ماذا يريد باسكال عندما يقول: “ان الانا مقيت” Le moi est haissable؟ هو يفسر ذلك بكلمتين في كتابه الشهير، الافكار: “للأنا صفتان انها ظالمة بحد نفسها اذ تجعل ذاتها مركز الكل وهي مزعجة للآخرين لانها تريد ان تستبعدهم لان كل انا تطغى على الكل. فاذا أزلت الازعاج لا تزيل الظلم”. سأحاول ان أتأمل في ذلك.

لا تنغلق النفس على ذاتها الا بالامتلاك اي بتملك اشيائها، باستلذاذ الملك. فأنت تصير ما تملك وهو لا يصيرك واذا ما تملكه كان انسانا فهو شيئك فتصبح انت عبده اي شيئه. وكان الشرع الروماني في اولى مراحله يبيح قتل العبد اذ كان يحدد العبد على انه res اي شيء. وانت لا تسود الا بالفقر اذا احببته لانك فقط بالفقر المحبوب يصبح الحب مالكك.

وانت مالك اذا اعتبرت نفسك فردا اي مستقلا عن الآخرين. وكلمة فرد في اليونانية هي اتومس atomos اي ما كان غير قابل الانقسام. وتاليا غير قابل المواجهة اذ الآخرون ليس لهم وجه لكونهم عنده اشياء. انت لا تخرج من ذاتك لانك تعبّ الوجود ليس لان لهذا الوجود وجودا ولكن لانه بالملك جزء منك.

بالفردية او الفردانية individualisme تقيم نفسك في هذا العالم باعتبارك وحدك وان الناس واشياءهم يعودون اليك وانت تعرفهم من حيث انهم في مجالك. ولذلك انت معزول. ولكن في فهمنا نحن للوجود العزلة التي اعتبرتها صمدية لك لم تعطك اية صمدية لكونك لا تخاطب احدا ولو اوحيت بذلك الى الناس. بينك وبينهم كلام وليس بينكم خطاب اذ الخطاب يفترض الانكشاف واذا شئت كلاما فابلغ الخطاب هو التعري الذي يفرض ان الآخر يقرأك وانت تقرأه واذا انتما كتاب واحد. فقط من يراك يرى نفسه فيك. يتكون بك وتتكون انت به. فالوجود يبدأ من العلاقة. فاذا اقمتها لم تبق فردا، صرت شخصا. فتجيء ليس من الخطاب الذي يصدر عنك ولكن مما سمعه الآخر منك.

تبطل الآلة فيك اذا استمع اليك. واما اذا اقمت في الفردية فعلى وجهك قناع اي ليس بينك وبين الآخر من صلة القابع في فرديته، المنطوي فيها يعيش ولا يعايش. وجوده مع الاخرين تراكم. لا تخرج انت من فرديتك الا اذا فتحت حدودك ففيها تستقبل وتستضيف. قبل ذلك انت واصل الى آخر حدودك ومصفح ومن لا تستقبله لا يريد اختراقك.

ليس احد منا موجودا بذاته وان قال انا. في اللغة انا لا معنى لها الا اذا قابلت انت وألا تكون متكلما في فراغ. وانت لا تذهب من انا الى انت الا بحد ادنى من الحب والحب هو اعتراف بالآخر على انه آخر أي على انه مواجه. والحب هو بذل الناس اي انكار للمنطوي فيك وثقب للمنتفخ فيك حتى تعود الى حجم يمكنك من الاتصال. كل اتصال يفترض انقباضا قبله اي اعترافا بأن حجمك الحقيقي هو دون ما تراه وما يراه الناس. ما التواضع سوى ان تقلص ما يبدو وتجعل الحقيقة وحدها تبدو.

ايضا باسكال: “الله لا ينظر الا الى الداخل” اي الى الوجود الحقيقي غير المتضخم. واذا عرفت ذلك تفهم ان رؤية الله اياك هي التي تكونك. انت فقط ما يراك الله. انت ملغى اذا رأيت فيك ما لا يعترف الله به، المال او السلطة او جمال الجسد. الاكثر من هذا ان الرب لا يهمه ذكاؤك او نسبك واي ما يعتد به الناس. لذلك ما نسميه التواضع هو التغاضي عن كل هذا والاقتناع بأن الآخر دائما افضل منك. فاذا شاهدت بهاء الآخر تتلاشى فيك الجمالات الكاذبة وتفهم، اذ ذاك، انك لست فقط تتكامل والاخر ولكنك تصبح واياه واحدا بعدما افتقرت اليه وادركت ان الـ”نحن” الذي تكونان هو فيه الاعظم والاغنى. واذا كبرت في هذه الرؤية ترى انك لست بشيء وانك تاليا مكون بالآخر وقائم فيه.

فالتواضع ليس فقط ان تلغي الباطل فيك ولكن ان تؤمن ان الآخر يمدك بكل ما فيه من خير والخير يزداد فيه اذا افرغ نفسه منه لان الخير لا ينقص اذا اعطيناه بسبب انه “ينبوع من ماء حي”. لا يمكنك ان تتواضع ما لم تكن مليئا فيمتلئ الآخر مما بذلت ولم تخسره. التواضع هو ان يكون الآخر كل شيئاً عندك فيؤهلك هذا ويؤهله ان تكون كل شيء عند الرب. وهو وحده الذي يهب التواضع لانه هو الملء.

أنت لست متواضعا لانك خائف، خائف على مالك وسلطانك وما اليهما. تظن انك تقوى بهما وهذا من باب الاستيهام لان شيئاً من هذه الدنيا لا تقوى به. في الحقيقة انك تظن انك تزيد على حجمك شيئا وكان عليك ان تقرأ: “لا يستطيع احد ان يزيد على قامته ذراعا واحدة”. والقامة هي التي الله معطيها وليست تلك التي نتصورها. هذه فيها تفاهات كثيرة.

عندما نقول ان الشخص يقوم بالعلاقة فلا نعني علاقة عداء لان هذه ليست علاقة. هذه امتداد الموت والعلاقة نقل الحياة الى الحياة اي ان العلاقة حب وهذه لا تتم الا بالاستغناء عن الأنا بالموت لتعود اليها والى سواها الحياة. وعلى هذا قال المعلم: “من اراد ان يكون لي تلميذا فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. فلينكر تعني ان يلغي الانا وما هي به مثقلة فاذا كانت حاملة غير هذا الذي تحب فترزح او تراوح مكانها اذ هي منشغلة بما تحمل. لا تستطيع سيرا الى هذا الذي تطلبه حبا الا اذا القيت عنك ما يعرقل دنوك من الحب وارتميت فيه. تبدأ العلاقة اذا بإماتتك نفسك واستمدادك الحياة من الآخر فتكون ويكون. وقد اشار السيد الى الاعباء التي تميتنا بقوله “يحمل صليبه” الذي هو اداة الموت. غير انه قال “ويتبعني” اي يتبعني الى آخر طوافي وهو القيامة. من هنا ان الشخص لا يتكون الا بالعلاقة الطاهرة.

صورة العائلة المثلى في تنازل ابن الله الذي اخلى نفسه من المجد (اي من اظهار المجد) آخذاً صورة عبد صائرا في شبه الناس. هذا كان تخليه الكامل عن الانا ليجدها في الموت. ولما أطاع حتى الموت “رفعه الله واعطاه اسما فوق كل اسم”. هذا الذي هو صورة الله لم يشأ ان يظهر هذه الصورة الا بمحوها عن الابصار. “لا منظر له ولا جمال لنشتهيه”. هذا “الذي هو قبل كل شيء وفيه يقوم الكل “ما قام به هو الا لما محا نفسه بالاتضاع الفائق. وعند ذاك اقام علاقة بنا فارتفعنا به الى مصاف آلهة وكنا قبل ذلك لا شيء.

لن تستطيع على ضوء هذا ان تقيم علاقة الا اذا صلبت نفسك مع شهواتها وصلب الاخر نفسه بشهواتها فجئتما قائمين من بين الاموات. اذا صرت انت صديقك وصار هو اياك نكون دخلنا اعماق السر. في المحبة لا يطرح السؤال عن ماهيتك وماهية الآخر اذ ليس لاحد منكما حدود. الحدود هي في الملكية الفردية. اما اذا بات كل واحد مملوك الله تمكثان فيه كلاكما وهو لا تعرفه الحدود ولا يبقى موضع لسؤالك عن نفسك او سؤاله عن نفسه ففي الحقيقة لا يوجدك صاحبك ولا توجده اذ ليس في الانسان ولا في الكون من ثنائية. وليست الوحدة ان تذوب فيه ويذوب فيك ولا ان تضمحلا في الله لان الله لا يلغي احدا ولكن في الله يتحول الفرد الذي كنته بالاناوية الى الشخص الذي صرته بالصلة. ولذلك ليس في ذروة اللقاء مجتمع ولا امة. هذا ترتيب للدنيا ولا بد منه بسبب من الزمن ومن التاريخ وهذا له شرعيته ففي الاجتماع البشري افراد كما العقار يحده عقار.

اجل لك جسد هنا وانت ابن ابيك وامك ولك ذرية من بعدك وهذا ايضا له سره ولكن كما ان الله لا يحده شيء فأنت ايضا لا يحدك شيء اذا بلغت ذروة الحب والله يراك بلا حد بعدما صرت على شبهه. وهنا يصح قول الكتاب: “الله في مجمع الآلهة” الذين صاروا كيانا بعدما تشبهوا به. وكما ان وحدة الله ليست رقما فأنت الغيت العدد اذا صرت بالمحبة اخا لآخر لانك بت واياه “غير مولودين من لحم ودم ولا من مشيئة جسد بل من الله”.

هذا هو مشروع الرب في خلقه. ولكن هذه كلمات لا يسوغ النطق بها. انت والآخر الذي اقمت معه صلة الهية اصبحتما في المعية كلمة الله وليس للذين هم كذلك بداءة ولا نهاية.