في الرسالة الى أهل غلاطية منشغل بولس الرسول اننا لا نتبرر بأعمال الناموس الموسوي ولكن بالإيمان بيسوع المسيح. فالمسيح غاية الشريعة القديمة. فقد بطل الناموس يحييني وما حيا به احد. بالمسيح وحده صرت أحيا لله. «مع المسيح صُلبت وهو عاد حيا. فبقوّة فدائه وقيامته صرت انا حيا». غير ان الرسول يؤكّد «لا انا (أحيا)» اذ ليس في طبيعتي ما يحيي «بل المسيح يحيا في». في المعمودية صُلبت معه وقمت معه. ومفاعيل القيامة تلازمني كل حياتي اذا انا بقيت على الايمان اذ الإيمان هو استمرار المعمودية فيّ. المعمودية الدائمة هي ان يحييني المخلص بنعمته، بكلمته لأن كلامه هو الحياة.

ثم يتابع بولس: «ما لي من الحياة في الجسد (اي في كياني الروحي والنفسي والجسدي) انا أحياه في ايمان ابن الله (اي ايماني بابن الله)». الإيمان هو ثقتي بابن الله وتصديقي كلامه المحيي، فاذا انسكب روحه فيّ يكون السيد مصوّرا فيّ اذ اكون قد تركت كل ما يعاديه فيّ، كل ما يخالف كلمته ليبقى وحده فيّ. شخصيّتي النقيّة، الكاملة النقاوة هي ان اكون انا والمسيح واحدا. عندما يتحول فكري الى فكره وشعوري الى شعوره أصبح آتيا منه ومتكوّنا به ولا يبقى شيء لي وشيء له بل اصير كلي له.

ثم يأتي بولس بهذا الكلام الفريد الذي لا نجده الا في هذا الموضع من رسائله: «ابن الله الذي أحَبني وبذل نفسه عنّي».

في كل ما كتبه الرسول يتكلّم عن محبة الله لنا اي بصورة الجمع. هنا فقط يتكلّم بصورة المفرد فيقول «أحبّني أنا» اي يجعل بولس نفسه هدفا لمحبة المسيح، وتاليا يجعل كل مؤمن هدفا لمحبة المخلّص. وعندما يقول: «بذل نفسه عني (وليس عنا) يبيّن ان المخلّص يريد ان يشعر المسيحي انه هو المحبوب، وان هذه المحبة ظهرت عند صلب المسيح. انه لقد أحبني حتى الموت واشتراني بأثمن ما في الوجود اي دمه. ما أعظم المسيحية التي تقول ان كل انسان حبيب الله كليا وهذا الحب يبيّن بأن المخلّص وضع حياته من اجل كل واحد. أنا اذًا غاية الله كما أن الله غايتي.

وربما كان فكر الرسول هو هذا: اذا كنت انا وحدي في العالم لكان الابن نزل الى هذه الأرض ليفتديني ويكشف بذلك طبيعة الله وهي انه محبة. فأىًا كان وضعي الصحي ووضعي المالي او النفسي، فالمرض ليس بشيء وقد يكون تعبيرا عن افتقاد الله اياي، واشعر في المرض مهما كان خبيثًا ان محبة الرب لي تغلب كل تعب آتٍ من المرض. واذا خسرت مالا كثيرا او مات واحد من أعزائي، فالمسيح يلاصقني برأفاته وحنانه وأتجاوز كل ألم من خسارة مال او عزيزي. واذا انتابتني كآبة مضنية، فهو في وسط الكآبة وهو يرفعها عني وأتقبّل تعازيه في نفسي حتى لو طال زمن الكآبة.

المسيح فيّ وليس فقط في السماء. المسيح فيّ هو كل قوتي وكل معنى وجودي. وما عدا ذلك من الدنيا. واذا كان هو معي فأنا في سمائه ولو بقيت فيها زمنا طويلا او قصيرا.