ورد إلينا من مجموعة تسمّي نفسها «التجمّع اللبناني الأرثوذكسي» بعنوان مسجع «الحكمة الخفيّة في نشرة الأبرشيّة» مخصّص كلّه للطعن بهذه النشرة وذلك بلا توقيع، وفي الأصول لا يرد على نص غير موقّع باسم او اسمين. وبعد أن سمت هذه الورقة المسلمين الذين ساجلوا المسيحية، أطلّت على حسنات الكنيسة الغربية في تعاملها الفكري والمسلمين. ولستُ أريد ان أفحص ما قامت به الكنيسة الغربيّة في هذا المضمار غير أنّ مجمع الفاتيكان الثاني الذي تكلّم على التوحيد وعلى التقارب لا يبدو لي انه في موقع متقدّم بهذا الحوار.
وبعد مديح الكنيسة الغربيّة، جاءت هذه الورقة تتهمنا بأننا مدحنا الإسلام. وهذا بعيد عن الحقيقة. انت لك ان تستسيغ حقائق في القرآن والتراث الإسلامي وما فعله آباؤنا منذ القديس يوستينس الشهيد الفيلسوف حتى المدرسة الاسكندريّة يبين الاشياء الجميلة في وثنيّة العالم الإغريقي القديم لأنه كان يفتش عن كل نور في كل تراث لأن كل نور يجيء من المسيح في ايّة كتابة تحمل قبسا منه.
يأخذ علينا كتّاب هذه الورقة الذين لا نعرف أسماءهم أنهم أشاروا مثلا الى مقال في «رعيتي» عن «العذراء في القرآن» وقالوا قبل ذلك ان «العلاقة بين الدينين (الكاثوليكي) والإسلامي تقوم على أسس من الود والتفاهم». ماذا عملنا نحن غير ذلك؟ أليس المقال الذي أشير اليه «العذراء في القرآن» أبعد من الود والتفاهم. وبعد هذا يعد هؤلاء المؤلفون علينا سطورا في هذا المقال او ذاك، وخفاهم ان القصة ليست في عدد السطور ولكن في المضمون. السؤال يكون اذًا هكذا: هل في مضمون «رعيتي» ما يخالف استقامة الرأي؟ هل «رعيتي» تبنّت عقيدة اسلاميّة تناقض الايمان الارثوذكسي؟
ثم تأتي المغالطة: «لماذا نبقى على مسيحيّتنا ولا نعتنق الإسلام ان كان الأخير المعيار والمرجع القطعي لصحّة المسيحيّة». مَن قال في «رعيتي» هذا؟ ألم يجد الكاتب المثقّف اسلاميًا في الرد علينا ما يوطّد ايماننا المسيحي الارثوذكسي؟ لماذا نعتنق الإسلام اذا كان في هذا الموضع او ذاك من تراثه ان في المسيحية اشياء صحيحة.
ليس المجال في هذه الزاوية القصيرة ان ارد على كل مغالطة وردت في هذه الكتابة التي تذكر رابعة العدوية وما يقابلها في التراث المسيحي ولا سيّما السرياني فما قالته «عن الثواب والعقاب» وجدناه حرفيا في نسكيات القديس إسحق السرياني وهما كلاهما من العراق. في ظني انها لم تتأثّر به فقط في كلامها هذا، ولكنه جاء من الأديرة العراقيّة التي كانت تمتد من حيث عاش قديسنا اي في نينوى الى حيث عاشت هذه المتصوّفة اي في البصرة.
ثم ذكر الكاتب الارثوذكسي المتفقه في الاسلام شيئًا عن قربى بين الغزالي في «احياء علوم الدين» ولم يذكر الاستشهاد او الصفحة.
عودة الى الكنيسة الكاثوليكيّة المعجب بها صاحب النص، اود ان اقول له ان بضعة من كهنة فرنسا الكاثوليك قالوا بنبوءة محمد، وان بعضا من اللاهوتيين الغربيين ولا سيّما الالمان ابتدعوا علما جديدًا سمّوه «لاهوت الاديان» وفيه اكثر من إعجاب بالإسلام. فيه ان الوحي المسيحي ليس وحده الوحي وان هذا موزّع الى هنا وهناك. وهذا لم يقله ارثوذكسي واحد من شمالي روسيا الى الشرق الأدنى.
أين «الحكمة الخفيّة في نشرة الأبرشيّة»؟ ما هو العنصر المخفي؟ انا أتحدّى هذا الكاتب ليدلّني على سطر واحد في «رعيتي» فيه مأخذ واحد على إيماننا الارثوذكسي. وكل النصوص التي أشرنا اليها في التراث الاسلامي هي من باب اننا نُسَرّ للحقائق المنثورة هنا وهناك اذا كان فيها ما يمكن اعتباره استمدادا من المخلّص وإنجيله وآباء الكنيسة.
ثم أريد ان أُعلم هذا الأخ الارثوذكسي الكريم الذي امتعض من «رعيتي» بوضوح ان في هذه الأبرشيّة غير شخص واحد دارس للإسلام حتى مستوى الدكتوراه وان من بحث فيه بمقاطع قصيرة انما يعلن في بدء القداس: «مباركة هي مملكة الآب والابن والروح القدس».
ما غاية هذه الورقة المعتدية سوى زرع الشك في نشرة رعائيّة اعتمد اسلوبها معظم المطارنة في الكنيسة الأنطاكيّة وهي الى جانب الوعظ والتعليم اداة بشارة تصل الى كل البيوت والكثيرون من أربابها قالوا لي: «رعيتي» هي الوسيلة الوحيدة التي نُثقّف بها أرثوذكسيّا.
