تساءلت في هذه الزاوية غير مرة ان كان من إناسة لبنانية أعني بها دراسة الإنسان اللبناني من حيث انه ناتج من اعتقادات ومخلفات تاريخية تفسر تصرفاته الأخلاقية ولا سيما في تعبيرها المجتمعي. طبعاً ليس عندي جواب عن سؤال رئيسي كهذا يقودنا الى إصلاحات تربوية من شأنها ان تنتج انساناً لبنانياً جديداً متحرراً من السقوط العميم الذي نحن فيه منذ أجيال أو قرون.بالمقارنة انت تستطيع ان تتحدث عن الإنسان الفرنسي أو الإنسان الألماني من حيث ان كلاً منهما قائم على نمطية تفكير وعيش وإحساس”، نمطية كونها التاريخ والعقيدة الدينية والدولة وما طرأ على هذين الشعبين. هل يمكنك ان تصف الإنسان اللبناني بعامة لتعرف كيف تعالجه؟ هل تتغير المؤسسات بتغير هذا الإنسان؟أجل المقدسون استثناء في كل بقعة من بقاع العالم. انهم ناموس لأنفسهم ويطبعون التاريخ ولا يطبعهم إلا قليلاً . لقد التقى كل منا رائعين في هذا البلد ولكنهم قلة ككل القديسين وقلما يفهمون السياسة. من هنا ان اشعاعهم شخصي ولا يشكلون بيئة.

لماذا توخيت علماً ووصفاً سوسيولوجياً؟ ذلك إن الوعظ والتوجيه الروحي في عصرنا أخذا يرتكزان على ما نعرفه عن الناس ولا ينزل من تعميمات. وفي حسباني انه بات علينا ان نعرف اللبناني معرفة دقيقة ليأتي الكلام الروحي مصيباً الهدف.

قناعتي ان الروحانيين – إذا وجدوا – قادرون إذا تسلحوا بالتربية وعلم النفس والاجتماع على ان يغيروا أخلاق بلد في ثلاثين أو اربعين سنة. فقد أُسند الى مُرَبّ كبير تغيير الأخلاق في إنكلترا من أخلاق شعب هائج، غضوب مثلنا، الى شعب هادىء ودقيق المعاملة وصادق وذلك منذ ثلاثة قرون ونجح الرجل في استخدام المدرسة بلوغا لهدفه.

لست مطلعاً اليوم على كتاب التربية المدنية عندنا. أمنيتي ان يكون وافر الحديث في الأخلاق لا أن يغرق في الشأن المدني الصرف ولكن المطلوب ان ينقح مناقبنا كما هي لا أن ينقح مناقب الألمان. فاذا رأى علماء الإناسة اننا مركنتيليون أو عشاق مال وتالياً مستسهلون الرشوة فيصاغ التعليم لنكافح به شهوة المال. وعندئذ نتكلم عن فرح العفة أو الترفع أو نتكلم عن احترامك للذات الاخرى بحيث لا تلوثها ولا تلوث نفسك بالرشوة.

انت تتعامل مع الإنسان الآخر من حيث هو غاية وأنت غاية وليس هو وسيلة لك ولا أنت وسيلة له. مجرد اقتناعك بذلك يطهرك ويدلك على تعاط للمال جديد. وتنتظم العلاقات بين الناس بحيث يعيش معظمهم بالعفة على هذا الصعيد ولا يموتون جوعاً ولا يفتقرون.

اذذاك يثبت للناس ان الاستقامة سر النجاح (حتى في هذا البلد فكيف إذا تنقى). إذا صارت الاستقامة هي القاعدة تكون كذلك عند العدد الأكبر من المواطنين. يتغير النمط.
قد يتطلب هذا منك تقشفاً في البدء ومراقبة للذات قوية ولكن عندما يتغير السلوك عند عامة القوم أي عندما تتكون أخلاق في المجتمع كله في باب من أبواب الأخلاق تدفعك الرقابة الاجتماعية إلى ان تلازم السلوك السوي. ليس ان المجتمع مصدر المسالك ولكنه حاضن لها ومغذيها.

أجل هناك عنصر خوف في حسن السلوك الا عند الأبرار الذين لا يخشون إلا الله. وقناعتي قارئا للعهد الجديد انه لا يخلو من عنصر الخوف ولو ساد الإنجيل المحبة. ولا خوف من الخوف لأن المجتمع في الحقيقة هو الناس الذين حولك ويحبونك أصلا. اعتقادي ان ثمة معدلاً اخلاقياً ولو تجاوزت قلة المعدل بصورة مذهلة، بطولية. هؤلاء لم تلدهم أمهاتهم. جاؤوا من الله وكأنهم هنا روحه.

الى الاستقامة قيم أخرى تتركز اجتماعياً . منها عفة اللسان النابعة من سلام داخلي ورؤية ان الناس أحباء الله وان اكرامك إياهم واحتشامك أمامهم أساسي في تكوينك وتكوينهم. أظن أننا هنا نهتك هذا اللون من العفة كثيراً وهذا ناتج من الغضب وهو بدوره ناتج من البغض. القواعد الاجتماعية هنا لا تكفي اذ لا بد من تطهّر داخلي وتزيّن بالمحبة. مع ذلك ترى مثلاً ان الشعب المصري والشعوب الخليجية أكثر عفة منا. هذه الشعوب يتخاصم أفرادها لسانياً ولكنهم قلما يستعملون الكلام البذيء والشتائم المخلوطة بألفاظ متهتكة أو جاحدة للعزة الإلهية. الغضب مع اللفظ الفاسق من أهم الظواهر اللبنانية.

أنا مراقب للحالة الأخلاقية في لبنان منذ سبعين سنة. والشهادة التي أؤديها هنا اننا في دنيا العمل كنا أكثر استقامة من اليوم وان التدهور الأخلاقي الكبير في هذا المضمار بدأ مع تدهور سعر الليرة اللبنانية السنة الـ1936 وتفاقم مع الحرب العالمية الثانية. وفي المناخ هذا كان الشعب اللبناني مقتنعا بأن القضاء نزيه وعالم. وهذا الأمر كان وضعي المهني يسمح لي بأن أتابعه شخصياً منذمنتصف الأربعينات. فالواقع يبين انك اذا كنت قابلاْ للتدهور الخلقي فأنت قابل للتحسن الخلقي. وهنا أعود إلى الوضع الاقتصادي. وأتصور ان من بذل جهداً كبيراً في انتاجه مثل الفلاح والصناعي يكون أقل تعرضا للخطيئة من المتداول المال الذي لا جهد فيه.

انت لا تستطيع ان تحيا بلا رجاء وبلا قناعة ان الفضيلة على رغم مجانيتها وفرح الإنسان بها إنما هي الطريق الأساسية للوجود المجتمعي. المدينة الفاضلة يمكن ألا تكون حلماً. بالتأكيد سيبقى شاذون. هؤلاء تؤدبهم الدولة وهذه بدورها تنمو صعداً اذا ابتغت كل الشرائح ذلك الحد الأدنى من الفضيلة الذي يؤمن استمرار المدينة فاضلة، ليست غاية الرب ان يجعل الفردوس وحده مكان السمو الروحي. غايته ان ينعكس النور الإلهي على أرضنا. لقد أعلن ملكوت الله هنا ليتحقق شيء منه في هذه الدنيا والاّ كان الدين تسلية كلامية.

من دعا الى الله وصوب الكلمة على خطايانا لا يقولها بصورة غنائية. لست أقول ان الكلمة الإلهية محصورة بالأخلاق. ولكنها ليست محصورة فقط بالإلهيات. الإلهيات ينبغي ان تطل على ما نسميه في المسيحية الرعائيات. انت تتعلم العقيدة لتعيش في ظل الله أي لتعيش منفذاً الكلمة في يومياتك بدءاً من العائلة ووصولاً الى المهنة والمعاملات. لست أدعو الى ان تنتقل الى اللاهوت التطبيقي بحيث تزيل الطابع الوجداني والشعوري عن الدين. لكن إهمال التطبيق إهمال لغاية الكلمة وهي ان نكون على مثال الله في هذه الدنيا فنرث الملكوت في النفس أولاً . ومن كانت نفسه في الملكوت هنا هو وحده الذي يرث الحياة الأبدية.

واذا انتظم المجتمع تنتظم الدولة. بينهما حركة ذهاب واياب. فالمجتمع يقدم للدولة عناصر بشرية سوية. والسلطان يقوّم الناس ويجعل بينهم سلاماً منظوراً فيما يحل الله في قلوبهم سلامه العميق.

هذا البلد في خطر الفناء اذا استمر السقوط الأخلاقي الذي نشكو منه. تحدثت في المناقب فقط عن نماذج. نحن قبل أي إصلاح في نظم الدولة في حاجة الى رؤية جديدة في حقل القيم بل في حاجة الى الإيمان بالقيم أي في حاجة الى تغيير ذهني يجعلنا نترجم الله في لحمنا ودمنا وعيوننا ونحن صاعدون على مركبة الحب.