كلما مشينا خطوة على طريق الصوم واستمعنا الى المزامير في الليل والأناشيد وتلاوات الكتاب، نشعر أن المسيح يحفظنا اليه لنبيت عنده ويسكن هو فينا ونتدرّب على أنه هو -لا الطعام- مشتهانا، ونحس بأنّ الحديث معه يعوّض عن كل تحرّك أرضي. نبقى شاهدين لضعفنا ولكنا نشتاق أن تكمل في ضعفنا قوّة المسيح.

نفهم انه هو الذي يمكّننا من التغلّب على شهواتنا الضارة. هي تحاول أن تطغى وأن تعيدنا الى قذارة الخطيئة ولكننا نتسلّح بالنباهة حتى لا ننام نومة الموت، ليكون صحونا اندفاعا الى الفصح الذي هو غاية رياضاتنا كلها في هذا الموسم. قد نتموّج بين الحزن والفرح، ولكن اذا انتابنا الحزن بسبب سقطة طارئة يوقظنا الروح القدس الى معاشرة المسيح بحميمية أعظم ليكون مكان المسيح في القلبِ القلبَ كلّه.

يؤلمنا طبعًا أن بعضًا لا يصوم. نحن لا نـدينهم، وربما كانوا أقـرب الى السيد مـن الصائمين. مع ذلك نتابع الصلاة من أجل الجميع حتى يرأف الرب بغير الصائمين ويلهمهم على أن يمشوا معنا على الطريق الواحد المؤدّي الى القيامة.

نحن اذًا همّنا أن نشهد أننا خطأة وأننا نتلهّف لغفران يسوع. عندما يأخذنا المخلّص الى خلوة معه والصيام خلوة نفهم فيها أننا في حاجة الى دوام اليقظة وأننا مكلّفون أن نوقظ الآخرين بالمثل الصالح حتى لا يبقى أحد ساهيًا أو غافلًا. وطلبا لليقظة نقرأ ما استطعنا كلمة الله في بيوتنا لأنها تحتوي طاقة على إيقاظنا عظيمة ونرى من خلال الكلمة يسوع نفسه. منا من اشتاق أن تؤدّى صلاة السحر وصلاة الساعات والغروب في كل كنيسة. منا من اشتاق في هذا الزمان المبارك أن يقضي كل يومه في الكنيسة حتى يصبح كلّ منا هيكلا لله يسكنه المسيح الى الأبد.

هذا يستتبع أن نعف عن اللهو، عن المناظر اللاهية في المرئي والمسموع. فالعين باب من أبواب اللذات المؤذية. كذلك الأذن. لذلك كان الموسم زمان الدخول الى النفس اذا جعلها المسيح مسكنا له. اذا لم نفتحها نحن بالطاعة الى السيد ليمتد فيها ويطرد ما كان فيها ضده، يصير صومنا مجرد حمية طعامية لا قيمة لها.

قد لا نكون مع المسيح كليّا ولكن صيامنا شهادة على أننا نريد ذلك، والشهادة دعوة على أن يكون الجميع كذلك. هذا الموسم موسم تنظيف كامل وجهد موصول، فنذوق أننا لسنا فقط من طين ولكنا من نور أيضا. والرب يكلّل الجهد ويعضدنا بنعمته ويقينا الأخطار المحدقة بنا. إنّه حافظ حياتنا بتأمين منه، فإنه هو الذي يدفعنا الى الا نتكاسل ولا نستكبر ولا نبغض، وهو الذي يسكب علينا محبته فنتعلّم اذا لمسناها أن نحبه نحن أيضا. الله مربينا بالنعمة وبالكلمة وبتضميد جراحنا حتى نعرفه أعظم من كل شيء في الدنيا وأجمل.

واذا رأيناه كذلك لا نبقى نرى جمالا في الخطيئة أو في إهماله أو نسياننا إياه. يجذبنا اليه من بعد هذا التمرين الصيامي الطويل أكثر مما كانت أهواؤنا تشدنا اليها. فإذا ارتحنا الى الرب نكره كل ما كنا نظـن أنه يريحنا وكان ضـده. فـاذا حملنا صليبه على أكتافنا، نلمس أن حمله خفيف وأننا سائرون به الى القيامة.