في خضم المجهول الكبير سأحاول أن أتأمّل في جديدنا وفي ما يرجى أن يكون إن سلّمنا بوحدة بلدنا كما تفهم البلدان الراقية نفسها. قلنا غير مرّة في هذه الزاوية إنّ البلد لا يقوم الا اذا جعل المرء صلته بالدولة فقط غير قافز حدود طائفته أو غير عابر واقع طائفته. هذه نظرة حقوقيّة لم يخطىء الذين قالوا إن العقدة في أمر كهذا هي في النفوس وليست في النصوص. الحقيقة ان العلاقة بينهما علاقة جدليّة هي غاية في التعقيد ولست في معرض نقاشها.

السؤال المطروح أمامي الآن ليس فقط كيف ننمو معًا لأن النمو الواحد الذي لا يلغي الكيانات يعني اننا نتجاوز ان نكون بعضنا ازاء بعض بحيث نبقى على كل مواصفاتنا الخاصة ونحاول أن نتشارك بلا اختراق أي يبقى التعدد وهو في جدليّة مع الوحدة. فليس صحيحًا ان التعدد هو وحده الغنى ولكن الوحدة يجب أن تنال منه. أي ان التعدد القائم انثروبولوجيّا قانونًا وقضاء وسياسة يجب أن يخسر كثرته أو كثافته من طريق التوحّد.

هذا عمل إبداع وانصهار بلا خسارة التمايز. أنت أنت إن آمنت بصليب المسيح وهو إياه إن لم يؤمن. ومن هذا القبيل عندكما مضمونان في العقيدة وتتجاوزان تباين العقيدة بالحب. أتكلّم هنا في العلاقة الإناسيّة بينكما وهذا هو التحدي اللبناني ان تظهر والآخر بشرًا واحدًا على رغم اختلافكما العقدي والقادر على ان ينشىء نموذجًا انسانيًا واحدًا أو يكاد يكون واحدًا. هذا غير العلمانيّة الفرنسيّة التي تريد تفريغ الانسان من محتواه العقدي. لنا أن نتبنى نظامًا قائمًا على فصل صفة الانسان الدينيّة عن وظيفته الإداريّة في الدولة أو المصرف أو الشركة أو كرة القدم ولكن لا يعني هذا اننا جردناه مما هو ملتصق به أي الايمان.

لذلك لست أقبل بما يسمّى عندنا تعدد الثقافات. هذه خرافة الخرافات لما أصر الاستعمار على القول إن للمسيحيين ثقافة وللمسلمين ثقافة ليفرّقهم بعضهم عن بعض. كيف يصل صلاح ستيتية المسلم والعارف بالإسلام الى ثقافة أوروبيّة دونها مئات من المسيحيين. وكيف يعرف اللاهوتي المسيحي الإسلام كما يعرف نفسه ويمكن ان يطلق عليه –على مستوى العقل– انه مثقّف إسلامي.

أنطلق من هذا لأقول إننا قادرون على بناء ثقافة واحدة في هذه البلاد ومع ايماني ان العقيدة الدينيّة جزء كبير من تكوين الانسان الا انها ليست حاجزًا دون ان يمتلىء عقله من غير دين وان يتأثّر به في الكلام وفي الطبائع ويبقى على ايمان غير متزعزع.

#  #

#

ما يسمّى أحيانًا فيديراليّة طوائف مؤسس على انّ دعاة هذا التنظيم لا يريدون التناضح بين المسلم والمسيحي ويريدون انفصال المناطق بعضها عن بعض لإيمانهم ان التداخل بيننا «طبخة بحص». لست أدخل في تفاصيل المسألية الناتجة من الأحوال الشخصيّة فهذه معضلة تبقى ولو جعلت مناطق اكثريتها من هذا اللون أو ذاك. لا يمكن ان تهرب من الزواج الديني في هذا البلد ولو دعوت الى زواج مدني اختياري. انا أصّر على أن يتزوّج المسيحيون في الكنيسة ولست اعتقد بقدسيّة الزواج المدني ولو اعتقدت بقانونيّته. ولكن هذا قيد وليس سرًا إلهيّا. إستمرار الأحوال الشخصيّة يقيم فاصلاً بين المسلمين والمسيحيين على مستوى القانون أي على المستوى الداخلي لحكم كل منطقة.

روحيا الدعوة الى الفيديراليّة دعوة ناتجة من التعب، من تعب التلاقي واحتساب ان الموارنة والأرثوذكس والكاثوليك والأرمن في طوائفهم الثلاث والسريان في طائفتيهم والكلدان واللاتين والأقباط والأشوريين لا ينقلون الى منطقتهم الموحدة الخلاف الذي كان قائمًا في البلد الموحد بين مسلمين ومسيحيين. ليس من شيء يدلّ على أنّ هذه الأقوام متحابة الآن أو انها على عهد الحب الى الأبد.

الخلاص هو في هذا أنك ان كنت متفوقًا ان تشرك الناس من خارج طائفتك في هذا التفوّق. الخلاص ان ترى انّ طائفتك تخلّفت لو تخلفتَ أو انها عظمتَ أن عظمتَ وأن توزّع هذا إرثًا للجميع هذا يتطلّب ان تذيق الآخرين بهاء مجدك. وهذا لا ينحصر على تماس بين المثقفين. غير انّ هذا يفترض أن أحدًا منا لا يشعر بأنّ الآخر مسّه في كرامة دينه ولو مسّ في هذا الدين تافهَّا. هذا هو التحرر من التعصّب.

أنا لا يصدمني إطلاقًا لو حلل مفكّر صادق صارم أخلاق الروم الأرثوذكس كما يراها وطبائعهم وتخلّفهم ومستوى تديّنهم أو قوّة بعدهم عن الممارسة أو جهلاً عميمًا لديانتهم في طبقات واسعة منهم. لا يجرحني ان يقول عن أخلاق الروس واليونان والصرب والبلغار ما يشاء اذ قد يكون على حق وغير متعصّب لأهله. ليس عند العقلاء من حماسة لتاريخ أحد أو لوضعه المجتمعي. ليس عندنا ما يشبه القانون الفرنسي الجزائي الذي يعاقب من شك في مجزرة اليهود في المانيا أو حجمها. كل شيء يجب ان يكون خاضعًا للنقد بما في ذلك المقدسات. ان المقدسات تحمي نفسها في القلوب.

والتاريخ يتقلّب ونلاحظ ان العظمة كانت لطائفة في حقبة من الزمن وان هذا الزمان ولّى وأنّ طائفة أخرى صارت أبهى. هذا البهاء الذي حلّ بنعمة الله على بشر وبفضل جهودهم هو ملك للجميع. والطائفة التي ترى أنها أنجزت على الصعيد الحضاري شيئًا عظيمًا يجب ان تورثه الآخرين. وهذا غالبًا ما يحصل بالتلاقي الفكري بين الجماعات المختلفة. وهذا حاصل في العيش بالتأكيد. فالمدن والقرى المختلطة المجموعات الدينيّة مفتوحة مبدئيًا بعضها على بعض.

هذا يذكّرني بأنّ الاكاديميّة اللبنانيّة للفنون الجميلة طلبت إليّ بعد حرب الـ1975 أن ألقي درسًا في عمارة المساجد. وأحسست بعد إلقاء محاضرتي أن المستمعين أتوا جميعًا مما كنا نسمّيه الشرقيّة فسألتهم هل رأى أحد منكم مسلمًا؟ قالوا جميعًا لا فكلّفت الإدارة ان تنقل في اليوم التالي كل هؤلاء الشبان الى طرابلس ليروا أن المسلم بشر مثلهم وأنه لا يخيف.

اذا شاء الرب ان تنمو طائفة نموًا فكريًا عظيمًا أو ان تزداد ثروتها أو ان يكثر فيها الشعراء والأدباء أو الذريّة فهذا يكون لمجد الله ويفرحنا جميعًا ونتقبّله مائدة أنزلها الله من السماء تكون لفرح اللبنانيين جميعًا. هذا لا يوليها حقًا على مستوى الحكم لأن الحكم للفاهمين من حيث أتوا.

نحن نتكتّل مع الذائقين الجمالات من ايّ صوب ظهروا. أعرف ان الكثيرين من المواطنين يحزنون ان خسرت طائفتهم موقعًا في الدولة وأرى قلّة تغتبط لو وصل الى هذا المكان إنسان رائع من طائفة أخرى. أما اذا أتي بالتافهين فأفهم الحزن. بتعبير آخر نحن مجتمع واحد مدني لا صفة دينيّة له الا في قلوب الناس.

أن نكون وطنًا واحدًا يعني أن نفتّش عن الإنسان المتخلّق بأخلاق الله وإن كان من العالمين ونحسّ إحساسًا داخليًا صادقًا انه يؤلّف معنا طائفة الطيّبين. انت تنتمي الى الحق والخير ولا تنتمي الى من استولدك أمّك. هذا يبقى من باب المشاعر الإنسانيّة الحلوة. أمّا الوطن فينشأ من الكتل الفاهمة الطاهرة.