الصدق شجاعة، ثقة بقوة الله الكافية لتحميك. والصدق واجب حتى لا يتأذى الآخر. قد لا يؤذى الآخر بالكذب، ولكن صاحبه يؤذي نفسه. الكذاب يظن أنه ينجّي نفسه من ورطة. وهذا ينجح به مرة أو بضع مرات. ولكنه في الأخير يفشل لأنه يفتضح. يبقى السؤال: هل تجوز الكذبة البيضاء أي التي لا تضرّ بأحد؟ الحقيقة أنها تضرّ دائما بصاحبها لأنه يتقزم إذ لا يواجه. تَسامَحَ آباؤنا النساك باستثناء واحد لمّا قالوا أن الكذب يسوغ في حالة واحدة إذا كان الصدق هو الذي يؤذي، وأعطوا مثالا على ذلك كأن يدخل عليك إنسان خائف يلاحقه مجرمون. لك أن تقول في هذه الحالة: هذا المجرم ليس عندي.

طبعا إذا ائتُمِنتَ على سرّ فعليك أن تحافظ عليه. مثلا إذا عرفت عن مرض فتّاك أخفاه الطبيب عن مريضه أو إذا عرفت أسرارا تتعلق بحياة زوجية، هذا أمر يجب فيه التكتم.

الصدق يجعلك مرجعا فيطمئن الناس إليك وإلى معاملاتهم معك. وفي اطمئنان الناس سلامة لهم وحُسْن معشر.

ما الكذب في الكلام؟ هو أن تعرف حقيقة أمر وتقول العكس. يمكن أن تكتم الأمر على من ليس له حق معرفته. ولكن لا تكتم شيئا على المسؤول، لا عن السلطة السياسية إذا اطّلعتَ على ما يضر بأمن الدولة، ولا عن السلطة الروحية إذا عرفتَ مثلا أن الرعية متضررة من عدم أمانة في إدارة شؤونها المالية أو أن فيها شغبا قد يؤذيها أو يؤذي الكاهن. الذي عليه مسؤولية الإصلاح له حق الاطلاع على ما يجري.

وقد يكون الكذب لا كلام فيه. هناك موقف كذب وحالة كذب. فمن خان الوطن أو خرّب في مصلحة أو دمّر حياته العائلية هو في حالة كذب. إنه يسلك مسلكا كاذبا. بهذا قال صاحب المزامير: «أبغضتُ كل طريق كذب». سفر الأمثال يتكلم عن هدية كذب. سفر الرؤيا في حديثه عن الكنيسة السماوية يقول: «لن يدخلها شيء نجس ولا فاعل قبيحة ولا كذب». هناك إذًا فعل كذب. هذا كما يؤكده ارمياء النبي بقوله: «كل واحد يعمل بالكذب».

هناك القَسَم الكاذب والنبوءة الكاذبة. هناك الشاهد الكاذب المدمّر لبيوت الناس وصيتهم ومصالحهم. السيد يقول عن الشيطان أنه «كذاب وأبو الكذاب».

هذا هوى من الأهواء الخطرة. والمَخرج منه ممكن فقط بالمسيح. إن كان فيك هذا الضعف فاطلب الصدق من المسيح. تشبَّهْ به فإنه كلّم الفريسيين والكتبة بالصدق وكانوا خطرا عليه. عند محاكمته لم يخشَ رؤساء كهنة اليهود وقال لهم أنه ابن الله وما أخفى هذه الحقيقة التي كلّفته حياته.

وبسبب الصدق ذهب المسيحيون في كل جيل إلى موت الشهادة. كانوا قادرين أن يبقوا على قيد الحياة لو كفروا. ولكونهم قُتلوا بسبب صدقهم نحيا نحن اليوم. نحيا من شهادةٍ لهم وطّدت الكنيسة.

الصدق في الكلام, في الموقف، في الشهادة، تلك هي قوّة المخلّص فينا. مَن أراد يسوع يسلك كما سلك يسوع.