هذا فصل من لوقا نقرأه غدًا في كنيستي. وهو مثل من الامثلة التي كان يعلّم المسيح الانجيل بها. حكاية يؤلفها ويأخذها من حياة الناس. روايتها تقرب البسطاء والانقياء من الملكوت ولكنها ترسخ الفريسيين في رفض يسوع. هي كشف لاسرار الملكوت الذي دعا السيد الشعب اليه وليست تيسيرًا لتعليم لاهوتي دقيق عسير.

عندما يدق هذا الفصل الانجيلي باب مسامعنا نتذكّر ان الصوم آت ونفهم ان النص اريد له ان يضعنا على طريق نباهة النفس والاستغفار بغية استقبال المسيح من خلال كل النسك الذي يتطلبه اقترابنا من الرب. الكيان لا يستريح الا بعد ضجة فيه. وحكاية الابن الشاطر تحدثها في مستمع متقبل هذا اطول سرد في ادب الامثال ومن ابلغ صور التوبة التي جاءت على لسان المعلّم. ليس العنوان واردًا في الكتاب. وضعه المفسرون هكذا او قالوا الابن الضال وفي بعض اللغات الابن المسرف. الفتى هذا يحب العيش الواسع بما يتضمن ذلك من تحرر. طلب نصيبه من الارث من ابيه وهو على حياته الثلث. ولكن ماذا وراء هذا الطلب لو احببنا الدخول في علم النفس. قد لا يكون اصل هذا الالتماس ان يضل الصبي لكنه اشتهى الذهاب من البيت والبيت رمز لسلطة ابيه وهي في كثرة الاحوال سلطة متعسفة، مستبدة لا تقبل استقلال الشاب الذي يقبل على الحياة نهمًا.

هذا سافر الى بلد بعيد ليدل على انه لا يطيق القربى من ابيه او لا يحتمل ان يدفعه الشوق الى الرجوع. الأنا اشتهت ان تؤكد نفسها. الترجمة المعتمدة في الكنيسة الارثوذكسية تقول انه في الغربة عاش في الخلاعة. الترجمة الاميركية «انه بذّر ماله بعيش مسرف». وفي اليسوعية ايضًا التأكيد على الاسراف. اخوه الاكبر اتهمه بأنه «اكل معيشته مع الزواني». ما اراد الانجيل التركيز عليه انه بدد كل نصيبه من الثروة. وانه لم يبق عنده ما يقتات به. طلب عملاً عند واحد فاستخدمه راعيًا للخنازير. والخنزير حيوان نجس عند اليهود وحرمت الشريعة اكله. لعل لوقا استعار كلمة خنزير ليوحي ان الولد كان موغلاً في الخطيئة.

ثم «رجع الى نفسه»، الى ذاته العميقة الى حيث يسكن الله صوتًا خفيًا او ضميرًا او نباهة. اخذ يمتحن قلبه كما يقول آباؤنا. هذا يعني ان الأنا المستلذّة لم تبق طاغية. ثمرة هذا الفحص ان وعى الشاب ان اباه عنده ما يكفي لاعاشته. وتصوّر ان اباه سيقبله. اهتزت قناعته الاولى بأن اباه مستبد. لكنه ادرك ما هو اعمق وهو انه اخطأ الى السماء. الخطيئة هي جرحنا لله قبل ان تكون جرحًا للناس. لكن الوعي مع الندم لا يكفي. الندم حسرة حسب الانسان ان ينطلق منها لا ان يبقى عندها لانها من الماضي. اما الآتي فهو التوبة اي الحركة الى امام والى فوق. فالنور اذا هبط عليك لا يبقيك في حدود الندم ولكنه يغيّّر كل كيانك وينزل الى عقلك رؤية جديدة فتتغير قناعتك ويصحح عقلك المتجدد بالنعمة المواقف التي اخذته الى الخطيئة.

#     #

#

«لك ابنًا فاجعلني كأحد أجرائك». التوبة وضوح فاعتراف في النفس فإقرار اللسان بالاذى لدى الذي آذيناه. اذا كانت التوبة صادقة نبعت من اعماق وجودنا.

«فقام ورجع الى ابيه». لم يقل لوقا قط عاد الى ابيه ولكنه قال قبل ذلك قام. قام من قذارته. تخلّص منها بنكرانها، بقرار الانسلاخ عنها. بعد هذا الانسلاخ تحرك نحو والده. التوبة فرضت التزام ابيه كما فرض التمرد الذهاب عنه.

ثم يقول الكتاب: «وفيما هو غير بعيد عنه رآه ابوه». كيف رآه ان لم يقف على مطل من البيت، على شرفة او وراء نافذة ولعلّه كان يهمل الكثير من عمله ليرى هذا الشبح يعود. اي انه كان في اوقات كثيرة من النهار يحلم بأن يحل على قلب ابنه شوق. كان هذا الرجل تائقًا الى الشبح، على يقين يقوى حينًا ويضعف حينًا. فجأة اطل الوليد. «فتحنن عليه واسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله». ما قال لوقا انتظره كي يدخل. الشوق دفع الوالد الى الخروج. وربما كان شيخًا. لم ينتظر ان يقرع ابنه الباب او ان يفتح له الباب. لم يحتمل ان يؤخر وقت القبلة. وقبل ذلك قال الانجيلي: «ألقى بنفسه على عنقه».

كان ينتظر هذا الضم. كان يحيا بأمل هذا الالتصاق، وأخذ يفرح هو والخدم برجوع الخاطئ. لم يعاتبه. لم يوبخه على انه أنفق المال. لم يلمح له انه عاش مع البغايا. لم ينعته بالضال. انه هنا، نهائيا. يكفي انه حي يرزق وانه سيتمتع بكل غنى والده وبحنانه. وهذا الحنان سوف يحس به الفتى ويحس بأنه دواء لقلبه المجروح وما كانت اللذات بدواء.

ويتابع السرد: «لأن ابني كان ميتا فعاش وضالا فوجد». هذا القارئ لكلمات الله كان قد تعلم معها ان الخطيئة موت وان الوجود عودة من الضلال، ثم كانت الفرحة مع ا لغناء والرقص وذبح العجل المسمّن. شارك الرجل ابنه بما هو افضل ما عنده.

لم تنته الحكاية هنا. فهناك ابن أكبر. كان في الحقل. «فلما أتى وقرب من البيت سمع أصوات الغناء والرقص». فسأل أحد الغلمان ما الامر. كان الجواب ان قد قدم أخوك «فذبح أبوك العجل المسمّن لانه لقيه سالما». ما غاص الخادم على أعمق من هذا. كانت سلامة جسدية ظاهرة. في البدء عند مغادرة الصغير المنزل واستلامه نصيبه من الارث. ما حلا هذا للبكر، ربما كان يريد وحدة العائلة وكسرها الفتى الاصغر. فعند تلقيه الخبر «غضب ولم يرد ان يدخل». حاسب أباه على تصرفه المحب. لا يراد الحب للخاطئ، فخرج الاب وأخذ يتوسل الى البكر. فعاتب أباه قائلا: «كم من السنين أخدمك ولم أتعد لك وصية وانت لم تعطني قط جديا لأفرح مع اصدقائي». كان يريد مكافأة لبرّه. كان يريد ان يعترف له أبوه بهذا البر وان يؤثره بسببه على الصغير. ثم اردف يقول: «ولما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني ذبحت له العجل المسمن». هو لم يسع الى البغايا. انه عفيف باستمرار. فهل يستوي الطاهر والفاسق؟ لم يطق الوالد استعلاء الطاهر على الفاسق فأجاب البكر والده: «يا ابني انت معي في كل حين وكل ما هو لي هو لك» فانك لم تقسم الثروة وعشت في طاعتي وهذا يسجل لك في كتاب الحياة عند الله. غير انه بار فتشدد على الساقط والله وحده في عمق محبته يعامل كل أبنائه بأبوته ويشرق بشمس واحدة على الصالحين والطالحين ويمطر عليهم بالسواء لأن الأب لا يستطيع الا ان يكون أبا وكل أولاده خرجوا منه وبقوا جميعا في صلبه وسيبقون فيه ما داموا أحياء. وأخيرا، ينتهي الفصل بقول الوالد لابنه السابق في السن: «ولكن كان ينبغي ان نفرح ونسرّ لان أخاك كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد».

هذا المثل عنون: مثل الابن الشاطر او الضال او المسرف ونسي الاقدمون ان الفريق الهام في هذا الثالوث العائلي ليس هذا الولد ولا ذاك ولكنه الوالد. هذا مثل الاب الحنون. هذه اذا حكاية الاب السماوي معنا جميعا. هذا حديث عن المحبة الالهية لنا. وعودتنا تتأسس على معرفة هذه المحبة وهي تجعلنا نذوق محبوبيّتنا.