هذه الزاوية ليست سياسية بالمعنى التقني والدقيق. تطوف حول الوطني احيانا او تخترقه. ولكني فيما نقترب من المواعيد التي قد يحف بها الخطر أحببت ان أخاطبكم ببساطة وبما لي من محبة وتقدير لبعض منكم وقلت البعض لكوني لا أعرف الأكثرين.

                      انا الذي أحسّ بقوّة الله فيّ اعترف اني خائف بهذا الخوف الذي يعتري البلد جميعا المرمي على المجهول وانتم بعض من مسؤولياتكم ان تنقلوا شعبنا من الجهل الى المعرفة ومن الخلل الى الاستقامة. وهذا الاضطراب ضارب الجميع وعلى الرغم من تدنّي مستوى المعيشة الذي أخذ يفتك بغالبية الناس الا ان القوم يخشون اولا ان يتدهور لبنان كله بحيث يتساوى في المخافة الميسور والمحروم.

                      البلد اليوم محوره انتخاب الرئيس قبل ان تتوالى المواعد الأخرى وتنحل العقد المستعصية. هناك من يريد إرجاء الموعد ليتغير تركيب المواعيد حالما بنصر يؤمنه تقديم موعد على موعد وهناك من يريد التتابع المقرر في نصوصنا.

                      انكم لقد ابتدعتم الديموقراطية الوفاقية وهاتان كلمتان متنافرتان في علم الدستور. الديموقراطية قائمة على الخلاف والاختلاف والتنافس الذي ينتهي الى قرار يذعن له المجلس لأن المجلس يؤلفه القانون ولا تؤلّفه اللحمة المرادفة للتوافق. الوفاق نتيجة النقاش ولا يبدأ به. في القبائل شيخ القبيلة يلاحظ الوفاق ويعلنه. وعند انتقال القبائل البريطانية الى مفهوم الأمة اجتمع البريطانيون في مجلس تباينت فيه ااراء لاحظوا انك في هذه الدنيا لست على حق ناصع الهوية قائم على مواجهات فكر ابتغاء للوصول الى تشريع وموقف من الحكومة ليسا هما الحق المطلق والكلام البشري فيه خصومة لأن كل عقل له إقباله على هذا المشروع او ذاك ولا يدعي احد انه يحمل تفويضا من السماء.

                      والمتعاهَد عليه ان النواب مستقيمون ومحبون للبلد ونحن العاديين نفحص مزاعمهم ونقبلهم او نرفضهم بعد انتهاء ولايتهم بناءً على اقتراب ما نراه قريبا من الحق او القانون الوضعي اذ ليس في هذه الدنيا اذا اختلفت أديانها الا القانون الوضعي. على مستوى القانون الوضعي او الدستوري كل توافق كامل يعني ان أمورنا تجري في الدهاليز .

#           #

#

                      نحن أمام أطروحتين متعارضتين بصورة كاملة من الناحية النظرية او القانونية. هل ننتخب رئيسًا حسب الأصول الدستورية ثم هو يأتي بحكومة تضع مشروعا لقانون انتخاب المجلس ام «نشقلب» هذا الترتيب فنأتي بحكومة انتقالية تفترض ان الحكومة الحاضرة تستقيل وتشرف الحكومة الجديدة على انتخابات جديدة تأتي برئيس.

                      تعقيد الأطروحة الثانية ان عندنا حكومة صفها كما تشاء من حيث شرعيّتها وميثاقها ولكنها لا تذهب الا اذا ارادت ويصفها رئيس الجمهورية انها غير شرعية وغير دستورية وغير ميثاقية. هي اذًا غير موجودة بنظر القانون. فكيف يطرد فخامته هيئة غير موجودة، كيف يطرد العدم؟

#              #

#

                      أما وقد خرجنا على كل معقولية قانونية لا بد من ان يُدعى النواب الى المجلس في الموعد المعين. وبعد دخولهم يُغلق الباب من الداخل حسب قول الإنجيل: »اضطررهم على الدخول«. وجلوسهم على مقاعدهم شرف لهم ورجاء لنا حتى لا نموت في انفجار معنوي. لا يسوغ إطلاقًا، على الصعيد الأدبي، أن يتخلّف مسؤول عن محفله. في كنيستنا المطران الذي يغيب عن المجمع المقدس بلا عذر يُطلب الى المحاكمة. انت لا تستطيع الغياب لكونك تهرب من موقف قررته في تحزبك. انت تحمل حزبيّتك الى الندوة البرلمانية وتطرحها. هذا هو الفرق بين الحضر والبداوة حسب تقسيم الناس عند ابن خلدون.

                      سأماشيكم في ما يبدو فيكم بداوة. احيانا افهم انكم دخلتم التسويات واحيانا افهم انكم متشددون. البلد مهزوز منذ ان أوجده الانتداب. تسيرون حسب إيقاعه، لا مانع. في هذا السياق قرأت منذ أيام ان حزب الله أسلم أمره للبطريركية المارونية اذ نسب اليه انه يتبنى من يتفق عليه المسيحيون وفي اللسان اللبناني هذا يعني الموارنة. انا أرفض في داخل نفسي ان تتنحّى اية طائفة عن الإسهام الفعلي في اختيار الرئيس، اي من الرؤساء الثلاثة. كيف مَن جاهد في سبيل إلغاء الطائفية يتكلّم لغة طائفيّة؟ غير اني افهم ان المآزق تقودك الى تسوية هي الخيار الوحيد في ما سماه العرب حلف القبائل.

                      غير ان هذا الموقف الشيعي يفترض ان يقبله الموارنة. ولست أعلم من مراقبتي وسائل الإعلام المرئي لماذا يستصغر الموارنة أنفسهم ويقاربون اليأس في حديثهم عن أنفسهم. أفهم ان ثمة تغيرات ديموغرافية حصلت ولكني لا أفهم ان يتراجع الموارنة عن ديناميّتهم. لا مانع ان يقلدوا من ارتفع من الطوائف.

                      في هذه العاصفة واللاحضارة فلنحتكم الى البطريرك صفير اذا قبل الاحتكام اليه. ان نوعا من الانكفاء عن السياسة او الاستعفاف عند صاحب الغبطة مؤذ للبلد. واذا خشي نيافته ان يعيّن واحدا خوفا من «الفوضى الخلاقة» فليسمِّ اثنين او ثلاثة او اكثر بقليل حتى لا ينقسم الزعماء بعضهم على بعض وليعتبر هذا في العمل السياسي غير المنصوص عنه ترشيحا ويكون هذا تفويضًا من الأمة في هذا الذي نعيشه اي فيديرالية الطوائف الى ان يكتمل انتظامنا الديموقراطي.

                      هنا تنتهي السياسة ويلزمنا الرب بحيث يذكر غبطته الكبار الذين سمتهم الأخبار أنهم اولاده ويدعوهم بقوة محبته ورعايته ان يبقوا أخوة. متى يصير الموارنة أخوة؟ يقول لهم هذا ليس في البهو ولكن أمام المذبح ويتقبل وعدهم في حضرة الرب ان يكونوا متحابين ومتضامنين اذا وصلنا الى وضع «لتفصيل كلمة الحق باستقامة» (بولس الرسول).

                      ليس من صلب الديموقراطية ان يتفق الموارنة. لماذا يقولون عند بدء الصيام الكبير في احتفال كنسي انهم تراب والى التراب هم عائدون ولا يقبلون في السياسة انهم كذلك. الا يقدر البطريرك ان يقول لهم: انتم لستم بشيء بلا نعمة الله؟ يجب الا تضمحل الكنيسة المارونية بسبب من اختلاف زعمائها المدنيين. هي أهم من الكتلة المارونية السياسية فهذه زائلة. والمسيح الساكن كنيسته ومنها الجماعة المارونية باقٍ الى الأبد. ولكنه لن يبقى في لبنان اذا المسيحيون لم يريدوا ان يصيروا جسده. اذا تجلت عند الموارنة هذه الرؤية يكونون هم ايضا معنا وجه المسيح.

                      واذا تعذّر ذلك لرفض المرشحين الموارنة المثول امام مذبح الرب ويكون البطريق غسل يديه بالنقاوة كما تقول المزامير عند ذاك يجتمع كل النواب وهذا واجبهم الوجداني. ويمثل كل وجدان من وجداناتهم في حضرة الرب ولا حاجة عند ذاك الى نقاش حول النصاب. انهم في القاعة ويكون الرئيس بري قد آقفل الباب من الداخل. أريد أن اعتقد ان احدا من المجتمعين يحب لبنان في حريته ولأجل سلامته فيتزكى امام الله وامام التاريخ.