غدًا يعيد الاخوة الذين يتبعون التقويم الغربي للفصح متجاوزين الحزن ورانين الى القيامة. قلوبنا إليهم في السلام والحب ودعاؤنا ان تتنزل عليهم النعمة من السماء لتبريكهم وتبريك الأرض بهم. من هذه الأرض رقعة صغيرة اسمها لبنان يعتريها ألم كثير ورجاؤنا اليوم ان يرفع عنها الحزن ليؤول هذا الحزن إلى تعزيات كبيرة. وهذا يعني ان الأذى يجب ان يكف والمؤذون يعرفون أنفسهم. متى يرفع الرب القهر عن الفقراء والمسلوبي الحرية حتى نلتمس من الله قيامة البلد.

«قيامة لبنان» عبارة استعملتها كثيرًا بعض من وسائل الإعلام وهذا من زمان طويل. غير ان القيامة هنا صورة المراد بها ان يصير بلدنا كبير الايمان بما دعا الله اليه الشعوب جميعًا من استقامة فكر وسلوك دروب الحضارة في العمل الدؤوب. القيامة تأتي بها رياضة روحنا على طهارة تتناول الجماعة والدولة والأفراد كل يوم لأننا لا نحصد من البلد الا ما زرعناه فيه. وأنا كلي رجاء اننا سنتجاوز المحنة الحاضرة ليس فقط إلى الاستقلال ولكن إلى اكتشاف بعضنا بعضا.

نحن اليوم في وهج التطلع الى الزمن الآتي كأن اثقالاً كثيرة ارتفعت عن كاهلنا. هناك شعور بأن تحررًا للنفوس حصل وبأن كثيرًا من المخاوف زال، كأن اعجوبة تمت والأعاجيب لا ينبئ بها شيء. اللغة التي أخذت بمجامع القلوب هي اننا نريد ان نكون أنفسنا كما أنت أنت ولست أخاك أو لست زوجتك وهذا بلا عصبية تفرد لأن التفرد لو أصاب كيانك الروحي الشخصي يقتله وإذا أصاب البلد يلاشيه.

في الفلسفة الحديثة أنت لست فردًا منعزلاً. انك شخص بمعنى انك تتكون في التواصل، في التوجه بحيث يكون الوجه إلى الوجه فتنوجد بالآخر وينوجد هو بك. الوجود هو ان تعتبر نفسك اياك لكونك واحدًا مع الآخر. ويبدو ان هذه هي المعجزة التي تحققت بيننا فتواصلنا.

تبقى هناك خطايا أولاها خطيئة الذين لا يحسون في أنفسهم وجودًا الاّ بالتبعية في أي مجال كانت. تكون في العائلة إذا قهرك والدك وأذلك واستتبعك، في العلاقة بما يسمى زعيمًا في المحلة أو القرية بحيث تلغي دماغك لتجيء من دماغه فيكفيك هذا شر الفكر وشر التحليل. ضد هذا كله المشاركة التي لست فيها صدى لصوت آخر وفيها جلاء الحقيقة بسبب من شورى. والشورى لا تعني حصرًا جمع الأفكار والأقوال بتسوية ترضي الجميع اذ يكون القوم، عند ذاك، عصابة. الشورى تتضمن دائمًا مرجعية الحق. الله هو التنقيح. وهذا ما يتجاوز الآلية البرلمانية في الوضع السياسي.

من هنا ان أفلاطون ما كان يقبل ان تكون الديموقراطية مجرد حكم الديموس أي الشعب من حيث هو جماهير ولكن من حيث هو حكم الأفضلين. ولذلك كان الحكم الديموقراطي الحد الأدنى للوصول إلى ما هو خير الشعب. طبعًا ليس عندك في السياسة مقياس للامتياز الإنساني ولكنك تسعى ولا وسيلة لك الا مجالسة المنتدبين عن الأمة في ندوة الأمة. وإذا كان طريق تشكيل المجلس هو الانتخاب فلا يعني هذا منازلة بين أصحاب المنافع ولكنها تعني التسابق بين أهل الفضل والمعرفة والطهارة والاّ جاءك المجلس صورة عن الجماهير والجماهير لا يجوز لها ان تحكم. العقل الوضاء، الحر، العالم، النقي له الحكم لأنه صورة الله.

في هذا التوجه إلى الأفضل وفي محبة لبنان الكبيرة وكدت أقول في محبة لله ينبغي ان نذهب إلى الانتخابات بعد ان يوضع قانونها. ما من شك في ان القوانين تتفاوت في صلاحها للوطن من أجل وحدته والوحدة لا تعني ان يجيء مجلس بلا مواجهات فيه. فالمواقف مختلفة على كل صعيد وهذه هي حال كل شعب في تاريخه وفي تطلعاته. والحقيقة تولد من احتكاك الأفكار ومن اختلاف في رؤية كل الأمور ما خلا الاستقلال الحقيقي للبلد. والواضح اننا بلغنا ما يسميه الكثيرون الآن الاستقلال الثاني أي بلغنا رؤية بلد يوحده أبناؤه في طلب خيراته.

ربما كانت المعجزة التي انبثقت من الألم في اننا وعينا في عمق النفس وليس في ترداد الشعارات ان المسلمين والمسيحيين واحد بحيث زالت الشكوك في اخلاص اية فئة للوطن، وفق ما يقول الكتاب: «إذا كانت عينك بسيطة فجسدك (أي كيانك) كله نيّر» والبساطة هي الرؤية العظيمة التي تعني انك لا ترى في الآخر ظلمة فلا تظن مثلاً ان فئة أخرى هي دونك في الإخلاص للبنان. اعتقادي أو رجائي انه لم يبق من شرخ بين المسلم والمسيحي على هذا الصعيد. فالمسلمون انتهوا إلى لبنان الواحد النهائي وكلمة النهائي هي لهم ومن بعد استعمالهم لها دخلت الطائف والدستور. وعلى المسيحي ان يتصرف على الأرض بهذه القناعة. والمسيحيون لا يحتاجون إلى شهادة في حسن السلوك الذي جعلهم يؤمنون منذ اعلان لبنان الكبير السنة الـ1920 بأن هذا البلد يحافظون عليه كحدقة العين. وقد خبر المسيحيون ان ليس من دولة بما في ذلك اسرائيل تخطب ودهم.

ويعلم الجميع بتحليل بسيط إذا قرأوا ان المسيحيين ليسوا على تلك القوة العددية أو غير العددية التي تجعلهم يرجحون كفة اسرائيل على العرب. ان البابا الحالي طلب من اتباعه من المسيحيين في الارشاد الرسولي ان يفهموا انهم جزء من هذا العالم العربي. والمسيحيون الذين ليسوا من اتباعه موقنون بذلك منذ الفتح العربي. وقادة الفكر العربي على مفصل القرنين التاسع عشر والعشرين كان معظمهم مسيحيين. وأي اغراء حصل لهذا الفريق أو ذاك في فترة الحرب الأهلية العصيبة مرّ كالغيم ولم يترك أثرًا في النفس. وعقلاء المسيحيين فهموا نهائيًا انهم يعيشون على الأرض العربية. ولست في حاجة هنا إلى أن ابين أن اللاهوت المسيحي في هذا الشرق مناهض بطبيعته لكل عنصرية وتاليًا هو مناهض للعنصرية الصهيونية. فاذا أقررنا ان اللبنانيين جميعًا خصوم للكيان الاسرائيلي الهجين واللاإنساني لا يكون لبناني واحد في تزاوج مع اسرائيل أو تطلب نفسه الفناء في كيان عربي أوسع من حدود لبنان ولعل هذا هو ميثاقنا الجديد غير المكتوب.

أجل، هذا النفي وذاك لا يصنعان أمة ولكنهما يصنعان ثقة والأمة تبدأ بالثقة.

من بعد هذا نفتش عن النور الذي تقول كنيستي غدًا انه غير مخلوق. الكنيسة الأرثوذكسية في العبادة التي تقيمها غدًا تعلن أزلية النور الذي ينزل على الإنسان. غير ان هذا يجب ان يترجم سياسيا والعمل السياسي اقتراب من الحقيقة الإلهية، ذلك ان هذه الحقيقة تعيشها أنت على الأرض مع ناس كما هم الناس أي ان الحقيقة تصبح محبة والمحبة تصبح خدمة في واقع الوجود. ماذا يقربنا من الأزل. هذا هو السؤال السياسي بامتياز أي من قبل ان يتشوه هذا الكون بالخطيئة؟ كيف لا تكون الحياة السياسية خطيئة. كيف لا تكون مجدًا باطلاً، تناصرًا بين أفراد أو أحزاب أو طوائف.

هذا السؤال الجلل يعني كيف نعمل معًا لتكتمل في الوطن انسانية الإنسان. لا يكفي ان نقول بنهائية لبنان. هذا هو الحد الأدنى ولو كلفنا اكتشافه كثيرًا. نحن نبغي الحد الأقصى وهو أن نجعل مؤسسات الدولة وقوانينها في خدمة المواطن ابتغاء ازدهار له لا ينقطع. ماذا يعني هذا؟

أنا يأتيني كل صباح ناس من رعيتي ويثبت زائري بما لا يقبل الشك انه هو أو أحد أعضاء عائلته مريض ويحتاج إلى دواء أو يثبت حاجته إلى أقساط ابنه في المدرسة أو الى دفع مبلغ الايجارة للشقة التي يسكن. ويزين لي ان هذه حال كل الطوائف.

لبنان سيدخل منطقة النور إذا اقتنع ان حاجته الأولى هي الى العدالة الاجتماعية التي تساعده على الإخلاص الوطني وإلى انه ليس بمغبون أو مقهور. هل نحن مصممون على انتخاب نائب نقتنع انه ساع الى العدالة الاجتماعية أولاً وله ان يستمد نفوذه بسبب من هذه الخدمة لا بفضل مآتم وأعراس يحضرها. متى يترك قادتنا الحديث الإنشائي ليقوموا بتغيير اجتماعي شامل يرفع عنا كابوس البؤس فاليأس فالهجرة.

هذا الشعب لا ينقصه الذكاء ولا معظم نوابه ينقصه الذكاء. ماذا نعمل، كيف نعمل للاتيان بمندوبين لنا يطهرون الدولة. لا يعني هذا أن اصلاح الحكم ينتج منه بالضرورة شعب جديد، يشتهي عظمة الانسان وتاليًا عظمة الأمة. هنا أناشد المرجعيات الدينية أن يكون هاجسها الاول تنقية النفس البشرية. حاجتنا الى قديسين في كل الطوائف.

أنا عشت في طفولتي ومطلع شبابي الشعب اللبناني الذي كنت ألمس في معاملاته استقامة وعرفت بالخبرة الشخصية قضاء عادلاً وعالمًا وشبه نظام في الادارة. نحن لسنا في تكويننا شعبًا سيئًا ولكنا نحتاج اليوم إلى ارشاد عظيم تقوم به المسيحية والإسلام أي إلى نفحات روحية تقوّم الفرد فتقوم به الدولة. العمل في الهيكليات والعمل المجتمعي يبدأ من الشخص. وغير صحيح ان في تكوين بلدنا شحًا في الموارد ان كنا صادقين لكن استغلالها يحتاج إلى فكر وإلى صدق وإلى سهر موصول. الاستقلال الثالث هو الاستقلال عن «الشطارة» في بساطة الفضيلة في النفس وفي الكيان المجتمعي.