في الكنيسة البيزنطية قرأنا الأحد قبل الماضي من انجيل متى مثل الابن الشاطر او الضال ويرصف الانسان نفسه مع هذا الفتى الذي أخطأ الى أبيه وغادر البيت واستهتر عائشا بالخلاعة. الكلمة العربية بحد نفسها تذكرني بالانخلاع عن الحب الأبوي الذي يكتنفني به ربنا مهما كان ضلالي. كلنا يعرف الخطيئة ولا يعرف كيف جاءته وقست عليه الا عند توبته. المثل الانجيلي حكاية يؤلفها السيد والسيد أديب في بشريّته يبسط الحقيقة الى البسطاء ليفهموا ويرتدوا والى علماء الدين كيف فهموا ايضا وتقوى قساوة قلوبهم. المثل ينشر الانجيل في الطاهرين ويقلق الذين آثروا الدنس وهم يعلمون.
اما الاحد الماضي فرسم يسوع قصة اخرى يتحدّث فيها عن الدينونة التي يقوم هو بها. يقول السيد انه يجلس على كرسي مجده. لا فرق بينه وبين المجد. “وتجتمع اليه كل الأمم”. ولفظة “امم” مصطلح يعني هنا البشرية كلها ويدان من ظن انه ورث الشريعة وانها تزكيه. الشريعة تفضح فقط شقاءنا وتلزمنا الرحمة لنخرج من هنا وفي يوم الدينونة لا يدخل احد ببرارته ولكنه يدخل بالرحمة. هذا تعليم آبائنا النساك الذين جاهدوا حتى الموت ورأوا انهم “لم يصنعموا شيئا صالحا على الارض” وان الحنان الالهي فقط ينشئ فيهم ذلك البر الذي يجعلهم من ابناء الملكوت.
المسيح ديان لأنه الضابط الكل. وكان على الكل ان يعرفوا انهم في يديه “الطاهرتين البريئتين من العيب” ولكنهم آثروا الدنس وهم في يديه. غير ان ثمة من وجد في الرب لذته وآثر عشرته على كل عشرة اذ يقول الكتاب ان الديان العادل يميز بين مَدين ومَدين، بين محب الله وعدو الله واذا خاطب المعلم الصالحين من الناس يقول لهم: “كنت جائعا فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني” الى آخر حسنة تقوم بها .
ان يتماهى يسوع والانسان وان يجعل نفسه عديلا للجائع والمريض والسجين تعني انه لما ارتفع الى السماء لم يهمل اهل الارض لأن ارضهم بلا سماوية فيها تعود الى الظلمات الاولى التي كان عليها كون كان كقبضة يد ففجره شعاع من نور. لقد دخل الله الى هذه الأرض ليبيت فيها فيجعلها منبسط ضيائه.
واهل الارض الذين يؤثرهم المسيح هم الفقراء الذين ايقنوا انه هو غناهم. ليس المحروم بحد نفسه مباركا ولكنه هو الذي اقتنع انه خسر حرمانه لما ربح الله. أصوفيا كان خطاب يسوع للمستضعفين ام لم يكن ليس هذا هو المهم. الأهمية كلها ان السيد المبارك اذا نظر الى اهل الارض انما يوحد نفسه بهؤلاء الذين لم يساوهم الكبار بهم، الذين استأثروا بكنوز الأرض التي اذا احبها احد يحب نفسه. يمكن ان تكون بلا علم، بلا قوة، بلا جمال، بلا ولد. افلاطون، شكسبير، دوستويفسكي، المتنبي انبهرنا بالتماعاتهم. هذه انسكابات بهاء. ولكن بهاء الله المشع في السماويات وضعه الله على وجه الفقراء والمرضى والمرميين على الآفاق كلها. كل شيء هم الضغفاء الذين تقبلوا الضعف الإلهي ليس من فوق الى تحت ولكن على مد الدنيا والتاريخ وفوق التاريخ.
# #
#
بالمقابل يقول السيد للصف الذي كان لاهيا بنفسه: “اني جعت فلم تطعموني… غريبا فلم تأووني… مريضا ومحبوسا فلم تزوروني”. يتعجبون كيف هذا: “متى رأيناك جاءعا او عطشانا او غريبا او عريانا او مريضا فلم نخدمك”. ظن هؤلاء الأغبياء ان يسوع بعد ان احتجب عن الانظار بارتفاعه الى السماء ترك الدنيا فارغة منه. يقول اللاهوت الارثوذكسي: “الخطيئة عدم الحس”. ان ترتكب هنات، ان تضعف نتيجة شهوة فهذا من ضعف الرقابة على نفسك. لا يعني هذا ان هذه الامور ليست رهيبة. ولكن هم يسوع الاول هو الآخر واذا مررت به ولم تره فأنت عديم الاحساس وخاطئ تحديدا.
سأل بعضهم واحدا من الناس ذا مسؤلية ساطعة: اذا كنت محتاجا فلماذا لا تطلب. سمعته يقول: هم يرون حاجتي واعرف ان الطلب لا يتضمن بالضرورة شكوى ولا هو ذل ان اقمنا على الأخوة. ولكن الأجمل ان ينظر القوم اليك ويروك على حاجة ويشاركوك ما في ايديهم. عندئذ تحس انك وإياهم على مستوى واحد وتشاهد انهم شاهدوك. ولست تنوجد برؤيتهم ولكن برؤية الله الذي فيهم. الله، اذ ذاك، معطيك. جعلك الله في مرتبة لما جعل الحب يدفق عنك.
عندما لا تشاهد المحتاجين انت تشاهد نفسك. تعتبر نفسك ممتلئة بذاتها لا بسكن الغير فيها. لا تعرف ان الآخر هو بالآخر. ولا تعرف ان ثروتك كلها والتراب الذي تدوسه واحد بعينَي الرب. اعرف كاهنا مسؤولا فهيما. قيل له: فلان في المستشفى يطلب ان تزوره. ما كان عالما بحالة المريض ولعلها لم تكن سيئة آنذاك. فلم يذهب ومات صاحبنا في تلك الليلة. ماذا كان المريض محتاجا اليه ليسمع؟ ما قوة التعزية التي كان من الممكن ان تنسكب من الكاهن الى قلب ذاك؟
# #
#
لماذا نقرأ هذا الفصل الانجيلي بضعة ايام قبل الصيام؟ هذا لندل على ان الصيام له: بعد عمودي وهو العلاقة بالله بالصلاة والإمساك والتركيز على الشأن الروحي والبعد الثاني الافقي وهو ان نحب قريبنا كنفسنا اذ لا تقدر ان ترى الحضرة الالهية فيك ما لم تحب الإخوة جميعهم ولا سيما المحتاجين. هناك طبعا تقشف وإمرة الانسان لنفسه بضبطها وتنقيتها والا جاء الصوم مجرد حمية. من الواضح ان شيئا من المبتغى ان تقمع ثورة الجسد على الكيان البشري الكامل حى لا ينخرط هذا ويتجزأ او يتبعثر وقد علمنا فرويد الكبير ان كل اللذائذ البشرية مرتبطة بعضها ببعض. ولذة اللسان هي على طريق هذا الانفلات.
غير ان اهم ما في صومنا ان نحرم انفسنا الطعام كليا في بعض من النهار، وهذا يختلف بين كنيسة وأخرى وكم كنا نتمنى لو تمسك كل المسيحيين بهذا الانضباط الذي تسير عليه الكنيسة الارثوذكسية من القرن الرابع الميلادي. لنا في هذا خبرة نقدمها لكل اخوتنا في المسيح حتى يزدادوا قوة ونسكا.
# #
#
الصوم مرتبط اذًا بالعطاء، بالمشاركة. انت تعطي الفقير مالك فيعطيك الرب حبه. وهذا لا يغنيك عن العطاء الموصول كل ايام حياتك على قاعدة انك مؤتمن على ملك الله الذي هو وحده الملك.
الكنيسة المسيحية لم يبقَ فيها نظام التعشير قانونا ولا مانع ان يتمسك به من يشاء. ولكن اعطِ بكرم كبير. هذا يروضك كثيرا على المحبة.
# #
#
اما الدينونة التي صورها متى بهذا الشكل فقد قال عنها دستور الايمان: “وايضا يأتي ليدين الاحياء والاموات” ليس ان ابرز صفة في الله كونه ديانا ولكن لنوحي بأنه لا يستقبلنا الا بعد ان يفحصنا ونرى انفسنا عراة امامه بمعنى ان نحس بخطايانا الطوعية والكرهية وذلك على هذا العمق الذي يجعلنا الله فيه فنرتجف كلنا ونسترحم وتنقلنا اليه الرحمة لنجلس حوله مع جميع القديسن. في تعليمنا طبعا ان والدة الاله لا تدان لأنها ساكنة في المجد والشهداء يقيمون منذ الآن في المجد وشهادتهم دمهم.
في كنيستنا ندخل منذ الاثنين القادم الصيام الكبير فنرفع اللحم والاجبان عن موائدنا والذي لا يمارسه او يمارسه قليلا فقد فوّت على نفسه ذوقا لله كبيرا وبهاء لوجهه عظيما. وابتغاء ذلك نكثف الصلاة ونحن العارفين بها نحس انها تغنينا عن طعام ولا سيما عن الطعام الذي نستلذه. اجل “ليس ملكوت الله طعاما وشرابا بل بر ونسك مع قداسة”. الإمساك وسيلة والصلاة نفسها وسيلة غير انهما وسيلتان لكي ندرك البر مع القداسة. هذا ما نقوله في سحرية الأحد الخامس. ولكن لولا العطاء لا تكتمل القداسة. ولهذا بعد هذا الكلام تؤكد الكنيسة في آخر ترتيلة من الأحد الخامس: “المتنعّم بالرب والسالك في نوره هو لا يعثر”.
هذا كلام في العشق الالهي. هذه معمودية بالنور. لذلك كان الموعوظون اي الذين يستعدون لاقتبال النور كله بالعماد كانوا يعتمدون في ليلة الفصح. كل خدمة الهية عندنا بسط لمعاني الفصح هذا الذي نعبر فيه مع المسيح الى السماء. نحن ليس لنا هم آخر. واذا حققناه حسب مشيئة الرب وكلمته ووصاياه فنحن منتصبون – منذ الآن بالروح- امام عرشه الإلهي. وعندما يجيء الرب يسوع ثانية الى العالم لا نصوم ولكن نقيم معه العرس الى الابد.
بطريقة سرية يقول لنا المخلص في رياضتنا السماوية: “انا آتٍ على عجل” (رؤيا 20: 22) واذا صمنا حقيقة وفي صدق وحرارة لنا ان نقول له: “تعال ايها الرب يسوع” انه يجيء في كل رياضة لنا نقوم بها ليقوى حبنا له.
