في لسان العرب الصدق نقيض الكذب. ويبدي هذا التعريف القاموسي ان الكذب أكثر شيوعا لأن الكذب سببه الخوف، ومنه خوف العقاب عند التلميذ أو الموظف أو اي خائن لأية أمانة أو المرتكب لأية معصية أو الواقع في أي مأزق. هؤلاء كلهم مركزون على الأنا التي تبغي إنقاذ نفسها أي الاستفادة من هذه الدنيا. وفي هذا قال الأعشى: «فصدقتها وكذبتها/ والمرء ينفعه كذابه». وهل الخطيئة، كل خطيئة، غير الاستمرار في ما نحسبه الوجود، هذا الذي يظهر ويجعلك قائما في أعين الناس الذين هم من الدنيا وقد ارتضوها مسكنًا لهم أو مسكنًا فيهم.

أما الصادق فهو الذي انتصر على الخوف لأنه يحيا بالحق ويقوله. هو الذي يقابلك ويعايشك برؤيته أو بهذا الإله الذي يحييه. هو قائم في اليقين ويؤمن ان عليه ان ينقله الى الآخر ليحيا هذا به بدوره اذ الحقيقة مشتركة ولو اكتشفها واحد. الأنا عند هذا الانسان ليست منغلقة وتنوجد من انفتاحها على الأنا الأخرى، الصادق يدرك انه يتكون ليس فقط بمعرفة الحق ولكن بانتشار الحق. فاذا أتيت من الحق الذي تعرفه تشتهي ان يأتي منه الآخر. في النهاية الانسان الصادق رسالي، مسكوب ويعرف أن الله نصيبه اذ قد يأتيه الضر من اشاعته للحق ولكنه يعرف انه لا يثبت الا في النور ولا يهمه الا ان ينزل عليه البر من الضياء العلوي.

واذا نحدرنا من الرؤية الى الأرض يمكن تصور سوسيولوجية الكذب. لماذا يقول المتنبي: «لا تشتر العبد الا والعصا معه»؟ لا شك في ان الوضع الاقتصادي يلقي ضوءا على الطبائع. ما من شك في ان مجتمعًا ينتج عبيدًا بظلمه أو اشباه عبيد يدفعهم الى التملق والاختباء واخفاء بعض تصرف ما من شك أيضًا في عالم اليوم في ان المجتمعات التي تعيش على شيء من الرخاء أقرب الى الصدق في مجال التعاطي العام ويبقى اخفاء الخيانات في الحياة الخاصة. يبقى وضع التقرب من اكابر القوم للحصول على منافع أو للتسابق في المرافق السياسية في الحزب الواحد. ويبقى في المجتمعات الكنسية وهي قائمة على الهرمية ان يتقرب الادنى الى الأعلى بالكلام المنمّق او المديح. الترقية في تجمعات كهذه ليست مبنية فقط على الفضيلة ولكن على بعض من تحزّب وتكتّل لا علاقة له بالله.

#  #

#

عظيمة هي تعزية من يرجو قولاً صادقًا من صاحب مقام واستمرار الصدق عنده. انت تتقوّى دائمًا بانسان ركن أو ببعض من أركان لتخرج من ضعف أو حيرة وليزداد صدقك.

واذا عثرت على صدق في بيئة ملوّثة بالكذب تتشجع كثيرًا ويقوى رجاؤك. يبدو ان الكثيرين لا يحلمون ان يختار الصادق له مقامًا في الوسط السياسي. أنا لست مختلطًا بهذا الوسط ولا أميل بطبعي الى أن أدين أحدًا ولكن في متابعتي صحيفة أو صحيفتين والإعلام المرئي كل يوم، يتبين لي أن هذا أو ذاك من أهل السياسة ينقض نفسه في فترة وجيزة جدًا لم تتغيّر فيها الأحوال السياسية ليتخذ موقفًا معاكسًا بالكليّة في يوم آخر.

أفهم أن يتوب ناشط سياسي، أن يتراجع عن مواقف سابقة بصراحة كاملة ولكن المواطن يحتاج الى أن يسمع لماذا يخطئ هذا السياسي وبماذا يخطئ نفسه في مواقف له سابقة، ذلك إن تسبب بأذى للأمة كلّها ولا يكفي أن يقول: «عفا الله عما مضى». الله لا يعفو اذا استغفرته فقط. يعفو اذا فضحت سلوكك الماضي ببساطة وتواضع وفسّرت طريقك الجديد وأثبت صدقك. يجب أن تعرف الأمة كلّها سبب قناعاتك الجديدة.

السياسي لا يخرج اذا كذب عن القاعدة العامة. انه يكذب لأنه يخاف. ان يكذب النائب لإصراره على العودة الى المسؤولية الحاضرة يعني انه يخاف على أن يبذل نشاطًا خارج النيابة يكفيه وسائل العيش. ان يتملّق الأعلين من القوم بغية الوصول الى مقام أعلى يعني أنه يسعى الى منافعه الخاصة. لما قال يسوع الناصري: «ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا» أرسى قاعدة تقيّد الجميع بالصدق في كل ظرف وفي كل زمان. وغاية القول ان تريد النعم اذا قلت نعم وان تريد اللا اذا قلت لا.

#   #

#

سياسة أيضا هي الحياة العادية عند أصاغر القوم وأكابرهم الذين يجب أن يتعايشوا بصدق حتى يطمئن أحدهم الى الآخر ويأمن مسيرته في الوجود. أنا عشت زمنًا قديمًا في لبنان حيث كنت تستدين مبلغًا كبيرًا بلا كتابة سند وكنت ترد المال في حينه. كان جو الصدق في ذلك الزمن مسيطرًا على المعاملات واذا أردت أن تدعم قولك كنت تقول: «فلان قال لي كذا وكذا». لم يكن هذا مستغربًا وما كان أحد يظن أنك انسان ساذج.

أنا لست أقول إن الصدق يفرض عليك التصريح بكل ما تعرفه. الصراحة فضيلة اذا وجب التصريح، والكتمان واجب في مقامات الكتمان. انت لا تخبر بأخبار الناس في ما يؤذيهم ولكنك تشهد حيث وجبت الشهادة على ما قاله بولس: «الايمان بالقلب يؤدي الى البر، والشهادة بالفم تؤدي الى الخلاص» (رومية 10: 10). لذلك أوجبت المسيحية الشهادة حتى الدم حتى لا تقوم هوّة بين القلب واللسان أي حتى لا تقع الشخصية في فصام. الموت، اذذاك، يصير فيك وفي الآخرين حياة.

واذا ساغ السكوت عن بعض من وقائع لأن السائل قد يكون فضوليًا بلا مسوغ فلا يحق لك ان تخفي الحقيقة الالهية اذا طلبت اليك لأن من واجبك أن تدعو اليها لكونها تخلص.

أجل في الكتابة أو القول لك احيانًا أن ترجئ قول الحق الى حين اذا كان الآخر لا يستطيع تحمّله. قد لا تصد الآخر صدًا كليًا ولكن لا تشوّه الواقع. قد تنتظر في تخطيط حكيم خلاص الآخر وقتًا مناسبًا لتنبيهه أو تنتظر وصوله الى نضج عاطفي أو ذهني لتقول له الحقيقة كاملة. هذا من باب رعايته وحبك له. أعرف ان الخيار بين المواجهة وإرجاء القول صعب جدًا… ولكن أذا كنت مليئا بالنعمة الالهية ومتروّضا على الشهادة يلهمك الله أن تؤدّيها في زمن مبارك.