لماذا لم أقل كره الناس لرجال الدين اطلاقاً؟ لأن الاسلام يقول ان ليس عنده رجال دين كون المسلمين سواسية. عنده فقط علماء دين. وفي كل حال اهل البيت أدري بما فيه. انصبابي على هذا الموضوع ناتج من امرين: ان اللغة الفرنسية التي كانت (وربما لا تزال) لغتي الاولى فيها كلمة anticlericalisme اي معاداة بعض الناس للكهنة او القسس كما يقول اخواننا الانجيليون واقباط مصر. والامر الثاني انها ظاهرة قائمة لست اعرف مدى انتشارها في صف المدنيين المسيحيين في هذه البلاد. لكني اذكر انني كنت اقوم مرة بنزهتي الصباحية وسمعت صبايا مسيحيات يستعذن بالشيطان. واعرف ان بعض العامة عنده كره للمحامين، وان بعضا آخر يقول عن الاطباء انهم تجار (اي ان هؤلاء يكرهون التجار أيضًا). ثم درست الحقوق وفهمتها مهنة شريفة وان المحامي يدافع ولا ينكر وقائع ثابتة، وتدرجت عند محام كبير كان طاهراً جداً.
غير اني اود ان اقول بادئ انه لمن الظلم بمكان ان تعتبر كل الناس في حرفة واحدة اشراراً او خبثاء او كاذبين. ان لفي هذا اجحافاً مبيناً لا ضرورة لفضحه. واخشى ما اخشاه ان تأتي كراهة القسس عندنا لصيقا بابتعاد عن الدين نفسه. ولكنك، في هذه البلاد، لا تجترئ الا قلة على التفوه بهذا وتتستر وراء امتعاض من الذين احترفوا خدمة الدين احترافاً. لنقل اذاً من اجل الانصاف ان الناس في اي موقع كانوا هم على مستويات من الاخلاق مختلفة، وان احداً لا يحتمل معصية أخر الا اذا كان مسبباً لها. والناس عرضة للتأويل ولسوء الظن. فقد تحتضن انت انساناً آخر احتضاناً كبيراً، ولكنك لا تبدي له غنجاً او تملقاً ويظن مع ذلك انك عدوه.
الكراهية في كل حال عقيمة وتؤذي صاحبها وتحجب عنه الجمالات وهي دائماً ظالمة. فقد يكون من تبغضه على بعض حسن وانت لا تراه لأن عينك باتت شريرة واظلمت كل كيانك اذ تعلمت ان تبحث عن السيئات ولم تسع نفسك الى حلاوة الوجود لتحيا بها. ان بغض اي شخص لمجرد انتمائه الى فئة من فئات المجتمع امر فيه خفة كثيرة ودنس كثير وإعثار كبير لأن من أبغضته قد تسبب له جرحاً بالغاً.
من هذا البغض تأتي النميمة والتشفي والشتم والفتنة. ولا يربح من الفتنة الا الشيطان. انه في لغة الكتاب المقدس يعني المفتن. وكل نميمة تزرع الشقاق اي تقيم جهنما في هذا العالم. جاء في الادب النسكي عندنا: “ماذا تعمل اذا رأيت أباك الروحي يزني فأتى الجواب: “اني آخذ غطاء واغطيه”. معنى ذلك انك لا تكشف عورة سواك ولا تقول بأحد سوءاً لئلا تخور قوى الذين لم يسمعوا بالخطيئة التي تفضح. وبخ اذا شئت او انصح الذين وقعوا في معصية ولكن لا تذع امراً قبيحاً. ثم “لا تدينوا لئلا تدانوا” لأن الله وحده قادر ان يدين القلوب بعدل لأنه وحده قادر ان يفحصها.
قد تثرثر بحق الكاهن لانك ذهبت اليه طلباً لمعاملة مغلوطة وصدك او تكون خسرت دعوى على زوجتك في المحكمة الروحية. عدد رهيب من الشكاوى لا تأتي من سوء التصرف عند الإكليروس ولكن من حزازات قد تكون انت عنها مسؤولاً. بعض تشكيك في الكاهن مسؤول هو عنه ولكنك احياناً تضخم الاسباب وتجعل من الحبة قبة وكان الاعتدال في الحكم اولى.
بعد هذه التصفية تأتي حالات يكون فيها القس مذنباً. لك ان تشكوه الى السلطة العليا فتؤدبه عند الاثبات ولك ان تذهب اليه وتعاتبه بسلاسة وخفر بحيث لا تقيم نفسك قاضيا ولكن تجعل نفسك اخا له متواضعاً ولو تسلحت بالصراحة والحزم. واذا بلغ سوء التصرف عند القس مبلغا كبيراً حتى الإثم والإعثار فتتابع القضية في المقام الاعلى.
تذكر انك ترعى الراعي كما يرعاك لانه مسكين ككل الناس وفي حاجة الى ان يكون محبوباً، تسنده كما يسندك فقد يحل فيك الروح ويكون الكاهن قد نسي انه لا يستطيع ان يحيا ويتكلم وينعش القوم بلا روح الاله. واعلم ان تطهر النفس شرط لتطهير الاخرين وان اصلاحك للآخرين يبدأ باصلاح نفسك وان لا بنيان بالنميمة.
انت تنتظر من الاب الروحي عظمة وبرا وقداسة قد تأتي وقد لا تأتي الا قليلاً. وانا افهم تعجبك اذا قلت: “ليش هدا خوري”؟ القصة طويلة جداً وفيها وجهان: وجه العلم ووجه التقوى او الرسالية. اما وجه العلم عند القسس اعني علم اللاهوت فقد اخترعته الكنائس الانجيلية ولم يكن الكاهن الكاثوليكي متعلما قبل القرن السادس عشر ثم جاء التعلم للحاق بالقسس الانجيليين. اما الكهنة الشرقيون على اطيافهم المختلفة وطوائفهم… كهنتهم جميعاً حتى القرن الثامن عشر او عند بعض بعد ذلك بكثير شبه اميين، غير متفقهين بأي علم من علوم اللاهوت ولا يقاس على الرهبان الموارنة الذي تعلموا في روما والعواصم الاخرى او الرهبان الروم الكاثوليك في هذا الدير او ذاك. اما كهنة الرعايا فبين الكنائس تفاوت على هذا الصعيد. غير ان الوضع افضل الآن. الكنائس تبذل جهداً كبيراً لرفع المستوى عند الكهنة. غير ان هذا لا يكفي هنا وثمة.
الا انه ينبغي الا نظلم الشرق المسيحي. فكهنة الريف في الغرب الكاثوليكي كثيراً ما كانوا دون كهنة المدن الكبرى. ومن الخطأ الاعتقاد ان الكاهن الغربي يستطيع ان يجيبك عن كل سؤال تطرحه عليه. انه في المعهد اللاهوتي يعطى الاساسيات وان لم يتابع مطالعاته لن يخدمك كثيراً من الناحية الفكرية. ثم مواجهة الفكر الحديث وسكب العقيدة المسيحية بصيغ تخاطب العقل المعاصر قادر عليها بعض من الناس فقط. فإذا لم تكن على اعلى ذروة من معرفة المجالات التي تخطوها العلوم الحديثة ولا سيما الفيزياء لن يأتي لاهوتك على مستوى العقول القلقة المتقدمة فكرياً. يجب اذاً ان نواكب الكهنة في المسيرة البطيئة التي يسيرونها في العلم وان تسعى مع السلطات الروحية الى ما هو اعلى.
غير ان ما يتطلبه الشعب هو العناية به على صعيد الافتقاد ووعي تعبه الروحي والتقرب اليه في الضيق باعطائه شيئاً من الدفء. يسعى كل انسان منا الا يكون متروكا. فاقتراب الكاهن اليه يجعله يحس ان الكنيسة كلها احتضنته وانه بات محبوباً. المشكلة كلها هنا. الا ان دنو الكاهن من شخص او عائلة لا ينبغي ان يكون مجرد تقرب عاطفي. هذا ينفع قليلاً. المهم ان يحمل كلمة الله. تعزيته ليست على طريقة العامة بالتعزية ولكن بالكلمة. هو ليس مجرد صديق لعائلات رعيته. انه أب يغذي بما تغذى به.
يبقى ان القديسين ليسوا كثراً وان كنيسة الارض ليست كنيسة السماء والله يصبر على كنيسة الارض. احمل اثقال راعيك واحفظه في دعائك كثيراً حتى يرفعه رب باحساناته ويزينه بالتقى عله يتبين تقصيره وضعفاته ويصغي الى كلام الرب: “لي عليك انك نسيت محبتك الاولى”. حاول احاطته مع الآخرين لتنقذه من الخطيئة. هل انتم حقاً تعززونه في معاشه اليومي ام تتكلون على تقواه تؤتيه خبزاً واسباباً لاعاشة عائلته. عاتبه على خطاياه بعد ان تكون قد صرت مع اخوتك سنداً له.
كنت قد عقدت مرة مجمع كهنة في منطقتي. قلت لهم: “من اكتشف انه ليس كاهناً كفوءاً فليبدأ ان يكون اليوم كاهناً. اما ان يغط في النوم في انتظار راتبه في آخر الشهر والمآتم وما اليه فهذا يؤذيه ويؤذي الآخرين”. لا ينفع السؤال لماذا رسمه المطران. الاكيد ان المطران يستند الى بعض الاشارات: منها مثلاً حصول الرجل على شهادة لاهوت او الشهادات الحسنة عن المرشح او هذه مجتمعة ويقوم المطران بتحقيق. مع هذا يمكنه ان يخطئ. لا يبقى لك بعد هذا الا ان تقبل الواقع المرير وتتعامل واياه.
ليس الله لطيفاً كثيراً بالرعاة الذين يهملون غنمه ويبددونه ولا يحب الرعاة الغارقين بشهوة تكبلهم اذ لا يستطيعون ان يقدموا للناس شيئاً. غير ان الرب حصر الدينونة بنفسه. وانت سألك الحب الذي يشفي وحده المسؤول عنك. فلا ترتكب حماقة ان تكره فئة من الناس او تتعامل بقسوة واي مخلوق لان هذا يدمرك اولاً ثم يدمره. كلنا يحمل عبء التاريخ. خفف هذا العبء عن رعاتك. المحبة ترفع كل البشر الى فوق.
