فيما ينصرم الصوم عندنا نخشى ان يغيب النسك عن القلب. وما النسك في مصطلحنا سوى رياضات نبتغي منها وحدة النفس مع الله من حيث انه يكون وحده الحبيب لا شريك لنا في حبه. العاشق يفهم هذه اللغة ولو احب اشياء في العالم كثيرة ولكنه يحبها في رتبتها او على صعيدها وهي مؤذية ان حجبت وجه الله عنه. القضية كلها ان يكون وجهه وحده اليك لئلا تفني في الزائلات وعلى رأسها المجد الباطل.

ان تشغلك اناقة ملبس او سكن او اية اداة من ادوات الترف او وجاهة سياسة او معرفة فيعني ذلك انك عابد لنفسك وملتمس عبادة الآخرين لك. عظمة الفكر والبطولات. ارتسام الجمالات عليك هذا ما كانت تطلبه الامم قبل المسيح. فمن المألوف كثيرا ان تفتخر الحسناء بحسنها. هذا حافز لتكاثر البشر. ولكن هذا الافتخار بحد نفسه باطل اذ لا بد ان تتروض الحسناء على انها تراب ولا بد ان تحجب جمالها الشيخوخة حيث لا بد ان تموت ذاكرة الافتخار.

والشأن الاعلى رتبة من الجمال هو رشد العقل وان يعظم ويتلألأ. قلما عرفت ذكيا خارقا تواضع امام الله ويهم الذكي ان يغريك حينا كما تفعل الجميلة ولكل منهما وسائله. ولكن غاية الاغراء في كل حقل اخضاعك للقوة اي جعلك عبدا لإله جديد.

ما حاولنا ان نكونه في الصوم هو ان نصير خلائق جديدة، في العمق، في عمق التوبة، ان نزيل العتاقة عن النفس. التوبة قناعة قبل اي شيء آخر، قناعة لو كنت اغنى انسان في الدنيا ان كل ما تملك لا قيمة له في عيني الرب اي لا قيمة له على الاطلاق. وان بدا لك ذلك فيما تكون نفسك قد هلكت. واذا بدا لك ذكاؤك شيئا عظيما تلتمع انت فيه وتتعاظم تكون نفسك قد هلكت. وان انت اوليت طعامك اللذيذ مكانة في معاشك اليومي تكون نفسك قد هلكت. فأنت تمسك في ما تبقى لنا من هذا الموسم لتتروض على ان الانسان لا يحيا من الخبز فقط وان كان لا بد له ان يقتات.

كل مسألة الصيام ان تنشئ القيمة الوحيدة في الوجود وهي ان ترى وجه الله وحده لك ساحرا.

رؤيتك الوجه الالهي في صميم نفسك اذا تألمت هي الاعجوبة التي تحل فيك في اوان الرضاء. ليس لك قبل ذلك الا ان تراقب نفسك وتعرف عيوبها وما من هذه العيوب في قعر النفس والكامن المؤذي هو ما نسميه الهوى. ومشيئة الله الاولى ان تقتلع الاهواء من جذورها بمعرفتك اولا انها دمارة واذا لم تشأ ان تضربها ضربا موجعا لتسلخها عنك سلخا قاسيا فلا توبة لك حقيقية ولكن تبقى رغبات مترددة وما تسميه توبة لن يكون الا تغنيا بجمالات روحية لست جادا في اقتنائها فيدغدغك البهاء الروحي من بعيد اذ بقيت مازجًا بين خير يحلو لك وشر لا عزم فيك حقا للمضي فيه الى النهاية.

تضع الكنيسة لمعرفتها ذلك امامك صورة القديسين الذين خلقوا مثل سائر البشر ونعرف ضعفات هذا وذاك منهم. جلّ ما امتازوا به انهم كانوا جديين في جهادهم وآمنوا ان مشيئة الله قداستهم. نعرف الذين جاؤوا من بيوت باذخة واعتبروا كل هذا تفاهة. ونعرف الثقافة المتينة التي كان عليها بعض وما اهتموا الا بوضعها في خدمة الانجيل فطوعوا له فلسفة عصرهم وما ولدوا كلهم في عائلات مسيحية ولكن لما عرفوا المسيح ساد نفوسهم وقلوبهم فماتت شهواتهم من ذاتها لأن سحره كان اعظم من سحرها.

والسؤال هو لماذا ما حققه بعض بهذه القوة لا استطيع انا تحقيقه. انه الخوف من اقتحام الوجود الصعب. الذات جذابة، مغرية والبر لا يبدو من هذا العالم. احساسي ان بعضا منا يزين له ان الله يلعب معنا بالكرة وانه غير جدي في التعامل وايانا. ونتوكل على كونه يعرفنا ضعفاء وكأنه يقول في نفسه هؤلاء الذين خلقتهم انما هم من طين وان معطوبية الخزف طبيعتهم وهم يعرفون ذلك ولا يريدون ان يعرفوا اكثر من ذلك وهو انهم قادرون على التروض على مواهبه وقادرون على توق القداسة ولكنهم في الحقيقة الحقيقية لا يريدون حتى لا يتعبوا كثيرا ويأخذهم هو برحمته كأن الرحمة رخيصة ولا تستوجب جهادًا حتى الدم.

جهاد حتى الدم قامت به امرأة تدعى مريم المصرية عاشت في دعارة مستفحلة في الاسكندرية وكاتب سيرتها صفرونيوس بطريرك اورشليم الذي استقبل الخليفة عمر عند فتح القدس. وما يقوله لنا البطريق ان مسلكها لم يكن مسلك النقيات اللواتي ترميهن ظروف الحياة كالفقر أو الاغتصاب في هذه الطريق ولكنها كانت ترغب في الشبق من أجل نفسه.

كانت بلا شك مسيحية في أولى مدن الاغريق في العمارة والفلسفة آنذاك فخطر في بالها الحج الى القدس ولم يخطر على بالها التوبة حتى اهتدت الى ربها عند عتبات كنيسة القيامة. وتقول السيرة إنها لفترة لم تستطع دخول الكنيسة لعلها أحست بالتنافر الكامل بينها وبين قدسية المكان فجاءها الهدى دفعة واحدة هز كيانها الداخلي وذهبت الى برية الاردن حيث عاشت حوالى خمسين سنة في نسك شديد كان ضروريًا عندها ليبيد الشبق الشديد.

تأتي سيرتها على تفاصيل في ممارستها الصلاة والصوم واشتياقها الى مناولة الكأس المقدسة التي كانت قد انقطعت عنها سنين طولى. هم كنيستي التي تعيد لها غدًا اذ تقيم لها الذكرى ان التائب يستطيع ان يطهر جسده وروحه وان كنا لا نزال في البشرة. والصوم اذًا في غاياته وليس فقط في رياضاته انما هو طلب النقاوة حتى النهاية وذلك حتى نقيم في الله أو يقيم هو فينا. الله وحده هو المشتهى وهذا ما يسألنا الرب ان نتابعه معه في كل يوم.

ان تنثني أنواره فيك في كل حين يقتضي انقطاعًا كليًا عن كل ما يحول دون إقامتك عنده أو إقامته عندك. واذا تراءى لك شيء من هذا تشتاق الرؤية كلها لا في الدهر الآتي فقط بل في الدهر الحاضر. اذ لا فرق بين الحاضر والمستقبل في خلوة الحب التي هي التوبة.

قد لا تبقى في كل أزمانك على الزخم نفسه أو الحرارة الواحدة. قد لا تكون ملتهبًا بالعشق الإلهي كل يوم. ذلك لان التراب ضاغط عليك. ولكن المطلوب الاول الا تعقد صلحًا مع الخطيئة. هذه أولى درجات الحب. ثم اذا قطعت الصلح مع الخطيئة المطلوب منك صلح مناقض ألا وهو الصلح مع الله. بحيث تكون ضربت الخطيئة كضربك رأس الأفعى فتعرف عند ذاك ان السم لن يدخل كيانك وان الرب مخلصك من كل إثم ومن كل خوف وآخذك في احضان حبيبه.