فيما يتناهى رمضان وفيما يعيد المسيحيون للقديس انطونيوس الكبير اليوم شعرت انه قد يكون عليّ ان القي جسرا بين المسيحية والاسلام في اقتضاب كتابة صحافية. لعل ايضاحي بعض نقاط يسعفنا في تأمل مشترك.
أولا: نحن لا نحث أحدا على الرهبانية ولا ندعو شخصا معينا اليها. وفي طقس الترهب في الكنيسة البيزنطية ويتضمن قص الشعر يسلم الاسقف مقصا الى المريد ويقول له: “خذ هذا المقص وادفعه اليّ”. يقولها ثلاثا ليكشف ان الامر طوعي.
الامر الثاني: ان البتولية (أو العذرية المنذورة) لا تلازم الكاهن الشرقي وهو في الرعايا متزوج دائما ما خلا حالات استثنائية جداً. أما الاسقفية فما لازمتها البتولية عندنا الاّ أواخر القرن السابع. وهذا اتخذناه بقرار اداري لا علاقه له بالعقيدة ولنا ان نعدّله بالطريقة نفسها. وفي الكنيسة الغربية نفسها حيث الكهنة متبتلون هذا عندهم من باب ما يفهمونه منفعة رعائية لا ارتباط لها بالعقيدة.
الامر الثالث: ليس عندنا كلام في الرهبانية في العهد الجديد من قريب أو بعيد ولو أبدى بولس رغبة شخصية في التبتل لمن ليس في حال تُحرق. في حال كهذه يوصي بالزواج (1 كورنثوس 7). اما من كلام يسوع التاريخي فلا يمكن استخراج الرهبانية.
لقد حلت تاريخيا في القرن الثالث الميلادي في مصر وسوريا في فترة واحدة في اعتقادي. طبعا لم تخرج من العدم. كان هناك نساك متبعثرون وارتبط ارامل بعدم الزواج تقربا والتزام صلاة. غير ان الحركة القوية التي ظهرت مع انطونيوس الكبير كانت نشأتها في هذا الالحاح الشديد عنده على اداء الانجيل اداء شهادة يطهّر به نفسه ويكون للآخرين نداء. كان انطونيوس حزينا على كنيسة الاسكندرية وهو فيها، حزينا على سقوط الامة في البذخ والتبرجز والابتعاد عن جدية العهد الجديد. كان يمكنه مثل الدعاة السطحيين ان يذهب الى الجماعة ويلومها ويوبخها على وثنية تجددت فيها. ما فعله انطونيوس انه اراد اصلاح نفسه عسى يتجدد بها الآخرون. كان عنده ما نسميه روح النبوءة. اعرض عن التوبيخ الكلامي في سلوكه القداسة.
# #
#
قال انا أفرض الشدة على نفسي. انا آخذ هذه العظة على الجبل كما وردت في الخامس والسادس والسابع من الفصول عند متى وانفذها في تمامها اذا هبطت علي نعمة في الصحراء جنوب القاهرة. وقد يلتحق بي من اشتهى هذا الكمال من غير ان ننشىء ديرا للرهابين (هذا جاء في ما بعد) نرتبط بحماستنا ولا نتقيد بنذور قانونية. هذا جاء في ما بعد ايضا لما تحولت الحركة مؤسسة.
هذا لم يكن هربا من العالم. هذه كانت قراءة من ذمّ الرهبانية في الازمنة اللاحقة. المهم ما كان في صدور تلك الشبيبة التي عاشت في هذه القداسة المذهلة هناك وفي الشمال السوري بين حلب وانطاكية.
انا ما جئت هنا مزكيا الرهبانية بما انتجته من حضارة. ما جئت لاقول ان معظم ما عندنا من عبادات شرقا وغربا نحن مدينون به لها بما في ذلك من شعر ولحن. لست أريد ان أقول ان الكثير من الحضارة البيزنطية يأتي من الرهبانية وكل حضارة الكرج (الجيورجيين) والارمن والسريان انحدرت منها وكذلك التمدين الاول لروسيا واوروبا الغربية. هذا كله ثمار. انا ما يهمني النسغ ويبقى على سقوط بعض وتفه بعض. تهمني الحرارة الروحية المبدعة المتطلبة كثيراً.
نحن المسيحيين العرب على تقصير كبير عندما لا ننشر كل ما عندنا من تراث. ولست أسعى الى مقارنة الميراثات الروحية العظيمة هنا وثمة ولكن من عني بقراءة الادب النسكي عندنا أأخذ به ام لم يأخذ يجد جدية رهيبة في وسائل الترويض لرفض الرذائل واكتساب الفضائل. يلمس كم اهرق الرهبان من دم -اذا صح التعبير- ليأخذوا روحا. يعرف البذل الرهيب الذي بذلوه لتتنقى انفسهم من الحسد والبغض وكل لون من الوان الاستهتار الخلقي ليتمكنوا من محبة الناس ويخدموهم بتواضع ووداعة مذهلين. ما من شك أن أعدادا غفيرة دخلت بلا وعي كاف أو سقطت من بعد دخول. ولكن ما كل هذا ازاء الطراوة العيسوية في سلوك الكبار؟ ما كل العيوب ازاء الاثيرية المقرونة بمعرفة النفس البشرية وانقاذها من ظلمات الخطيئة.
# #
#
أقف عند هذا الحد لاصل الى الاسلام الذي ديره رمضان. في سورة الحديد يذكر القرآن عيسى بن مريم فيقول: “وأتيناه الانجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الا ابتغاء رضوان الله” (الآية 27). المعنى اللغوي واضح. الله هو واضع في القلوب الرهبانية معطوفة على الرأفة والرحمة. أما قوله ابتدعوها فهذا عينه ما قلته في مستهل هذه الكلمة بمعنى ان النفحة الالهية هذه لم تنزل في الانجيل لكن البشر من بعد نفحة الهية اتخذوها ابتدعوا هذا الشكل ابتغاء للرضاء الالهي. واما قول الآية: “فما رعوها حق رعايتها” فهو ايجابي من حيث المؤسسة بمعنى انه كان يمكن ان ترعى حق رعايتها لكن البشر افسدوها. القرآن ليس اذاً ضد استلهام الرهبان للرهبانية لكنه ضد تلويث البشر لها.
ازاء ذلك عندنا موقف ايجابي في التنزيل القرآني من الرهبان انفسهم وليس فقط من الرهبانية اذ يقول: “ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون” (سورة المائدة، الآية 83). عن هؤلاء انفسهم يقول في الآية اللاحقة: “واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع”. اما الحديث الشريف: “لا رهبانية في الاسلام” فيقول بعضهم انه حديث ضعيف انا لست مؤهلا لنقاش ذلك. ولكن مهما يكن من أمر ثبوت الحديث فهو لا ينفي عن المسيحيين حقهم في الرهبانية.
إلى جانب ذلك تكلم القرآن عن الاستعفاف وذلك في قوله: “من كان غنيا فليستعفف” (النساء 6) وكذلك: “ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا” (النور 33). وعن النساء القواعد يقول: “وان يستعففن خير لهن” (النور 60). بالاقل يعرف الاسلام حالات استعفاف بمعنى انه لا يكره العزوبة في كل الاحوال.
هذا لاخلص الى القول ان الاستعفاف في المسيحية والاسلام حال ممكنة وانه ليس في الحقيقة بيننا في هذه النقطة اختلاف يبرر سجال المتساجلين. نحن في الرهبانية لا نقول غير ما جاء في القرآن: “وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور” (آل عمران 185) ومتاع الحياة الدنيا في الاسلام هو الى حين. لا نقول في المسيحية غير هذا.
اما وقد أوشك رمضان ان ينصرم وهو رهبانية المسلمين وحان اوان الفطر فابتهالي الى الله ان يكون كل يوم من أيام المسلمين عيداً يهبهم ربهم فيه كل عز ويمن ويجعل فيهم رأفاته ومراحمه وان يكون لهم في ارضهم والجنات من بعدها مساكن طيبة وألا يضرب عليهم الذلة ويصير موئل قلوبهم يتطهرون به وان يجعلهم في دروبهم اليه أعزة مقيمين في حنانه ولهم منه رضوان كبير.
وفرحنا نحن في الفطر ان نطلب لنا ولهم ولديارنا الواحدة السلام وان ينزع عنا وعنهم في هذه الدنيا شقاء البؤس والاستضعاف حتى ندعو لنا ولهم دعاء عيسى بن مريم: “اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وأية منك وارزقنا وانت خير الرازقين” (المائدة، الآية 114). اللهم اجعل في عيد الفطر المطل مائدة لجميع المؤمنين بك وللجائعين حتى لا يموت أحد قهراً ولينعموا بك يا من بيده ملكوت كل شيء.
فيما يفرح اليوم بعض ويفرح غداً أو بعد غد بعض ردنا ربنا الى وجهك الكريم.
