هل ما نحسبه وحيا او ما يحسبه سوانا وحيا يتكلم على وجود وطن؟ لست عالما إسلاميا لأذكر شيئًا في هذا الصدد ولكن ما استقر عليه الفكر الإسلامي حتى اليوم نظريا هو دار الإسلام القابلة للتمدد الى ما لا نهاية. هاجس المسلمين كان الحكم لا الوطن وهناك بلدان اسلامية مختلفة لا احد يحكم بإلغائها وجعلها بلدا واحدا واذا كانت الدولة من صميم الاسلام ام لم تكن – والقضية خلافية- فمما لا ريب فيه ان الاسلام يقول بالدولة.
في المسيحية انتمى الأوائل فيها خلال اربعة قرون الى الامبراطورية الرومانية ثم لما نعتت بامبراطورية الروم بقيت هويّتها رومانية وشعر كل واحد بانتمائه الى مدينته او قريته ولم يكن وطن بيزنطي. لفظة بيزنطي ليست موجودة في التراث اليوناني. هي اختراع الاستشراق.
ولكن بناء على العهد الجديد ذكر الكتاب وطن يسوع لما اراد الكلام على مدينته الناصرة ولم ينسب الى بقعة من الإدارة الرومانية تعتبر وطنه بالمعنى الحديث. الأرض كانت ملك الملك وحورب الناس ليصيروا فرنسيين وبعد إخضاعهم نشأ الشعور الوطني وكل ذلك في تمخضات الثورة الفرنسية لأن الأرض أصبحت هي الوطن بزوال الملك. فافتخار مسيحيين في اناشيدهم الوطنيّة هو من باب الواقع التاريخي ولا تدفعك الكنيسة الى الاعتزاز بقطعة من ارض انما تدعوك الى محبة البشر الذين يعايشونك على ارض واحدة وفق كلام بولس: بليس لنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة (عبرانيين ١٢: ١4).
بعد الانجيل عندنا نص لافت هو “الرسالة الى اهل ديوغنيط” كتبت على الأرجح في اواخر القرن الثالث تقول: “لا وطن ولا لغة ولا لباس يميّز المسيحيين عن سائر الناس. لا يقطنون مدنا خاصة بهم (الكانتون المسيحي…!) تراهم منتشرين في المدن اليونانيّة وغيرها وفقا لنصيب كل منهم… يقيم كل منهم في وطنه انما كغريب مضاف… كل ارض غريبة وطن لهم وكل وطن ارض غريبة.”
مع غياب الانتساب الالهي الى وطن يؤكّد الانجيل الدولة: “ليس سلطان الا من الله… حتى ان من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله” (رومية 13: 1 و2). ترجمة لفظة سلطان في اللغة الحديثة هي الدولة في بنيتها العصرية واهمية الدولة في الفكر الكتابي انها تؤمّن السلام كما يقول بولس في الفصل الذي أشرنا اليه من الرسالة الى أهل رومية. والإخلال في السلام عصيان لله وبسبب من رعاية الدولة للوطن ينتج من الإخلال بالدولة تشتت وضياع وخوف والمألوف انك لا تخل بالدولة الا بالدم. والوطن لا يبقى له معنى لك ان استبحت ان تسفك الدم فيه وإراقة الدم خير وسيلة لتفكيك الدولة وقد تكون احيانا وسيلة لتخريب الوطن.
# #
#
في الدولة الحديثة يأتي واحد ويذهب واحد لأن المعاصرين جعلوا القدسية للوطن لا للدولة. والدولة بالعربيّة هي ما يدول اي ما يتغيّر او يتحرّك ولذلك يقال عندنا بتداول السلطة ولكن القدسية ليست لمن يبقى او لمن يذهب. هناك حقيقة واحدة في الأخلاقيّات السياسيّة وهي السلام لأن السلام يعني في الحد الأدنى الإمساك عن سفك الدم وهذا أغلى من الدولة وأغلى من الوطن. ذلك ان هذين الأخيرين تركيبتان بشريّتان واما الانسان الذي تقتله فهو خليقة الله.
اعرف كل الاعتراضات على ما اقول من تعظيم الثورة ومن تحسين حالة الفقير بعد الثورة ونظرية تحرير المظلوم. وأعرف نظرية توما الاكويني الذي أباح قتل الملك عند الضرورة القصوى ونظرية خلاص النفس في محاكم التفتيش ونظرية قتل المشركين. كل هذا لا يساوي قطرة دم لطفل او لبالغ.
غير ان الدم يبدأ بالغضب وفق ما تقوله العظة على الجبل. وكل الذين يثيرون الجماهير يعرفون ان حظها في القتل كبير وهي في غالب الاوقات تشحن بشعار تفهمه او لا تفهمه الى ان تندم اذا عرفت الحقيقة. المهم ان يبقى حكم على شيء من الاستقرار فيه عسكر يغرس المخافة في قلوب الناس لأنه من المهم ان تخشى الحكم العادل او القضاء العادل وان تعرف ايا كنت اذا خالفت القانون انك تذهب الى السجن. الحكومة تتعامل والمواطنين العاصين للشرائع لئلا تزول الدولة التي هي قرينة السلام. بسبب من ذلك لا تعني الديمقراطية شيئا ان لم تعنِ القوة، والقوة التي اباحها الله ليست الاستبداد وحكم المحاسيب. الديموقراطية ليست نقاشًا اكاديميا لا ينتهي وليست هي كنيسة بين يديها ادوات تنفيذ. العدل بلا قوة هو فقط كلمة من القاموس اللبناني.
كلنا يعلم ان الجندي لا يتعاطى السياسة ليكون لكل الوطن وهو يعلم ان في هذه الدنيا سلطة لا يناقشها حامل البندقية اذ هذا يؤهله ان يقتل ويغتصب الحكم. الجيش يحرس الوطن اذا حرس السلطة التنفيذية. هذه هي الطريقة المتاحة لحماية الحكومة وتاليا لحماية الدولة.
الحكومة اية كانت تشكيلتها تعمل لكل المواطنين، من يرى مثلها ومن لا يرى مثلها وهي خادمتهم جميعا والغاية من هذه الخدمة العامة ازدهار العيش والثقافة والوحدة الوطنية ضمن الصراعات السياسيّة. وغاية الغايات السلم الأهلي. والسؤال في الديموقراطية هو كيف تعزز الوحدة الوطنية ضمن الاختلافات القائمة.
# #
#
هنا يأتيني التأكيد ان سلامة الناس اعظم من اي موقف سياسي. فلا بد ان نكافح التوتر الى اقصى حد ممكن لأن من شأنه القتال او ما يهيء له. ليس من قضيّة واحدة مهما بلغ شأنها أثمن من سلامة المواطن.
ان تصل الى الحكم ليس غاية. فالثورة التي هي الحماسة الكبرى تأكل بنيها وفي بلدان عديدة منذ الثورة الفرنسيّة يتآكل الثوار ويحاكمون بعضهم البعض. وما تشاهده غالبا ان الفساد بعد بضع من السنين يقضيها طاهرون في الحكم يدب فيهم وترى الى عدم التغيير، الى الاستكانة في الحكم ولكني ادعو الى النقاش في اقرب ما يكون الى هدوء الطبائع واحترام الآخر وتقديس شخصيّته ان لم يكن من السارقين.
قلت “مجتمع واحد” لأني لا احب كلمة مجتمع مسيحي الا من باب الوصف السوسيولوجي. لا يعني لي التراص المسيحي شيئا اذا كان يعني مواجهة للمسلمين. الزعامات المسيحية تحت الغربال ككل الخلائق العاقلة. وحدتنا في المسيح لا تفرض علينا الخيارات السياسية نفسها. الاخلاق المسيحية في سموها تؤلّف مجتمعا طاهرًا بين المسيحيين قد يكون قليلا او كثيرا.
الى هذا ندعو الله لكي لا يتفرق المسيحيون احزابا متناحرة. والفكر يجعلهم يفترقون ولا سيما ان اذكياءهم كثر. ولكن لا اساس بشريا لأي خلاف بين الشيعة والسنة. السلام بينهم سلام لنا جميعا.
كل شيء نسبي الا ان نبقى معا وتربطنا محبة عظيمة تنضم الى الاعتدال والعدل والمساواة لكي نتروّض على ان نصير امة الحق في لبنان.
