لما وزع فاتح فلسطين يشوع بن نون أراضيها على اسباط بني اسرائيل لم يعط بني لاوي المولجين خدمة الهيكل حصة قائلا ان الله نصيبهم. وفي الترجمة اليونانية للعهد القديم نصيب تقال كليرس التي جعلنا منها اكليروس لتعذر البدء بالساكن ومن كان يخدم الله تحديدا في أمة المؤمنين سميناه اكليريكيا وهي كلمة تشمل مختلف الرتب.

ويقال عنهم القسس او القسيسون كما وردت في القرآن او القساوسة وهي لفظة سريانية او سامية بعامة. اما لفظة رجل دين فهي لفظة شائعة ولا نعرفها في الكنيسة ولا يعرفها الاسلام لأن كل المؤمنين واحد والرجال كلهم رجال للدين.

صحّ ان القانون الكنسي منذ القرن الرابع يستخدم كلمة اكليروس مميزا اياه عن العوام وفي الاستعمال الحديث فقط نقول علمانيين وهذه لا معنى لها لاهوتيا اذ تعني الذين في العالم وكلنا في العالم. الاكليريكي، كاهنا كان ام أسقفا، يرئس صلاة الجماعة ومن رئسها هو إمامها. له ميزة او مكانة من حيث يتقدم الجماعة في اداء الشعائر ولكن ليست له قدسية خاصة وليس هناك تفريق بين مقامين امام الله اي انه ليس من هو فوق ومن هو تحت. هو بالمصطلح المسيحي خادم للأسرارفيقيم مثلا المعمودية والقداس ولكن في الجماعة. وليس من اساس اطلاقا لاحتسابه وسيطا بين الله والناس فما من قداس يقام بلا حضور الشعب ومشاركته ولننته اذًا من هذا. اعتزاز المسلمين بأن ليس عندهم رجال دين وان عند المسيحيين طبقة شفعاء او وسطاء بين الله والناس آمر غير مؤسس. ليس من بشر عندنا يستنزل عليك نعمة الله. القيام بالأسرار المقدسة إمامة لازمة لآداء الخدمة فكان التوقير اذًا بسبب من كون القس اداة لا سببا.

#       #

#

الاكليريكي بشر ويخطئ كبقية اليشر وقيامه بوظيفة من وظائف الكيان الكنسي لا يدل على طهارته الشخصية وكثيرا ما كان عامة الناس أرقى منه على معارج الطهر. انه رجل يحمل صليب الخدمة ومسؤوليته الرعائية تعرضه الى اغراء لا يتعرض له العامة. ومقاومته للإغراء تقتضي له صمودا كبيرا وقياما امام وجه الرب حسب كلام الياس النبي: «حي هو الله الذي انا واقف امامه». هذا الرجل يثبت فقط بالاله الذي يثبته فإنه به يحيا ويتحرك ويوجد.

الى هذا ومع ان الكاهن هو المسؤول الأول في رعيته يذكر المؤمنين تذكيرا بما هم يعلمون ويجتنب حدة الطباع وعندي انه يجتنب التوبيخ ما مكنه من ذلك كلام الله فاللوم المقرون بحزم ولين معا افضل من التوبيخ الشديد ليقيني ان التوبيخ طالما رافقه الغضب والغضب يـؤذي دائما ويجعل الواعظ غير رقيب على لسانه. كيف تكون خادما ورئيسا معا. تلك هي المسألة وقد قال المسيح عن نفسه انه خادم وهذا يتطلب وداعة كبيرةوتواضعا لا حد له. وترعى الرعية بمزايا راعيها ووهجه الروحي ولا ترعى بتفرد الراعي برأيه ولا بتحيزه لفريق دون آخر. والانقسام يتأجج بانحياز المسؤول وتحوله، اذ ذاك، الى مسيطر.

واذا بقي غير فاهم واستفحلت أخطاؤه فهناك تدابير إدارية لكبح جماح أهوائه. اما اذا ارتكب معاصي انكشفت للملأ وأحدثت خللا ومعاثر فهو خاضع للمحاكمة الكنسية بما فيها الايقاف عن الخدمة والتجريد من الكهنوت. كذلك الأسقف خاضع للتأديب في مجلس المطارنة حتى درجة التجريد من الكهنوت ايضا.

#           #

#

في بعض الاوساط الضعيفة اذا حزن انسان من كاهن يقاطع الكنيسة واحيانا يترك المذهب نفسه. هنا يجب ان نذكر ان المسؤول عابر وان عليه مسؤولا له قدرة الحل والربط. اما ما ينبغي ان نلتفت اليه فهو اننا اعضاء في كنيسة المسيح القائمة الى الابد فيه وقد يكون الراعي فيها من اية درجة كان تافها. نحن نأتي من حضنها والكاهن لا يكوننا . يكوننا الصالحون وقد يكون منهم او لا يكون. اجل «ويل لمن تأتي عن يده العثرات». ان حصلت نتجاوزها ونصلي كيف يمحو الله خطايا من أخطأ ونتابع الطريق ومعنا وفوقنا خاطئون. اذا نظرت الى كنائس كثيرة ولمست الضعف فيها لا ينتابني شك في ان من قادها منذ ألفي سنة هو المسيح نفسه. ولكن المسيح يحتاج الى فعلة له على الأرض وتظهر الخبرة احيانا كثيرة انهم غير اكفياء.

في المبدأ تعرف ان الراعي يحمل اليك الله كلمة الله لكونه درسها واحبها واحبك. ولكن قد يكون اميا او شبه امي في هذه الطائفة او تلك. احيانا هذا الأمي يرعاك بقلبه والذي قرأ لاهوتا كبيرا قد لا يكون على شيء من محبة الرب وانسانا بلا قلب.

المشكلة الكبرى انك لا تعرف الرجل الا بعد تسلمه مسؤوليته. نظريا وفي الكنائس الراقي تعليمها اللاهوتي تأتي بحامل شهادة يدل اساتذته على كفاءته. ولكن هل يعرف معلم اية مادة ان كانت الجمالات الإنجيلية متوفرة في الرجل. في المبدأ فقط اذا تقدم احد الى الدراسة يحسب انه محب للرب ولكنه فتى ويعسر عليك ان تمتحن محبته الحقيقية لله وقوة شخصيته وبراعة كلامه ونزاهته عن عشق المال ولطفه وما الى ذلك.

على رغم كل المؤسسات التعليمية وتنوعها وعلى رغم كل تفحصك للشباب المتخرج لا تستطيع ان تعرف اهلية احد العميقة لخدمة اسرار الله. ماذا تفعل ان بان لك تقصيره فيما بعد؟ يحكى اليوم على التربية المستمرة. هذا حسن ولكن هذا جزئي وانت لا تقدر ان تخلق الانسان خلقا جديدا. لذلك كانت الكنيسة في رئاستها دائما مكان التقصير والجهل وكانت ابدا هوة بين المتكلم والكلام الالهي الذي انسكب علينا.

لعلم الله بذلك يفتقد هو كنيسته بمواهب الروح، بالقداسة، والفهم، والغيرة عند الناس العاديين ويرممون ما كان في حاجة الى ترميم في كنيسة الله. واذا حركهم الروح يحركون الآخرين والنار تنشئ النار فترى محطات للروح هنا وهناك على رغم التدهور الذي يكون عليه الرعاة. يبعث الرب برعاة كبار ويبعث بناس ظاهرهم انهم عاديون وكثيرا ما كانوا اعظم من الرعاة. يصلح الله احدنا بالآخر بالكلمة او بالإشعاع الشخصي، في البهاء الذي يبدو من المسلك.

هذا لا يعني انه علينا ان نتكل على هذه البعثات الطارئة اذ نحن مسؤولون جماعيا عن إصلاح الرعاة. كلنا معا نبني جسد المسيح بسلامة الحياة الروحية وقوتها وكل ما فيها من حلاوات.

التاريخ دائما محزن على رغم وجود الشهداء والقديسين والذي يعرف كثيرا يتمزق كثيرا. ولكن قيل عن الكنيسة في الكتاب العزيز: «الله في وسطها فلن تتزعزع». هي حفظت أعضاءها ولم يحفظها الرعاة الفاسدون. لقد ارتضى المسيح ان يجعلها مسكنا له وهو بانيها يوما فيوما فلا ييأس أحد ويشددنا عظماء الروح ونبقى بهذه الأعجوبة الدائمة التي هي الكنيسة.