصيت واحد من الناس او مصلحته فهو من الشرير. هناك حكمة تربوية احيانا في الإخفاء اتقاء صدمة عنيفة. هناك ارجاء حكيم لكشف امور. ولكن روح التصرف يبقى ان الحقيقة هي حياتك وحياة الآخرين ليكتمل كيان الجماعة الشاهدة الله.
