وددت ان اشهد للرجل أولاً من حيث ما لمست وبغض النظر عن اي موقف له او لي سياسي. أول لقاء بيننا تم في الصنائع لما كانت رئاسة الوزارة هناك. كنت اشعر آنذاك ان الانجازات العمرانية الكبرى ما كانت الخيار الاول لشعبنا المفتقر وان هذه الاحجام الكبرى والجميلة في تنظيم العاصمة لا تلبي حاجتنا السريعة الى العيش. كنت أحسب ان الرؤية عنده بعيدة، شاملة ولكن لن يكون لها تداعيات سريعة. أحسست ان واجبي أن أفاتح الرجل بفكري. هو لم يعاتبني على عبارة أو غير عبارة كنت أقسو فيها الحكومة دون ان أسمي أحدًا.

ادخلني مكتبه واغلقه وتصارحنا في تهذيب له شديد بحجج لم ألمس فيها انفعالاً. قلت في نفسي: هذا رجل يستعمل المنطق وانا أحاول المنطق. وافترقنا حتى اخذنا نرمم كنيستنا في عاليه وجعلنا حفلة التجديد للكنيسة في رعايته فانتدب عقيلته السيدة نازك لإلقاء كلمة وتبرعت للبيعة بمبلغ كبير. ثم دعوته ليضع معي الحجر الاساس لبناء كنيسة بحمدون المحطة. ولما بادرت الى وضع الحجر في مكانه لم تمكنني قواي من ذلك فقلت له: يا دولة الرئيس أرجو ان تأخذ عني هذا العبء فوضعه بسهولة كاملة. ثم بعد مضي اشهر ارتأى شركائي في المسؤولية ان ارافقهم لزيارته في الصنائع التماسًا لمساعدة. وظننت ان واحدًا منهم سيأخذ الكلام بسبب من الصداقة التي كانت تجمعهم واياه ولكنهم اضطروني الى التماس احسانه ولم يسبق لي – لخجل في أو مبدأ – ان افعل شيئًا كهذا فاستلهمت الله وقلت له باللغة الفصحى “أيستطيع دولة الرئيس رفيق الحريري ان يهمس في اذني رفيق الحريري المؤمن ان يحسن الى كنيسة الروم”. قال لي: كرمت واسمح ان أسلم اليك هذا الشيك وكان مبلغًا باهظًا.

ما كان لي الحق ان أكشف قبل اليوم صدقة انسان لئلا تهتك المروءة ولكني فعلت ذلك بسبب من واجب الشهادة. ثم استضافني الرئيس الراحل غير مرة الى روحانيين ومدنيين من كل المذاهب وما كان يلفتني انه كان يصغي جيدًا الى ضيوفه الذين كانوا يتمتعون بكرمه وبساطته في آن. ثم اختبرت بنفسي جدية عمله في تشييد قصر المؤتمرات في الطائف الى ما يفوق أربعين فيلا لوفود مؤتمر القمة الاسلامي وكنت اليها مرافقا لبطريرك كنيستي. وأدركت ان اسراعه في البناء كان أمرًا خرافيًا.

#  #

#

كل مرة كنت اراه مرتاحًا الى ضيوفه من الاكليروس المسيحي وربما بسبب اسلامه الصادق والشفاف ورما بسبب ارتقائه درجات الثروة بلا استكبار. كنت احس انه كان يرى نفسه فقيرًا الى الله. ثم بدا للجميع انه لا يحب الاسهاب في الكلام وانه كان يحق له ان يقول لمن يواجهه في أمر: “هذا كلام غير دقيق” لسعيه هو الى الكلمة الدقيقة المزاوجة للواقع الذي كان يعالجه.

والدقة عنت عنده فيما عنت انه كان ينطق عن ملفات. صح انه كان له مستشارون ولكنه كان يعي كل ملف بسرعة ويدرك العمارة الفكرية التي تقوم عليها الدارسة. وهذا نهج لم نألفه كثيرًا في الوسط السياسي. كان لك ان تختلف معه في كل شيء وكان يحتمل ذلك او يتحمله وفي حسباني انه كان يريد الموضوعية في كل بحث. قلت كان لك ان تخالفه الرأي ولكنك ما كنت ان تستطيع ان تنكر عليه سعيه الى اقناعك في كلام له صاف. وكان يطلب اليّ فكرا واضحًا اذا رجوت اليه خدمة مبرورة لانسان اهملته هذه الدائرة او تلك.

وكان يذهلني فيه انه كان مطلعًا على امور كثيرة وهو لم يتدارسها في جامعة. الذكاء المفرط في بلورية رؤية كان أمرًا ساطعًا فيه. وهذا قاده الى انشاء مؤسسة الحريري التي كان همه فيها ان ينكب شباننا على العلوم العالية لايمانه ان النخبة المثقفة هي القادرة وحدها على ان تخدم البلد. وكان يتجلى لك هذا اذا اتصلت بكبار معاونيه الذين دعمتهم هذه المؤسسة. كان راعيًا لشبان أتى الكثيرون منهم من بيئة متواضعة ليبرهن بذلك عن ان المعرفة ليست حكرًا على اولاد الاثرياء.

له طرقه ولغيره طرقه. ولكنه نجح – على ما يبدو لي – في اختيار الاحسنين ليستنفرهم في خدمة البلد. كل هذا الميل الى الموهوبين كان ييسر له مرونة كبيرة في تعاطي الناس والسياسة. والسياسة هي قبل كل شيء حكمة أي عقل راجح في مواجهة الواقع. والسياسة فن صعب في بلد من العالم الثالث. غير انه كان يتوق الى اخراجنا من العالم الثالث في علاقات بين الناس راقية وفي حسن الادارة. غير ان حسن الادارة لم يكن فقط بين يديه ولكنه كان في ايادي اناس آخرين. لم يجد الكثيرين في الدولة لهم ذلك الايمان الذي ينقل الجبال والكبير فينا لا يستطيع ان ينطح صخرا صلدا.

#  #

#

لقد تمنى ان تساعدنا الدول الكبيرة في ترقية لبنان الى الدرجات العلى من الوجود السياسي. وهذا ما يفسر اتصالاته الخارجية بالعرب وغير العرب. كان يعرف ان بلدنا لا يقوم الا بالتعاون مع الذين يحبون عوننا وكان يثق بأن بعض الكبار في الخارج يريدون ذلك. كان يفهم التماسك Interdependance بين الدول وظن ان لبنان مهيأ بثقافته وانفتاحه لتقبل التماسك ويبقى مع ذلك مستقلا لينمو بما فيه من طاقات ومن تطلع الى الخارج نحفظ فيه كرامتنا. وقاده تقديره لامكاناتنا الى ان يجمع الدول في باريس 1 وباريس 2. في حال التلف الذي كنا عليه وفي قلة مواردنا ما كان في الامكان ان ننغلق ونعيش. لذلك كان يصر على الجانب المالي والجانب الاقتصادي في نهضتنا وكأنه كان يعتقد ان اليسر في لبنان ممكن وان لنا ان نغلب الفقر الذي كنا عليه بما نحن شعب واحد.

هذا رجل ولد السنة الـ 1944 اي في زمن كان لبنان انجز فيه استقلاله وتجاوز مواطنونا الشك في كيانيته. لذلك لم يعش الايديولوجيات الحادة التي كانت مهيمنة على البلد لما بلغ الرشد على ميله الطبيعي الى عروبة ما كانت تهدد في مطلع شبابه كيانية البلد. فالنهوض بلبنان في براغماتية لم يعش سواها كان هدفه. والدنيا كانت تعيش هذه البراغماتية. ربما اثارت ثروته هذه الرؤية العملية الى بلد ثري عن طريق العمل والارتقاء من الازدهار الى الحرية. وما من شك في انه اراد ان يتطبع بهذه المرونة ان لم تكن طبعه لينقذ لبنان انطلاقا من الممكن. اليست تلك هي السياسة؟

هذه الميزات التي حسبتها فيه جعلت الكثيرين من أبناء وطننا والاجانب يقولون انه رجل دولة. هذا لا يفترض ألا يكون عنده اصدقاء كانوا موضع ثقته. لعله قدر بعضهم أكثر مما ينبغي التقدير لان العاطفة كانت غالبة فيه. وليس في العاطفة سوء ان لم تخرجك عن المنطق والاخلاص للبلد. غير اني لا أرى ان نفسه كانت امارة بالسوء لأنه كان يحب وتاليًا كان يحاول ان ينصف. ربما كانت جاذبية هذه الحسات التي كانت تزينه تجذب اليه الكثيرين. ما من شك في انه كان له كاريزما نادرة. واذا وضع الكاريزما للخدمة فمتعتنا نحن هي بالخدمة.

الانسان توق والتائقون يحققون قليلاً او كثيرًا. وليس فضل الانسان ان ينجز الكثير الكثير ولكن ان يشتاق الى الخير ويحاوله في اقصى ما وهبه الله من وزنات او قدرات.

ترك لنا الحريري شوقًا الى الجدية وهذا ميراثه. وبعدما ذهب يريدنا ان نستغل هذا الميراث وان نذهب بالبلد الى حرية تؤمن لنا وحدها العدالة والعيش الكريم. والعيش الكريم عندنا هو ما يراد به عيشًا واحدًا لكل طوائفنا بمعناها السياسي. ان اغتياله ترك لنا – على ما أرى – عيشًا واحدًا لا تفرقة فيه بحيث لا تبقى مجموعة تميل الى هنا او هناك ولكنا معًا نخلص للوطن. لقد فهم الجميع انهم يستطيعون ان يحيوا معية لبنانية واحدة. وفي رؤية حب كهذه نتروض على ان نصبح وطنًا يضم الجميع ويعدل وينصرف بقواه الى خدمة نفسه ولا يغازل احدًا ولو تقبل عطاء الذين يحبونه.

يبقى ان نتطلب العدل لرفيق الحريري نفسه بعدما حلت به هذه الميتة العبثية الكافرة. أبسط عدل من قبلنا نحوه ان نحزن لفراق رجل كبير مثل هذا، ولكن الحزن لا يشفي. الميراث يشفي.

#  #

#

ما من شك في ان رفيق الحريري يبقى علمًا من اعلام لبنان الحديث ويبقى مصدرًا لتأملاتنا فيما نسعى الى تعمير البلد وتنقيته. كان يريدنا ان ننظر الى الحق. متى يصير لنا بلد حق؟ الجدية والمرونة والجهد الموصول والصدق والعلم وتماسك كل مجموعاتنا الدينية طريقنا الى الحق. ولما ودعنا الرئيس الراحل يوم الاربعاء الماضي كان القادرون منا على تجاوز الألم ينظرون الى لبنان ذهبي الوجه، حريري الملمس، فولاذي القبضة على كل قدراته ليتمجد الله فيه.