السلطة مسؤولية قائمة على المحبة. والاقدر على المحبة والفهم هو الاقدر على المسك بالسلطة التي هي مقام الخدمة. ولكون المسيح جعل نفسه غاسل ارجل أراد ان يذهب بهذا الى الموت ليصير به خادماً للبشر جميعاً. ولقد اعترف السيد بسلطان بيلاطس عليه بقوله انه اعطي لهذا من فوق. السلطان الصالح، العادل، المحب ايقونة الله امامنا. لن اتصدى هنا لموضوع المقاومة للسلطان العاتي وقد واجهه الفكر الغربي (توما الاكويني) والفكر الاسلامي وفي ما قاله العلماء مذاهب. لكن المبدأ الذي وضعه بولس الرسول ان الحاكم يسلم الحكم اليه من اجل الخير لانه لا يحابي الوجوه. واذا استخدم الخير يكون حاكماً باسم الله. وهذا ما رآه يوحنا الحبيب في رؤياه.

غير ان المقام، كل مقام يعرض صاحبه للاغراء فتتحول السلطة الى تسلط اي تؤول من خدمة الناس الى تغذية المنفعة الشخصية عند صاحب المقام باستعماله الناس. ولست اريد بالمنفعة الشخصية، ضرورة، استغلالاً في سبيل المال ولكني اريد التحكم بسبب عبادة الحاكم نفسه وجعله الناس عبيداً له.

الحاكم صالح اذا اعتبر الله حاكماً له او اطاع هو القانون بسبب من توقيره للمرجع الذي وضعه وتالياً هو مرتبط بالوطن من حيث هو قيمة اخلاقية الا اذا الوطن اعتدى. من هنا ان الحاكم العادل لا يطلب شيئاً لنفسه ولا لعائلته او طائفته اي انه زاهد بالكلية في هذه الدنيا ويكتفي براتبه ولا يقبل هدية لان أيّاً منا يرتهن لمهديها. قد يكون للحاكم اصدقاء اذا عرف انهم لا ينتظرون اجراً لصداقتهم او رأى في نفسه صلابة تحميه من اصدقائه. الحاكم العظيم ولاسيما القاضي يعيش في عزلة عاطفية لئلا تشرده العاطفة عن العدل. انت اذا كنت في المسؤولية لا تسترض احداً اذ لا تنتظر الا رضاء من على العرش استوى.

أنا لا أنكر ان السعي الى مركز يمكن ان يكون سعياً الى خدمة واسعة وهذا امر له شروط اخلاقية. ولكني ارى ان الركض وراء المناصب كثيراً ما كان شهوة للنفوذ الذاتي ولو كان هناك زهد في المال اذ القيام على أرائك القوة شهوة بحد نفسها لا تغذيها بالضرورة شهوة المال. «كل سلطان مفسد والسلطان المطلق مفسد مطلقاً». قد يكون في هذا مغالاة اذ يمكن المتواضعين ان يجلسوا على العروش. من هنا، احذر مخاطر المقامات ويكون الاقبال عليها «في خوف ورعدة». انت لا تستطيع ان تحكم الا اذا كنت في حالة الصلاة او كأنك على صلاة بمعنى ان قلبك هو الى حاكمك الالهي والى دينونته.

#  #

#

واذا تكلمت على الحكم فاني لا احصره في أهل السياسة ولكني أتكلم على من اسندت اليه مسؤولية في الكنيسة كبيرة كانت أم صغيرة. فان من افتخر واستبد في كنيسة الله انما لا يعبد الهه ولكنه جعل نفسه الها ولو نطق بكلمات المسكنة. والاستبداد في الكنيسة قد يكون اخطر من الاستبداد في الدولة لان صاحبه يتكلم باسم الله ويظن ان ما نطق به عن غرض او عن شهوة هو ارادة الله.

والشيء نفسه يقال عن صاحب محل او معمل او عن رب عائلة يطوع اولاده لغرض التسلط الذي فيه. ذلك ان هؤلاء المرضى اسادوا البلد ام سادوا شيئاً آخر انما يحبون ذواتهم فقط بالمعنى القاسي للكلمة اي لا يحبون أحداً سواهم بعدما قرروا ان ليس من وجود حقيقي لآخر. هذا وجه من وجوه رذيلة سماها آباؤنا في النسك حب الذات. اجل تقضي الرؤية الروحية ان تحب نفسك قائماً في الله وان تحب الله قائماً فيك. أما اذا انحرف ذلك فيك يصبح حباً انانياً اي حب اناك الساقطة المتشهية عالم المحسوس او عالم الحكم من اجل الحكم.

لا يعبر المتسلط عن نفسه باصدار الاوامر القرقوشية فحسب ولكن في مجالين ايضاً هما المال والجنس. ليس المال شيئاً سيئاً بحد نفسه. يصبح كذلك اذا اردت ان تشتري به ولاء الآخرين. والجنس مجال لتحكم الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل. في آخر تحليل يبدو اغراء السلطة اقوى اغراء فينا فانه التجربة المثلى التي وقع فيها آدم وهو ان يكون مثل الله. وهذا ما جعل المتسلط في فراغ رهيب لأنه في آخر تحليل ليس فقط لا يحب أحداً ولكنه لا يحب نفسه. انه «عاشق نفسه ضد نفسه» كما يقول مكسيموس العظيم. يكره نفسه بمعناها الحقيقي اذ لا يعرف ان الله وحده مآلها. واذا تختلط عنده كل الشهوات يدمر نفسه بنفسه. وقد فاته رجاء ان يكون واحداً مع الآخرين الذي يقول الله عنهم انهم أخوة.

في هذا الالغاء للآخرين لا بد للمستلذ مكانته الاولى في الوجود ان يعيش المجد الباطل او الكبرياء. انه معجب بنفسه ومداح لنفسه. كبرياء لانك لا تستطيع ان تستكبر الا اذا استعليت واحتقرت الآخر حتى تعتبره عدماً. هو انسان الذم الدائم المكتفي بنفسه ويحسب عند احتلاله المقام انه يعرف كل شيء وانه دائما على حق. نجد هذا كثيرا عند الوالد الذي لا يرى فضيلة في ابن من ابنائه وينتقده باستمرار او عند المدرس الذي يمارس الغطرسة ازاء تلميذ او مجموعة تلاميذ او عند مثقف يرى ان كل الناس الذين دونه ثقافة اغبياء. هذه كبرياء بعض العارفين الغافلين عن عيوبهم ومحدودية المعرفة. هؤلاء الناس على مختلف فئاتهم يرفضون النقد او اللوم او أن يؤمروا. لذلك يسقطون دائما بالعدوانية والسخرية احيانا وبرغبة في الاهانة لتثبيت مواقفهم اية كانت.

#  #

#

عودا الى السياسة ولكونها المطرح الكبير لشهوة السلطة ماذا يقول الكتاب؟ عندما انبأ يسوع بموته مرة ثالثة تقدم اليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدى يطلبان ان يجلس احدهما عن يمينه والآخر عن شماله في مجده قال المخلص لتلاميذه: «تعلمون ان الذين يُعدون رؤساء الامم يسودونها، وان اكابرها يتسلطون عليها. فليس الامر فيكم كذلك. بل من اراد ان يكون كبيرا فيكم، فليكن لكم خادما. ومن اراد ان يكون الاول فيكم، فليكن لأجمعكم عبدا. لأن ابن الانسان لم يأت ليُخدم (بضم الياء)، بل ليَخدم (بفتح الياء) ويفدي بنفسه جماعة الناس» (مرقس 10: 42-45).

انت، نائبا او وزيرا او موظفا كبيرا، ارسل اليك هذا الكلام فليس الناس رعايا. قدرتك على العطاء تبرر اقامتك في منصب المسؤولية. فما جيء بك للكسب او التباهي. فالوظيفة ليست تبخترا، او زهوا. انها امحاء في سبيل الاخرين. اذ ذاك يرتفع الآخرون.

قد تُعرف (بضم التاء) بسبب من المنصب ولكن هذا لا يستدعي التملق لك خشية الانتفاخ فيك. واعلم حقيقة الآية: «قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء» (سورة آل عمران، 26). اي اعلم اولا الا تتملك الناس اذا ملكت لأن الله ينزع عنك الملك متى شاء ويعزك ان تواضعت في حضرته وامام الناس. ذلل نفسك امامه ولا تذل الناس لئلا يذلك ربك. وقد تحسب انك غدوت في منصبك كبيرا وفي الحقيقة انك صرت ذليلا ويقرأ الناس ذلك ويحتقرونك ولو انتخبوك او استوزروك اذ تصبح لا شيء في عيني الله وقد رأيت نفسك كل شيء.

وان تستعلي هو الظلم عينه فإن القوم كرماء في عيني ربهم وباتوا افضل منك ان انت استصغرتهم. وهذه هي الجهالة. لا تنس ان كرة المطاط اذا نفختها الى اقصى حدودها تنشق.

من يعطيك الهدوء والرجوع الى حجم لك لم يمسه المجد الباطل او الكبرياء المستهترة؟ انت لست ساكنا في المجد فلماذا تطلبه من الناس؟ اذهب ودافع عن المقهورين في الارض ومستضعفيها وواجه كل سلطة في البلد عسى تعرف هشاشتها. تعلم انك تراب.

واعلم في ترابيتك ان الفرق ليس بين هذا الفريق او ذاك من اهل السلطة ولكنه بين خادمين للوطن ومتسلطين عليه. واذا اردت ان تتحزب فللحق. والحق يحررك من كل شهوة. واذا تحررت تصبح قادرا على سياسة طاهرة.

انا لست بغافل عن هذا الخيار او ذاك في الحياة السياسية. وهذا امر ليس فقط مشروعا اذ في السياسة خيارات ولا بد فيها من الافتراق. واختر اختلافك ولا تجعله خلفا لانك بذلك تكون فقدت المحبة التي هي وحدها نفحة خدمتك. فاذا سست من اجل إلهك يصير هذا عزة للوطن الذي هو مطرح للرب. واذا لم يعرف اولو الامر هذا فهم لا يعرفون شيئا.

كن في السياسة بسيطا ببساطة الله وشفافا مثله ومت عن الامة كما مات الفادي. ففي هذا قيامتك وقيامة الذين استعبدت نفسك لهم بالاخلاص. اضرب الكبرياء والتحكم والمجد الباطل ليكون الله وحده هو العزيز.