نزل السيد في الماء. غطّاه الماء. كانت هذه صورة عمّن يموت. كأن السيد أَوحى انه في طريقه إلى الموت. هذا كان منه حركة تواضع، اي انه جعل نفسه وضيعا وهو فوق الجميع. فقط العالي يجعل نفسه في أدنى مرتبة ليظهر الله بهذا السلوك، ليتصل الآخرون بالتواضع وليرتفعوا تاليا. عيد الظهور الإلهي اذا فهمناه لاهوتيا نقول ان السيد تجلّى فيه. انه حدث قريب جدا بمعناه من حادثة التجلّي على جبل ثابور. هنا وهناك صوت الآب ونور.

          اما اذا أردنا ترجمته أخلاقيا فنقول انه درسٌ في التواضع. ضد الاتضاع الكبرياء التي يقدّر فيها الانسان نفسه اكثر مما هو عليه ويستعلي ويتشاوف.

          جانب من جوانب الاستكبار الادّعاء الذي يظهر كلاميا. قد لا نجرح فيه الآخر ولكن نُضحك فيه الآخر. الافتخار وجه من وجوه الادّعاء. هو ان يرى الانسان في نفسه مزيّة وأن يقولها في حين ان واجبنا يقضي علينا بالصمت عن فضائلنا الا اذا اضطُررنا إلى ذلك دفاعا عن قضية عادلة وذلك عند الحاجة القصوى. اما الافتخار التافه والمُغالي فهو الادّعاء.

          في شعبنا منه الكثير. هو اولاً الادّعاء بأننا نفهم كل شيء ونعرف كل شيء. ويناقش في ذلك من كان كثير الاطلاع او صاحب فن. اللبنانيون كلهم يناقشون أمر السياسة الدولية، ويكونون قد طالعوا جريدتهم وكرّروها. لا يجترئ احد ان يقول: «انا لا اعرف هذا الموضوع». انا لم اسمع الا العلماء يقولون في مجال اختصاصهم: «ليس عندي جواب عن سؤالك. أعطني وقتا لأدرس الموضوع». المألوف في بلدنا ان يصف لك كل انسان علاجا اذا عرف مرضك وقد يؤذيك. هو يتبرع مثلا أن يرسلك إلى طبيب اخصائي قد لا يكون هو الطبيب الصالح.

          في الحقيقة انه ينبغي ان تصل إلى مستوى عالٍ من المعرفة لتدرك انك تعرف القليل. وكلما ازددت علمًا تدرك جهلك.

          من جوانب الادّعاء ان تقول للناس انك تعاشر كبار القوم او أغنياءهم. هذا دليل طبعا انك تحسبهم عظماء وانك انت تَعظُم بهم. احيانا يضطرّك الحديث ان تقول انك اتصلت بفلان او فلان، ولكن ان لم يكن ذلك ضرورة قصوى فلا تذكر اجتماعا لك بمن يُعتَبر كبيرا، وليس من كبير امام الله. قد تضطرّك منزلتك ان ترى هذه الفئة من الناس انهم صاروا اذًا من عشرائك، ولكنك انت لا تكبر بهم. لا يُعظمك الا الله متى رآك ذا موهبة فيرضى عنك وحَسْبك هذا.

          الكبار في التواضع يُخفون علومهم. يكشفونها فقط للفائدة. هنا أودّ أن أَذكر لاهوتيا كبيرا هو الأرشمندريت ليف جيلله الذي زار بلادنا مراتٍ عدّة وأرشد شبيبتنا. كان يعرف لغات كثيرة وما كان يَذْكرها الا عند الحاجة. كل بضع سنوات كنت أكتشف انه يعرف لغة معيّنة لأن بحث موضوع بيننا يضطره ان يذكر شيئا واردًا في الايطالية او في الألمانية بخلاف شخص آخر عرفْتُه من عندنا كان يسرد كل حياته العلمية في اول خمس دقائق تعرّف فيها على شخص.

          المتواضع الحقيقي يعيش في الخفاء، يعيش في حضرة الله ولا يتشرّف بعلمه او بالناس الذين يلتقيهم. يختفي كالمسيح في مياه الأردن. فاذا ظهر، يظهر الله عليه. هذا كل يوم يشترك في عيد الغطاس.