دائما يستوقفني الياس النبي الذي اقمنا عيده هذا الاسبوع. ليس لان محبتي له سهله، وليس لاني اهوى العنف في سيرته او ما صوّر كذلك للتعبير عما هو اعمق. لعل بعضا من المؤمنين يحركهم انه قتل كهنة البعل الذي سيطرت عبادته في السامرة على يد ملكة شريرة ذهبت الى هناك من عندنا وكانت تعيث فسادا وثنياً في البلاط.

لعلي احب هذا النبي اولاً لاسمه وهو في لغتهم ايلياهو اي الله هو الاله اي انه لا يقبل ان يعبد الها آخر ولا ان يعبد احد الها آخر. وكان يعبر صاحبنا عن هذا بقوله: “حي هو الرب الذي انا واقف امامه”. والقولة لها غير معنى بدءا بأن الله وحده حي والوثن غير حي ولا يحيي اهله ولو بانوا كذلك في البهيمية المستترة بالنهم والترف. واذا كان الله وحده حيا فأنا واقف امامه اي لست واقفا امام الملك آحاب (الذي كان آنذاك) بعدما حاد عن معرفة الله فصار ترابا من الارض لا كلمة فيه. وتوسعا? لذلك اقول ان من له روح النبوءة لا يقف امام مخلوق ليستمد نفسه منه. فكل حقيقة في كياننا لا نؤتاها من بشر الا اذا كانوا الهيين اي نازلين من فوق.

قد يكون تسآل الناس: من اين لرجل فقير، اعزل لا عائلة له ولا سند، ان يقف في وجه الملك وهو عالم ان هذا قادر على قتله (وقد حاول اغتياله)؟ قوة هذا الرجل كامنة في ايمانه الكامل بأن الملك غير موجود ولو كان بيده ابادتنا، لان ابادتنا هي ايضا لا شيء، لان الكلمة النبوية لا تباد. يسلم الملك الى القادر ان يسمع الى الانبياء. بلا الهام ينسكب عليك تظن نفسك مليكاً اي واضعا جسمك على كرسي وحولك عسكر.
قال ملك لولي عهده: “انا ذاهب في طريق اهل الارض كلهم. فتشدد وكن رجلا واحفظ اوامر الرب الهك لتسير في طرقه… لتنجح في كل ما تعمل وحيثما توجهت (1ملوك 2: 2 و3). واذا حكمت فاحكم بحكمة وعدل. وقال الشيوخ لاحد الملوك: “ان كنت انت عبدا لهاذ الشعب في هذا اليوم وخدمته وأجبته وكلّمته كلاما حسنا، فانه يكون لك عبدا كل الايام” (1ملوك 12: 6 و7). الرئيس اذاً خادم ومحب فاذا ذهبت محبته الى الآخرين تعود اليه.

الناس رعية الله على قول داود: “الرب يرعاني فلا يعوزني شيء”. وقد قيل في العهد القديم عن الملوك انهم رعاة بمقدار تخلقهم بأخلاق الله.

لذلك كان الملوك في تلك الايام يقربون من انفسهم الذين يكلمونهم باسم الله لئلا يجنحوا. النبي لا يعمل السياسة، لكن المسؤول يعملها في خضوعه لله. المشكلة الواقعية اذا رأى المسؤول ان الرأي الالهي هو في ضميره وغلّب شهوته على ضميره. وخشية التباس الامور على المسؤولين كان بعض الاساقفة والرهبان في الدول المسيحية هم ضمير الملوك. هذا أدعى الى الاطمئنان. حدث مرة ان قتل احد القياصرة اباه الروحي. لا حاجة الى سيف اذ يمات الضمير بلا سفك دم.

الغيرة على الله جعلت اليأس بالقتل كهنة البعل او كانت المذبحة قراءة للكتاب. في الكنائس الجديدة التي تبنى في منطقتي لا اسمح بتصوير مار الياس ذابحا. اخشى ان تعبر هذه الايقونة عن شعور الثأر الكامن في كل واحد منا. ليس الله بجزار ولا يمثله جزار والمسيح ارتضى ان يكون قتيلا.

بعد المذبحة هددت الملكة ايليا بالقتل “فخاف وقام ومضى لانقاذ نفسه” ووصل الى جبل حوريب الذي هو سيناء ولما انتهى الى الجبل اذا بريح عظيمة شديدة تهب” ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزال ولم يكن الرب في الزلزال وبعد الزلزال نار ولم يكن الرب في النار وبعد النار صوت نسيم لطيف”. في هذا كان الرب وأفهم هذا الكلام على ان الرب وبخ ايليا على ابادته كهنة الوثنية فان الرب يرعى الوثنيين ايضا ولا يريد ان يهدر دمهم العابدون للاله الواحد. ليس عند الله من ضحية تمجده بالموت.

لعل من اهم ما جاء في سيرة النبي دفاعه عن فقير يدعى نابوت. كان الملك يريد ان يشتري كرم هذا الرجل او يقايضه فأبى. فقالت الملكة لزوجها اني سأتخلص انا منه فقامت بمسرحية دينية اذ امرت الشيوخ والأشراف ان ينادوا بصوم ويجلسوا نابوت في صدر القوم واتت بشاهدي زور قالا: “قد لعن تابوت الله والملك” وقتلته. فواجهه النبي موبخا توبيخا شديدا: “قد بعت نفسك لعمل الشر في عيني الرب. هاءنذا جالب عليك الشر وكانس نسلك”.

لا يقبل اهل النبوءة الظلم ويقولون في فاعليه كلاما شديدا ولا يأبهون لما قد يلحق بهم من اذى. الروحاني رادع الملك اذ يريده دائما قويما ليعكس في السياسة حكم الله. ذلك ان السياسة ليس فيها ضمان من نفسها. اجل كانت منذ اقدم العصور دول ولكن الدولة بالدرجة الاولى في اشخاصها وهؤلاء يجب ان يحركهم أهل الله. وويل لهؤلاء اذا صاروا من أهل الدنيا.

لم يكن له موضع في الارض فلما أـتمّ طوافه فيها رفعه الله اليه. فلما كان مع تلميذه أليشاع عند الاردن وكانا يتحادثان “اذا مركبة نارية وخيل نارية قد فصلت بينهما. وصعد ايليا في العاصفة نحو السماء” (وفي الترجمة اليونانية “كأنه الى السماء”).

طبعا ليس من مركبة نارية ولا من خيل نارية. هذه مركبة الحب الالهي الذي اختطف ايليا طوال حياته واراد الحب ان يقيم ايليا فيه. ولما صعد يسوع الى الجبل استدعى النبي اليه كما استدعى موسى وتجلى معهما وشاهد ايليا الله للمرة الاولى على وجه المسيح. لم يكن ملتقاه مع ربه في حوريب ولكن على جبل ثابور في الجليل.

ارثه الذي نرث تفعيل اسمه: الله هو الاله ولا سيادة لسواه. ونحن تغرينا هذه الدنيا اي تلهينا عن وجه الرب لنتعبد لها ولما فيها ونستمع الى وسوساتها. في كل العهد الجديد – بتعبير او بآخر – نحن سكان السماء ولو عاشت اجسادنا على الارض. المهم ان نحيا هنا في السماء.

هذا لا يعفينا من مهمات لنا في الارض ان تكون لنا عائلة وتجارة وسياسة وما الى ذلك. غير اننا لا ننتمي الى اي بيت او مصدر رزق او تركيبة دولة. هويتنا ليست من هنا ولو عشناها هنا. اجل لا تلغي السماء الارض ولكن ليس هناك من ثنائية بين السماء والارض فاذا سكن العدل الارض فكأنها منذ الان سماء. ولهذا قال المخلص: “ملكوت الله في داخلكم” فلا نحتاج الى مركبة نارية لنذهب الى ما فوق اذ ليس من فوق ولا من تحت او جنبات. الله روح فبالروح والحق نحن عابدون له. وليس لله عرش حسي بعدما سكننا بالمسيح. ما من عرش له الا قلبي وقلبك واذا اخذ هو القلوب ينضم اليها. واذا انضمت اليه لا تموت.

الياس الحي صورة عن اختيار الله لأولئك الذين يقولون الله وحده الهي ويحاولون ان يكونوا له خاصة وحكرا. منه ينزلون الى هذه الدنيا احرارا منها وعاملين فيها يحيونها ولا تحييهم. قد يكونون قلة ولكن لله دائما اصحاب في هذا العالم وهم خاصة الخاصة. اشتراهم ربهم بمحبته وبها يغريهم واذا كبروا بمعرفة محبته لهم يعسر عليهم الانتماء الى الزائلات. وهم الذين يحفظون العالم لان الله حافظهم. فاذا ابصرتهم ابصرته بعدما امسوا له ايقونات تزداد بهاء كلما انزل عليهم البهاء.