أحد جميع القديسين يقع غدًا في كنيستي. وقد وضعناه في هذا التاريخ أي اسبوعًا بعد حلول الروح القدس على الانسانية لنقول ان القديس ينزل من السماء على معرفته بما قاله الرسول: «لنا هذا الكنز في آنية خزفية…» (2كورنثوس 4: 7). الموهوبون من أهل الأرض رتب: «اهل السياسة وأهل الأدب وأهل الفكر». كل هؤلاء يأتون من الأرض ويعتبرون أنفسهم شيئًا. وحده القديس يرى نفسه لا شيء ويرى ان الله الذي يلامسه هو كل شيء.

وفي البدايات أقول إن هذا الانسان يتشبه بالله فهو مألوه مع كون جزء منه مصنوعًا من تراب. هذا ما هو يراه. لكن الرب يقرأه نورًا أي يقرأه على انه منه. الأبطال يجيئون من الأرض. لذلك لا يعرف القديس نفسه بطلاً. واذا اتفق على انه شاعر كبير أو مفكر كبير يعرف ان هذا لا علاقة له بالقداسة وان انضم اليها. ويعرف انه يدان في اليوم الأخير. وان رصفناه مع أهل السماء فهؤلاء كلهم سيدانون إلاّ من أهرق دمه حبًا فدماؤهم هي الصك الذي يجعلهم ملتصقين بالعرش في ذبحهم اذ ليس من دليل على الحب مثل الدم المراق. والى جانبهم مريم الجالسة على يمين المستوي على العرش اذ لم يكن عندها شيء لنفسها بسبب من اندماجها الكامل بالحبيب.

الاكبرون عندنا يعيشون شعور الخوف من الدينونة لعلمهم بخطاياهم. والقديسون كبار لأنهم يعرفون خطاياهم. وهذه من اولى درجات السمو. ونحن طلاب التاريخ الكنسي نعرف ضعفاتهم لما كانوا في البشرة. وهم مع علمهم بما أوتوا من مواهب لا يستكبرون ويهبهم ربهم معرفة تقصيرهم والمعرفة هذه أولى خطوات تقربهم وتكشف لهم الرؤى النازلة عليهم من أبي الأنوار.

المحبة هذه تبين لهم بعدهم عن الله اذ يعرفون ان القربى تأتي من تنازل الله عليهم ولا تأتي اليهم من جهودهم. والقربى في فهمهم هي قرباه لا قرباهم. ولا يقولون عن أنفسهم انهم متحدون به ولكنهم يتركون لله وحده ان يكون القريب. واذا أعلنت الكنيسة قداستهم فهي لا تحكم على درجات القربى لان هذا متروك للدينونة. وتكون قد كشفت أنهم أرادوا هذه القربى على قدر ما للإنسان ان يقترب وتقول إنها تعرف مقاصدهم لما كانوا على الأرض وتعرف جهودهم وانها تسعى الى تقليدهم لانهم كانوا شركاء الله في قداستهم.

ونقول هذا لنعني ان الرب جاء الى هذه الارض لنكون شركاء مجده ونحن في هذا الجسد بعدما علمنا ان الملكوت هو في داخلنا وان ابن الله أمسى عشيرنا في الجسد ليردم الهوة التي أقامها الفكر الديني بيننا وبين الله عندما جاء المخلص. نحن لا نقول بالاختلاط بيننا وبين الله لاننا لن ندرك طبيعته لا هنا ولا فوق ولا نخترقها ولكنا نعرف انه هو تجاوز الهوة بين جوهره وجوهرنا لما تنازل الينا وكشف لنا اننا مدعوون الى ان نجلس في احضانه.

وهذا متاح للعالم والجاهل فالعلم والجهل مقولتان لا يهتم الله لهما ذلك لان كلاً منّا امّي في حضرته وكلنا عدم أمام ظهوره. والعلم زينة وليس عند الله زينة. و«العلم سيبطل: كما قال الرسول ويبقى الحب وحده بهاء هذا العالم وبهاء الملكوت.

#  #

#

أنا لا أنفي عن أحد سعيه الى الالتماع والنجاح الدنيوي. ففي هذا شيء من الخدمة. وهذه الدنيا يجب ان تكتمل على صعيدها. ولله سرور بكل لمعة وبالمعرفة غير المنتفخة. فالمواهب البشرية ترشد الى الله أحيانًا. غير ان هذه المواهب ليست بشيء في حد نفسها واذا أنت وضعتها عند قدمي الرب فقد ينهضك الى القداسة. وان لم تضعها فأنت مستكبر أي تظن نفسك شيئًا ولست، اذذاك، بشيء.

واذا عدنا الى عبارة جميع القديسين فلكي نقول إن المختارين عند الله هم أكثر مما نعرف أي ان القديسين ليسوا جميعًا في التقويم ولنقول إنهم يشفعون بنا على الدوام وان الفردوس غير مغلق وانه هو وطننا الحقيقي ومن كان فيه يستضيء بنور لا يعروه مساء.

أفهم ان هذا الكلام لا يعني شيئًا لكثيرين وان الله غير مطلوب عند كثيرين لأن انسان هذا العصر يعبد نفسه ويعبد ملذاته وربما اتبع أخلاقًا اجتماعية وعادات مألوفة فاطمأن اليها وظن انها تصنع له توازنًا يعيش فيه. قلت عبد الانسان نفسه فأسلم الى العواصف التي تهب في نفسه وجعل منها شعرًا وفنًا وربما جعل منها فكرًا وحسبها المطلق لانها هي فيه أي اعتبر ان ما يتخبط فيه شيء عظيم لمجرد ان هذا التخبط هو فيه وان له ان يكشفه للناس لكي يدخلوا هم أيضًا في العاصفة ولذلك لم تبق من ضرورة ان يترجم هذه العاصفة بكلام مفهوم لانه منذ سقراط هو سبيل التواصل ولكن الحقيقة عنده ان ينقل العاصفة اليك حتى تماثله بالتخبط.

هذا الغاء لله بمعنى انه الغاء للوضوح وتاليًا كان هذا الغاء للوجه البشري فيرسم لهم قامة أو ما يشبه القامة بلا رأس وليس لك بالضرورة ان تتحسس برأسك أو تؤمن انه ضرورة لاكتمالك لينظر وجهك الوجوه الأخرى وتتكامل بما فيها من ضوء، واذا غاب وجه الانسان فآليا يغيب وجه الله وقراءتك للأشياء من خلال الله. كل هذا طبعًا نقض لمفهوم القداسة.

#  #

#

العصر الحديث، بناء على كل هذا، يقول لك إن الموجود هو ما يجب ان يوجد اذ ليس عندنا معيار لتحسين الموجود. فما من شك في انه إذا غاب الله يغيب معه المعيار. واذا أراد الإنسان إظهار ذكائه يقول لك ان العقل هو الإمام. سؤالي انه إن لم يكن إمام غير عقلك انت اذ ليس من عقل خارج العقول. وعقل اينشتاين غير عقل بائع الخيار. ولو كان العقل لا يخطىء لا تدربه انت بالمعارف. فاذا اجرمت كثيرًا وذبحت عشرة أشخاص يكون لك عقل ذابح أي مبرر لذبح آخرين. واذا سرقت حتى اليسر فتسرق الأكثر لتصل الى غنى أكبر. العقل زئبقي لانه ذاتوي يتأثر بشهواتك وهي ترشده كما يرشدها. هو قوة معطوبة ككل القوى التي فينا. ومن قال بالعقل بصورة حادة مفرطة وبأنه المطلق فلكونه أيضًا يعبد ذاته ولا يعبد الذي تكلم مرة واحدة بالأنبياء وأخيرًا بابنه كما يقول أنصار ابنه اذ السؤال هو ما المرجع الله أم انت.

هنا – وعلى هذا الصعيد – تأتي مقولة القداسة التي تقول الرب هو المرجع وانت تسمع اليه. واذا واليته أو آمنت به يدفعك هو ان تقول قوله وتقتدي به ولك بكلامه ان تخلص وبلا كلامه ان تهلك. واذا اصغيت اليه حسنًا فلك الحظ ان تقوّم مسلكك ليصير مسلكك كلمته فتهذب قلبك وتنزهه حتى لا يقول فيه عقلك المعطوب ما يلطخ هذا القلب فيزداد عقلك سوءًا وطريقك اعوجاجًا.

واذا سلم قلبك من الخطأ والخطيئة ينمو ايمانك اذ يصبح عقلك سليمًا بالله ومعافى ويبدأ مشوار القداسة. هذه تبدو مسعى عسيرًا جدًا لان الانسان غير صادق ولا يريد لنفسه جهدًا كبيرًا. الله يريدنا ان نتعب لانك ان لم تحمل صليبك لتتبعه فلا تصل الا الى خطاياك أي الى عبادة نفسك. اما اذا رأيت نفسك تتكون من القاء نفسك على صدر المسيح فتسمع كلمات لا يسوغ النطق بها تجعلك انسانًا جديدًا.