الفكر العربي المعاصر يشكو من المؤسسة. كذلك الفلسفة في الغرب الحديثة والأكثر حداثة. وهو التعبير العلماني عن رفض ما من شأنه في الحياة السياسية ان يشبه النظام الكنسي. فكل اجتماع بشري تحميه ايديولوجية له «كهنته» كما يسميهم نصر حامد ابو زيد. الكنيسة المسيحية لا تتفرد بكونها نظاما يقوم على اساقفة وقسس ومجامع اساقفة فأسقف الحزب يسمى امينا عاما والمجمع المقدس يسمى لجنة مركزية او شيئا كهذا. وعندما قام الإنجيليون على الكنيسة الكاثوليكية رفضوا أفهومة الكنيسة بمعنى التنظيم الأرضي فلا الكاهن كاهن ولا الأسقف أسقف ولكن سرعان ما نظموا مجامع واتحادات كنائس ثم اخذوا يقتربون من الموقف التراثي الذي لا فصل فيه بين الكنيسة والروح.
الى هذا الإسلام الذي ما من أحد فيه منصب كي يقطع بما عليك ان تؤمن به وما من مجمع ائمة يقيدك وما من تفويض إلهي لأحد بالتفسير بحيث يمكن الافتراض النظري ان المسلم بعد قبوله القرآن والسنة والأركان الخمسة والإمامة عند الشيعة له حرية التفسير للكلام الإلهي. غير ان مرجعية التقليد مؤسسة ضابطة كأية اسقفية مسيحية او اكثر احيانا. الى هذا، المعرفة سلطة كبيرة ولا يختلف الا العلماء. انا في اواخر الأربعينات وبداءة الخمسينات كنت كثير الاختلاط بالاوساط البروتستنتية في باريس التي كانت تقول بكل كلمة كتبها كارل بارت. هل هذا كان اقل تمأسسا من الكنيسة الكاثوليكية؟
هناك دائما تحلق حول شخص او كتاب او «كهنة» هيكل ما وهذا على ما أرى قائم في الهندوسية ومتفرعاتها. لا اختلاف الا في الشكل وفي كثافة الضغط الذي يمارس عليك او يختلف حسب درجات التقبل عندك.
وصفنا ما يعاش ولكن اي شيء يزعج الناس فعلا؟ لنأخذ مثلا الأسقف المحلي الذي يعلم ما اخذه من التراث ان لم يكن غبيا. لك ان تقول له ان ما يعلمه ليس موافقا للتراث وان ترفع القضية الى مراجع عليا. ولكن هذا ايضا يتم واقعيا بين العلماء. السؤال الأبعد هو هذا: هل تعتبر نفسك على دين او مذهب ما بلا رجوع الى كتاب او تواتر او إجماع الرأي في فهم النصوص التأسيسية؟ هل الدين مفتوح على كل الآفاق ام ان التفسير يقف عند حد العقيدة المنقولة الينا؟ هل تبقى مسيحيا مثلا ان رفضت المسيح إلها متجسدا؟ كيف تشرح هذه العقيدة، كيف تمارس التأويل هنا عندك فسحة من الحرية. عامة الناس يتصورون ان كل آية من الكتاب لها تفسير واحد. هذا لم يكن واردا يوما فقد ظهرت مدارس تفسيرية مختلفة تتمتع بشرعية واحدة. مثل على ذلك ان قولة الإنجيل الرابع عن السيد انه «امال رأسه واسلم الروح» افهمها انا انها لا تعني حصرا تسليم الروح البشرية بل إشاعة الروح القدس على الدنيا. هذه حرية مقبولة.
الأسقف في الإداريات يبت الأمور بكامل سلطانه كذلك في امور الرعاية وان كانت الحكمة تقضي بالشورى والتأني. هناك بشر يجب ان يتعايشوا على قاعدة لجمعهم وترتيب امورهم.
على مستوى الرعاية الاوسع لمجمع الأساقفة سلطة على اعضائه وتاليا على المؤمنين. ولكن لا يعلم احد عندنا ان المجمع يتمتع بقوة العصمة الإلهية آليا. ربما كان قليل الحكمة او ظهر فيه متحيزون او قليلو العلم. في كل كتلة بشرية ثغرات. وكثير من الأمور ممكن إعادة النظر فيها وأعيد النظر فيها. اما في امور الإيمان فيقول الارثوذكسيون ان الكنيسة من حيث هي كل يؤيد وجدانها قرارا مجمعيا يتعلق بالعقيدة او لا يقرر. هذا له سوابق كثيرة. فقد رفضنا مجامع وتحديداتها. في الأخير الروح القدس يشهد لنفسه في كتلة صغيرة من الناس او فرد واحد ضد مواقف مئات من الأساقفة. ليس أحد عنده مسبقا وعد عصمة. إجماع الأمة المقدسة دليل الحقيقة. هذا فيه مخاض. واليقين يتضح بعد المخاض.
اظن ان الذين يتعرضون الى ما يسمونه هم السلطة الدينية انما يفعلون ذلك تأسيسا على التحجر العقائدي dogmatisme القائم في الأحزاب اولا وفي كل ميادين المعرفة من فلسفة ونقد ادبي وصراع مؤرخين. القصة لا تأتي من طبيعة الدين من حيث ان فيه نفحات إلهية. فهناك النص الديني وهناك قراءة النص اي القارئ او القراء المجتمعين في الصلاة. هناك نواة ايمان هي شرط القراءة والا كنا في اللادين. عندك منطلقا سلطة النص ولكن عندك روحية المتلقي. وفي المسيحية واضح انك امام الكلمة ولكنك ايضا مع الروح الإلهي الذي فيك والذي كان في آبائك وتكلموا تأسيسا على تلاقي الكلمة والروح فيهم وفي الجماعة. من هنا ان القول بأن هناك سلطة في الكنيسة تكبل قليلا او كثيرا قول غير صحيح لأن الكنيسة ليس فيها سلطة بالمعنى الحقوقي حيث الدولة تفرض قوتها على المواطنين. الكلمة اليونانية المستعملة في الإنجيل وعربها آباؤنا سلطة او سلطان تعني القدرة او القوة اي قوة الروح. فالذي استنزلنا عليه الروح ليرعى وكانت حياته مطابقة للكلمة وبدا قلبه وعاء للروح انت تطيع القوة الإلهية التي يحمل ولا تنصاع لسلطة خارجة عن الجماعة التي انت ايضا حامل تراثها.
فاذا لم تكن حاملا الكلمة او ما كنت وعاء للروح تحول انت مقامك الى مؤسسة اي الى ترتيب موضوع غير قابل للنقاش. انت تمؤسس المقام الذي كله اصلا روح. المؤسسة ينشئها الناس الذين فيها لأنهم يحولونها الى مزرعة لهم ولو راقية اي يسيسون ما كان إلهيا وبدل ان يكون الرئيس الروحي نبيا بالمعنى الذي يعرفه العهد الجديد اي مبلغا كلمة الله بقوة وحدة يقدم نفسه للطائفة معبودا. وهذا يجري في الأحزاب وقد نحتت هي عبارة «عبادة الشخص».
ليس من سلطة الا للخدمة والخدمة تتم في امحاء. حربكم يا ثائري الفكر الحديث والمفككين كل شيء هو ليس على «السلطات الموضوعة» ولكن على المتسلطين. فمن ترونهم في السلطة الدينية مثلا قد يكونون اقرب الناس الى الوداعة وأبعدهم عن التمسك بحقوقهم وقد لا تميزهم في اخلاقهم عن البسطاء الطيبين.
ليس من شيء اسمه دور اذ ليس للنبي دور تحكمه رسالته. طبعا اذا كبرت الهوة بين الاخلاق والرسالة التي نحن مكلفوها تقع الكارثة وتنشأ المؤسسة اي رؤية ان ثمة اوضاعا وترتيبات انت خاضع لها بحكم ذاتها او حكم ذاتك. ولكن هذا ناتج من المأساة. اجل في الكنيسة كهنة مرتزقون. وفي الحزب ايضا وبين المثقفين «كهنة» مرتزقون. ليس احد اليوم ينتمي الى المؤسسة (السياسية هنا) كما ينتمي اليها المثقفون وهم الذين يطلبون الحرية.
والسؤال هو الى اين تسير هذه الحرية. ما يمزق الأحشاء ان ترمي كل شيء لتطالب بحريتك (وهناك كهنة الحرية) لأن هذا لم يكلفك عناء البحث والنقد الحقيقي العظيم للمؤسسة. المؤسسة كلمة ترميها لتقول بلا رقيب ولا حسيب ما تريد قوله وقد يكون فيه هدم ولا يقلقك هذا لأنك تعزي نفسك بأنك تهدم بحرية ولا تعزي الآخرين بأنك تبني لهم شيئا جديدا. واذا تفحصنا بدقة ما تقوله ضد المؤسسة نلحظ ان غيرك قاله لأن معول الهدم واحد في الأزمنة كلها.
لا بد في الاجتماع البشري من تنظيم وكل تنظيم يحمل في طياته خطره. ولا يسع المجتمعات ان تعيش بمجرد العفوية. هذه روح لها ان تكون إلهية وقد تكون إبليسية. فالعافية قائمة على الجدلية بين المؤسسة والروح التي تسائل كل ما هو موضوع. الإنسان الحي والمنتعشة حيويته دائما يصحح ما في المؤسسة من طاقة جمود حتى تضيق الهوة بين الموضوع والذات. والتراث الذي استلمنا من الأقدمين يراقب اتجاهات الذات حتى لا تأتي الحرية بلا مضمون او حتى يستقيم اتجاهها. ليست الصحة في مجرد الحرية ولكن في قيام هذه بالحق على ما قاله يسوع الناصري: «وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يوحنا 8: 32). الحقيقة ليست في الخيار بين المؤسسة والحرية او الإبداع. الخيار هو بين الحق والباطل واذا كان ما يسمى مؤسسة احتقارا يحمل الحق فأنت مع المؤسسة. الإبداع ليس الخير المطلق. فالخطيئة مبدعة واغراؤها اعظم إبداعا. الله وحده «بديع السماوات والأرض» (سورة البقرة، الآية 117) لأنه يخلق الأشياء من حقيقته وهي خيرة. واما نحن فننشئ الفكر والعمل من واقعنا النفسي الذي هو خليط حسن وقباحة. هناك حرية واحدة سليمة وهي «حرية مجد اولاد الله» (رومية 8: 21) اي الذين انعتقوا من الخطيئة على ما قاله بولس ايضا: «فاثبتوا اذًا في الحرية التي قد حررنا المسيح بها ولا ترتبكوا ايضا بنير عبودية» (غلاطية 5: 1). فالتقابل ليس بين المؤسسة والحرية ولكنه بين التحرر من الصلاح والتحرر من الشر. ليس المهم ان نخلع الملوك عن عروشهم. المسألة هي اي ملك نريده على عرش فكرنا وسلوكنا. هل شوقنا الى الله سيدا على نفوسنا ام شوقنا الى ان يعلن كل منا نفسه ملكا.
اجل الثورة ولكن على اي شيء؟ الثورة حركة وليست مضمونا. المهم ان نكسر الأصنام غير اننا ننسى احيانا الأصنام فينا. الهدف الكبير ليس خلع الملوك بل حطم الاوثان المعششة في النفس. هذا خطأ كل الثورات ان تعتقد ان تحسن البشرية يكون بإبدال حكم بحكم. الثورة الكبرى هي ان تجلد نفسك لتعبد الإله الحي.
