الكلام على الحرب يأتي من حبنا للسلام، والمسيح عند بولس هو السلام. الكنيسة الارثوذكسية لم تعلّم يوما ان هناك حروبا شرعية، ومن باب أولى لم تعرف هذه العبارة الجديدة “الحرب الوقائية”. وهي عبارة تستر بها الدولة المعتدية أطماعها وتشنها بسبب من خوف مزعوم. على المستوى الفردي انت لا تضرب انسانا لكونك تخشى ان يضربك.
هذه اسطر كتبت قبل الحرب المتوقعة على العراق. عندما تصبح هذه النشرة بين ايديكم ماذا ستكون حالة المنطقة؟ الله أعلم. يبقى ان الضمير المسيحي بريء من هذه الحرب. فقد تكلمت كل الكنائس مجتمعة او منفردة ضد ضرب شعب بريء وتخريب بلده. ونحن ضمن مجلس الكنائس للشرق الاوسط تكلمنا. وصرخ بطريركنا صرخة مدوية ضد هذا الاقتتال المريع. نحن بسبب ولائنا للمسيح رئيس السلام، نحن الى جانب العراق. نحن ضد إبادة اي شعب في العالم ونحن، بخاصة، مع هذا الشعب الذي أفقروه بسبب الحصار ونتج عن ذلك موت مئات من ألوف الأطفال.
نصلي حتى لا تقع هذه الحرب، واذا وقعت عند صدور هذه الكلمات نصلي لكي تتوقف ولا يحدث في هذا البلد اقتتال طائفي او عرقي، وحتى يضمد جراحه الجسدية والنفسية ولا تنمو فيه الأحقاد ولا يتزعزع شرقنا كله نتيجة الخلل اذا حصل هناك. ارجو ان نحفظ هذا في ذاكرتنا كل يوم وفي الذبيحة الإلهية.
لقد قالت شعوب كثيرة انها ضد الحرب. ان التظاهر الكبير الذي بدا في مئات من المدن في العالم كله يعزينا بأن الإنسان الواعي اخذ يظهر في العالم كله. ان القسم الكبير من الشعب الاميركي قال انه ضد الحرب. وهذا ما يجعلنا نقدّره ونحبه. لقد تجلى في الفترة الأخيرة ان الإنسان العادي يكره الحرب لأنه يكره الموت في كل مكان. ان الوحدة الحقيقية بين الشعوب أمست ظاهرة. وهذه لا بد ان تصل الى السلطة لتصبح السلطات نفسها في يوم نرجوه قريبا ضد الحرب. فكما ان دولا كانت تتقاتل جيلا بعد جيل صارت متحابة وغدت الحرب غير معقولة بينها، من المعقول، بعد اجيال، ان تزول الحروب في العالم. لقد تنبأ اشعياء عن يوم يطبع به الشعوب “سيوفهم سككا ورماحهم مناجل ولا ترفع امة على امة سيفا ولا يتعلمون الحرب في ما بعد” (2: 4).
اذ ذاك، ينصرفون الى المحبة والى المعرفة والى الرقي. لنا ان نحلم بأيام كهذه. ليس العنف حتميا. ولكن هذا يفرض ان روح الله يهب وينشئ انسانية جديدة تفهم ان صالحها هو في السلام.
واذا رجونا ان تنتهي الحرب بسرعة اذا أصابت العراق، نرجو الا تعم المنطقة كلها لئلا يحكم الخوف الدنيا.
والى هذا رجاؤنا الا تهب رياح التعصب الديني. والواضح ان قادة الشعوب الإسلامية بعد هذه الهبة المسيحية من اجل العراق فهموا ان قادة الكنائس يحبون الشعب العراقي الذي غالبيته الساحقة مسلمة. لقد انغرس في نفوس المسلمين الصالحين الهادئين ان المسيحية الطاهرة تريد لشعوبهم ازدهارا ونموا وسلاما. ونصلي ان يستمر اطمئنان المسلمين الى المسيحيين الصالحين الذين يكرهون هذه الحرب. وهذا من شأنه ان ينقي الأجواء بيننا في كل الاوطان التي نتعايش فيها ونرجو ان يسود العقل والحب علاقاتنا والا يصبح اي دين ملهما لموت الآخرين لأن الله يحيينا جميعا ولا يريدنا ان نموت.
