لم يقلقني كثيرا التحقيق الذي اجرته جنى نصرالله عن طائفية اللبنانيين المنشور في عدد 3 شباط على خطورته. ما يكشفه اننا نرى الآخر في طائفته ونحصره فيها لتكوين رؤيتنا ولا نراه في الحركية الوطنية. وهذا قد يدنينا من شعور فيديرالية الطوائف ولكن لم يكشف التحقيق ان ثمة عداء دينيا بين الناس.
غير ان عداء دينيا ظهر في هذه الصحيفة الدانماركية التي سخرت من النبي محمد بتصوير كاريكاتوري يرافق مقالا لم ينقل الى لغتنا لأقرأه. ما اقلقني اننا نحن العرب لا نتفاهم واهل الغرب على امور اساسية في الحياة. نحن لا نحتمل ان يهين ناس اتباع ديانة اخرى في مقدساتهم، نقبل ان تناقش تصرفات سياسية لاهل دين آخر ولكن لا نرتضي سب الانبياء وحزننا الا يفهم الغربيون ان انبياءنا هم من صميمنا واننا قد نؤثر الموت على ان نرى الآخر يشتم من كان عندنا اعلى من هذا العالم ومقدسا اكثر من اي شيء آخر.
كنت منذ ايام في عشاء جمع ارثوذكسيين فقط وأُتي على هذا الحديث. وسمعت القوم في الاجماع يقولون: هذا معيب. وقالت سيدة بصوت غاضب: “فلقنا” الاوروبيون بالكلام على حرية التعبير التي تسلحت به حكومات اوروبية مختلفة. ماذا تعني هذه الحرية عند هذا المقال السيئ؟
كتبت هذا قبل حوادث الاحد الماضي وكتبت غيره حتى شاهدت على الشاشة ما شاهدت. وقرأت في اليوم التالي تعليق هذا وتعليق ذاك. وقرأت عن غير اللبنانيين الذين قيل عنهم انهم اندسوا وفي يقيني انهم لم يندسوا ولا يهمني ان اعرف من بعث بهم. فالشغب كان مقصودا لان هذه العناصر كانت كثيرة وكان لهذا الجمهور قيادة مختصة باثارة النعرات الطائفية وقوى الامن كانت تتبختر وترافق المتظاهرين ويبدو ان اوامرها كانت ان تتصرف بالحسنى او بالرفق ظانة ان المتظاهرين سوف ينصاعون لمجرد الايماءة او مجرد الترجي والامن لا يقوم على التراضي بين المعتدي والسلطات المولجة بالقمع.
في هذا البلد لا يجوز إمرة السلطة التنفيذية للجيش فقد قيل السنة الـ1975 انه اذا أُرسل ينقسم البلد ويقال منذ سنوات انه إذا أُرسل فإنه يحمي العدو وقد قيل – يوم الاحد الفائت – بالتصرف لا بالكلام انه ارسل ليخشاه المتظاهرون وهم لم يخشوا احدا. اذا كانت السلطة لا تستعمل الجيش فما نفعه؟
بان العقل او التعقل من الفريق المعتدى عليه وما اعوزته شجاعة ولكنه من جهة غير مسلح ومن جهة اخرى كان يعرف ان الدولة لا تحمي احدا وان تصدي مدنيين لمدنيين يحرق البلد. نحن كنا قاب قوسين او ادنى من فتنة طائفية لم يتوقعها المحللون السياسيون الذين كانوا يرون ان المسيحيين لا يعيشون تشنجا ضد احد وانهم باتوا عائشين شعورا وطنيا حقيقيا بالمسلمين وان كانت من لعبة سياسية فيها توتر فهم خارجها. يبدو اذًا ان المخططين لحوادث الشغب ارادوا زج المسيحيين في اللعبة ولكنهم لم يفلحوا. هذا كان انتصارا للبنان كله وانتصارا للمسلمين قيادة روحية وقيادة زمنية وغدا نعمة من السماء لاهل لبنان جميعا.
ومع كوني استنكرت في مستهل هذا المقال الاساءة الى النبي العربي، السؤال الذي يطرح نفسه بصورة تراجيديا يونانية هو كيف ربطت هذه الجماهير حادثة الدانمارك وكنيسة مار مارون والمطرانية الارثوذكسية في بيروت ومدى كنيسة مار نقولا في الاشرفية. ما علاقة هذه المقامات الثلاثة بالامة الدانماركية! هل احس المتظاهرون انهم بمعاقبتهم اهل الاشرفية يعاقبون اهل كوبنهاغن لظن هؤلاء المتظاهرين ان المسيحيين امة واحدة. وهل احتسبوا ان مجد الاسلام يعظم بتحطيم اجزاء من بيوت ومعابد؟
هناك امور لن تكشف الا بعد التحقيق في هذا الحادث واذا اتى التحقيق مهنيا وصادقا تأتي معه التهدئة ويعذر من اعتقد ان معاقبة الدانمارك تتم بتكسير رموز دينية في مار نقولا وعلى باب مطرانية الروم. بانتظار ذلك لا بد من شكر سماحة مفتي الجمهورية والمشايخ الافاضل الذين عرضوا انفسهم لمنع الشبان من الاذى ولا بد من تحية اهل السياسة والقلم الذين استنكروا هذه الانحرافات. غير ان الرؤية الموضوعية تقضي بالقول ان الشبان اللبنانيين الذين ألفوا الاكثرية الساحقة من المتظاهرين يعرفون ان الاشرفية لا يسكنها دانماركي ولا نروجي وان اهلها لبنانيون مثلهم وانهم في الزمان الحاضر لا يبتغون سوى ان يستر الله ذنوبهم ويغفر خطاياهم وان يحيوا بسلام لاطعام اولادهم.
لقد اقتنع المسيحيون في لبنان ان مبادرة منهم لاصطدام مع المسلمين غير معقولة. لم يكن في مشاغبة يوم الاحد اذًا مروءة. كان المشتهى ان يرد المسيحيون على التحرش لترمى على اجسادهم القنابل المحرقة بانتظار اعمال اضخم لكن الله الهمهم حكمة حمتهم وحمت المشاغبين بآن.
قلوبنا على الذين قاموا بتدمير لأن عقولهم لم تكن تعلم. لكن قلوبهم كانت تحس بأن انتهاك المقدسات في بيروت يقدم لهم تعويضا للاساءة الى النبي. ما يقلقني ان الدولة اللبنانية ان لم تكشف المحرضين والمخططين بالغا ما بلغ حجمهم لن يطمئن الناس الى ان الفتنة وئدت. واذا كانت عارفة ان قوى الامن عندها عاجزة فمعنى ذلك انها تكون هي قررت ان هذا البلد في حاجة الى حماية وتكون السلطة قد ادخلتنا في عصر التدويل. الاستقلال ليس اهم من استمرارنا الجسدي لأن عطاءنا الروحي والثقافي اهم منه.
ان هؤلاء الفتية الذين اخترقوا شوارع بيروت لتخريبها لم يكونوا ادوات غبية في ايدي من تلاعب بهم. انهم عاشوا حقدا دفينا نرجو ان يطهرهم الله منه. لعلهم لم يقرأوا في رسالة الامام علي الى مالك الاشتر النخعي: «ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان: اما اخ لك في الدين، او نظير لك في الخلق».
انا لست معلمهم اصول دينهم. ان علماءهم كثر وافاضل وارجو ان يأخذوا جماعات الشباب ليعلموها المحبة او على الاقل الحكمة التي تقول بأن لا مصلحة لأحد في هذا البلد ان يكفر به شريحة من شرائحه. نحن الملمين بالاسلام نعرف ان فيه سموًا وجمالات كافية لتجعل المؤمنين به مسالمين وعلى خلق كريم. ولا يكفي ان يعتذر المفكرون بقولهم ان الاسلام براء من هذا التصرف. ليس في المصف المسيحي من يتهم الاسلام. المسألة هي مسألة بعض من المسلمين تحركهم اهواؤهم او ما كان اقوى منها من اعداء هذا البلد.
القضية تهذيب اجيال ولكن هذا لا يتم الا على الرجاء برحمة الله على كل الناس. واملي ان نفهم جميعا ان ما قمنا به في السنة الـ 1975 وما بعدها كان غباوة مطلقة وانتحارا جماعيا. نحن اهل البلد قد فهمنا ان ليس من استشهاد على هذه الطريقة وان قدرنا ان نعيش في معية صادقة في بلد نريده لجميع ابنائه. لقد اقتنع العقلاء من قبل الطائف ان فئة من الفئات لا تستطيع ان تعيش منعزلة، ومعنى ذلك ان نصغي بعضنا الى بعض وان نتخاطب باستمرار ونصلح امورنا معا فلا يبقى متبوئا او ممتازا الا على قدر اخلاقه واخلاصه للبلد.
كل فريق منا في عهدة الآخر ومفوضة اموره الى نفسه والى الآخر ومن كان لله يكون لجاره او اخيه في الخلق. العمل المشترك في كل مرافق الوجود الذي لا تفريق فيه ويديره اهل لبنان وحدهم هو الذي يقضي على الفتنة. لكن ذلك يقتضي سهرا طويلا وحقيقة حب.
انسانا «الاحد الاسود» حرق الكنائس في العراق. هذا مخز ومخجل. المسيحيون قلة لا تهدد احدا وتسير في العروبة. هناك غير بلد يُداس المسيحيون فيه. ماذا يُطلب منهم؟
