أحبّت الكنيسة عيد رفع الصليب حتى وضعت في السبت والأحد اللذين يسبقانه والسبت والأحد اللذين يليانه فصولا إنجيلية تتعلق بمعنى العيد. في الفصل الأخير منها (مرقس 8: 34-9: 1) –وهو يُقرأ اليوم– انعكاس أخلاقيّ أو عمليّ لإيماننا بالمصلوب إذ يستهلّ الرب يسوع هذا المقطع بقوله: «مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني».
هنا يؤكد السيد أن المسيحية نداء وأنك تلبّي الدعوة حرا. فالتدابير القسرية في التربية مغلوطة. أجل أنت حر أن تدخل في الكنيسة، ولكن إذا دخلتَ طوعا فأنت تطيع طوعا أو تخرج.
لماذا ربط المسيح إيمانك به بضرورة حملك الصليب؟ لأنه أرادك أن تتبعه جديا بكامل طاقاتك وفكرك وقلبك، بكل كيانك لئلا تكون «حكواتيّا» غير فاعل. فكما كان المسيح جديا في ذهابه إلى الموت، تكون أنت جديا إن أمتّ كل ما يعادي المسيح في كيانك، لأنك لا تقدر أن تحب السيد وعدوّ السيد أي الخطيئة بآن واحد.
لماذا قال عن التابع: «يحمل صليبه» ولم يقل «يحمل صليبي»؟ أنت لا يوجد فيك صليب المسيح. هذا وُجد فيه. أنت يوجد في نفسك، وفي أعصابك، وفي حياتك اليومية صليبك أنت أي مشقاتك وقساوة العيش التي تعيشها. أنت مصلوب على ما فيك، فإن لم تحمل كل هذا، أنت في هروب من الجدية.
«ويتبعني». تتبعه إلى أين؟ هو كان له طريق واحد. وأنت تسلك كل الطريق لا نصفها. آخر طريق المسيح الجلجلة. إذًا لا تحمل نصف أتعابك وتتذمّر. تحمل كل الأثقال لتصل إلى نهاية الجهاد.
أوضح يسوع هذا الكلام لما أضاف: «إن مَن أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها، ومن أَهلكَ نفسَه من أجلي ومن أجل الإنجيل يُخلّصها». تعب شديد بحيث لا يبقى لك من دنياك شيء. لا تحسّ بسيطرة على شيء أو على أحد. جسدك نفسه ليس لك.
بعد هذا الإيضاح يطرح الرب يسوع السؤال الأخير: «ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أم ماذا يُعطي الإنسان فداء عن نفسه؟». الخيار الذي أمامنا جميعا هو بين أن نكسب كل ما في الدنيا من ملذّات وسيادة وشهوة فنخسر نفسنا كليا، أو أن نربح نفسنا (والمسيح فيها) ونحن مجرّدون من كل تملُّك واشتهاء ولا يَسحرنا إلا وجه المسيح. الخيار صعب ولكن لا تستطيع إلا هذا الخيار، فإما أن تملُّك العالم ومجده الباطل، وإما أن يملكك المسيح فتبدو أمام الناس مجنونا لا تعرف مصلحتك.
هذا الخيار يجب أن نقوم به داخليا. مرة وإلى الأبد نختار المسيح أو نختار هذه الدنيا. وإذا اخترت المسيح فلك في نفسك فرح وجوده معك. تعرف أنه يملأك ويكفيك. تحيا به وبكلامه وحبه لك وحبك له ويحل فيك ملكوت الله.
