سريعا سأتناول دور المرأة في الحياة العامة لأقول توّا إنها مؤهّلة لرئاسة الجمهورية ومقاعد الوزارات والمجلس النيابي ووظائف الفئة الأولى لسبب هو غاية في البساطة وهو اكتشاف العلماء أنها معطاة ذكاء كاملا ليس أدنى من ذكاء الرجل. والقول إنها كائن «اللطف» بامتياز لغو. قوّتها تذهب بها في غير بلدٍ اليوم الى انها تُعيّن وزيرة دفاع اي انها مطّلعة على المدفع والدبابة والطائرة الحربية ولو كان مديرها العام هو التقنيّ.
الى هذا -وبعد اعتقاد الناس في أيام شبابي- أن الشابة مؤهلة للموسيقى والرسم والخياطة والتطريز صارت في الجامعات أقدر من الفتى في الرياضيات وأحيانا تفوقه في الأدب.
لست أودّ أن أبحث في كل مؤهلاتها. هنا يعوزني الاطّلاع. ولكن في معظم العلوم هي قادرة في الحياة العامة، في الإدارة والمال على أن تضطلع بكل المسؤوليات. ولذلك وجب -على هذا الصعيد- ألا نتكلّم على دور المرأة ولكن على دور الإنسان المثقف كائنا ما كان جنسه.
ليس عندي فكرة واضحة عن الكوتا النسائية في انتخاب كل المجالس اذ المرأة في لبنان -على حدّ معرفتي- دون الرجل علما، فقد لا يكون تكافؤ في مستوى النقاش. لذلك أفهم أن يؤخذ المستوى العلمي بعين الاعتبار مع أن هذا ضد الديموقراطية. فإذا تبيّن لنا أن المستوى واحد بين الجنسين على وجه التقريب فلترتفع الكوتا النسائية كثيرا. ذلك أن النسوة حتى الآن في لبنان مزينات بشيء من عفّة اللسان والحشمة مما يجعل المجالس المنتخبة أرقى في أخلاق الكلام وربما أرقى في الرقّة والتواضع.
وربما كانت هذه المجالس أمكنة لتصحيح أوهام الرجال عن النساء. فهنّ عند الكثيرين منهم على شيء من الدونيّة وهن أضعف. واذا اكتشف الرجل المعرفة عند زميلته وبات أعظم تقديرا لها يقوى احترامه لزوجته والقريبات منه.
يجب أن نتحرر من تصوّر المرأة ممرضة او معلّمة وما الى ذلك لممارسة ما طلبه بولس في كلامه عن الخضوع المتبادل بين الناس (أفسس 5: 21).
# #
#
إن شيئا من رؤية الرجل الى المرأة على أنها كائن اللذة لا بد أن يصحّح إن رأى أنها كاملة العطاء وكاملة القدرة في نطاق خارج عن الجنس. اذا رآها موهوبة في كل الحقول او معظمها، يرى كل إنسانيتها ولا يبقى مهووسا بالجنس عند عودته الى بيته. قال لي مرة الأب ديمتري ستانيلوايه الرومانيّ، وكان من أعظم اللاهوتيين الأرثوذكسيين، عندما كنت أتمشى في شوارع بوخارست، وكان كاهنا متزوجا، قال إن الزواج يخفف من وطأة الجنس اذ يجعله يتكامل ووجود سقف واحد وأولاد وعمل. أبني على فكرته هذه لأقول إن المشاركة في الحياة العامة تقوّي التوازن في الحياة العائلية فلا يُنفق عليها كليا فيسيطر ولكنهما ينفقان معا على أهل البيت. ما من شك أن من أعطاك من ماله اذا ضعف روحيا يستكبر فيطغى.
والحياة ليست كلها في الزوجية ولكنها اولاً في ذاتية الرجل وذاتية المرأة. في شبابي منذ خمسين او ستين سنة كانت الفتاة يلقّنها ذووها منذ طفولتها بأن ذروة حياتها عرسها، فكانت تغنج وتتبرّج «تبرّج الجاهلية الأولى» كما يقول القرآن وتحيا للسحر الذي كانت تغذّيه في مسلكها. التبرّج نعرفه من قبل العصور التاريخية. وما كانت صياغة المصريين القدامى أقلّ جمالا من صياغة اليوم. ولكن أن يكون التزيّن طاغيا على المرأة فهذا يجعل اهتمامها بالفكر والعمل ضعيفا. واجب علينا للجنسين أن نجعل كل طاقاتهما متكاملة ليأتي توازن الطاقات أعظم صحة وفي النهاية أكثر خلابة.
أنا ما دعوت الى التساوي فالتكامل هو الصحيح لأنه ثابت عند العلماء اليوم أن هناك سيكولوجية ذكورية وسيكولوجية نسائية ولكنهما لا يتهذّبان إلا إذا سعى كل منهما الى تنمية ذاته. فإذا كان للمرأة ملكات عقلية كاملة فإنها ترغب أن تنمو بها بالاستقلال عن الزواج. الزواج فقط وجه من وجوه النموّ عند المرأة. انها لا تعطي الإنسانية بنين وبنات فقط. هي تعطي قدراتها الكاملة لترى نفسها ليس في المرآة كل صباح ولكن لترى نفسها حيّة ومحيية بالفكر والعمل.
# #
#
أُدرك أن الأمومة باب من أبواب القداسة لأنها تنشئ المحبة والإخلاص ما ذهب ببولس الرسول أن يقول : «إن المرأة ستخلص بولادة الأولاد إن ثبتن في الإيمان والمحبة والقداسة مع التعقّل» (1تيموثاوس 2: 15). ولكنها تتقدس ايضا بذاتها، والبتول تتقدس ولا تعرف الأمومة. والبتول الحقيقيّة تمارس أمومة أعظم اذا ولدت لربّها بنات بالروح. قد لا تكون الأم محبة بشكل جارف. قد تكون متسلطة وقاسية. عظمة المرأة ليست بالإنجاب وحده ولكن بنوعية الأولاد اذا تربّوا اي اذا ذهب بهم ذووهم الى الرب. الأمومة ليست شيئا سكونيا ولا هي آلية. هي تعظم بعد الإنجاب بالتقوى. الانسان -أيّا كان جنسه- محبة أولاً ثم فكر وعمل.
أما مسألة التوفيق بين تربية الأولاد وعمل الأم خارج البيت فمسألة حقيقيّة ليس لها جواب أحادي. أمومة أَم عمل خارج المنزل؟ على المرأة أن تُبدع الحل لهذه القضيّة. الحياة كلها جهد. هناك نساء موهوبات للعمل بشكل مذهل، شكل يحتوي تقوى وإبداعا معا.
الى هذا أخذ الرجال ربما قليلا عندنا ولكن كثيرا في الخارج يزداد اهتمامهم بأولادهم. هذا يقتضي منهم قناعة أنهم ليسوا فقط آباء عند اتصالهم بزوجاتهم ولكن عند تواصلهم واولادهم كل يوم بحيث لا تُلقى مسؤولية التربية على الأم وحدها وبحيث يكون حضور الرجال في المنزل يستغرق من الرجل وقتا لا يقضيه في الملهى وندوات الرجال فقط. هناك ضرورة ملازمة الرجل بيته ينظّمها مع زوجته حتى لا يحرم المجتمع قدراتها والتماعها.
المرأة ليست فقط للرجل وليس هو فقط لها. هذا وجه من وجوه الوجود الإنساني. الحضور في الجماعة البشرية لإغنائها هو الوجود. من يفهم هذا يكون حاملا في ذاته وخدمته الله. الله عند الآخرين مسؤولية كل مخلوق عاقل حتى تأتي الجماعة البشرية كيانا مشتركا مؤلها.
