ثلاثة فصول إنجيلية قرأناها قبل اليوم تحدثنا عن سر المحبة الذي كشف يسوع انه اكتمل في الصليب. “هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد” (الأحد الذي قبل العيد). ثم في العيد: “انا اذا ارتفعتُ عن الأرض (اي بموتي) جذبتُ اليّ الجميع”. ثم في السبت السابق للعيد: “متى رفعتم ابن البشر فحينئذ تعرفون اني انا هو”. هذا ليكشف لنا ان الصليب كان مكان المحبة الإلهية.
اما كيف نستفيد نحن من هذه المحبة فهو موضوع هذا الأحد الذي بعد العيد. ويستهل مرقس الإنجيلي القراءة بقول الرب: “من أراد ان يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. الصليب هنا يعني المشقات التي يعانيها كل انسان ولكنه يتحملها او لا يتحملها، وكأنه يقول ليس من احد منكم لا يتألم جسديا او معنويا ويصدمه من يعايشهم ولعلهم الأقربون ويقلقونه ويؤذونه ولكن ليس من عيشة لا صعوبة فيها او لا شقاء. السؤال هو بأية قوة تحمل، كيف؟ الجواب انك لا تقدر ان تتصبر الا اذا قررت ان تمشي وراء يسوع اي ان تكون له تلميذا. فاذا كنت كذلك تتوجع مثل كل الناس. تتقبل الآلام بايمان (انت تتبع المعلم اذا آمنت به).
ولكن يجب ان تريد ذلك (من أراد ان يتبعني). واذا قررت اتباعه تكفر بنفسك اي لا تتعلق بمالك او نفوذ لك او سلطة ولا تكون اسيرا لامرأتك او اولادك او لنافذ في قومك واخيرا لا تكون أسيرا لذاتك (فليكفر بنفسه وليس فقط بالأشياء التي يحبها او الأشخاص القريبين اليه).
وعبّر عن هذا بوضوح اذ قال: “من اراد ان يخلّص نفسه يهلكها ومن أهلكَ نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل يخلصها”. تهلك نفسك بمعنى ان تعرض عن كل ما يفسدها، عن كل ما يعطل سيرها الى الله، عما يلهيها عنه. تعف عما يؤذيك من اجل الإنجيل، من اجل شهادتك ليسوع، تتحرر من كل شيء لتبشر، فاذا كنت مكبلا بما هو غير نافع لا تخرج كلمة صالحة من فمك ولا يسطع نور من سلوكك.
وينهي السيد هذا المقطع الرئيس في تلاوة اليوم بقوله: “ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”. واضح من كلام المعلم انك اذا اشتهيت كل ما في العالم من مال وسلطة وشهوة للجسد تعرّض نفسك للعبودية ولا يسكنك الروح القدس. اما اذا افرغتها من كل ما يستعبدها تصبح انت عبدا للمسيح اي حرا من كل شيء، من كل انسان ولو مرضت او تعبت او شخت. واذا اخطأت تتذكر الحرية التي كنت تتمتع بها وتحنّ اليها لأن وجودك هو بهذه الحرية.
غير ان هذه الحرية لن تنالها الا اذا آمنت ان المسيح مخلصك وانه وحده ينهضك من كل وقعة ويشفيك من كل مرض ويغفر لك كل سيئة. فالقصة ليست فقط ان تقرر ارادتك الخروج مما يعطل حرية النفس. القصة ان تذوق يسوع في وجدانك، ذلك انه معك في كل حين ان طلبت اليه ذلك واشتقت الى صداقته وألفته حتى تصبح واحدا معه.
غير ان كل هذا لن يتم لك ما لم تدخل في سر الصليب اي اذا ادركت ان الله احبك شخصيا وانه ارسل ابنه من اجلك. “احبني وأسلم نفسه لأجلي” يقول بولس. ليس فقط لأجلنا جميعا كما هو الواقع ولكن لأجلي. فقد جعلك يسوع انت شخصيا مركز حبه وأثبت لك ذلك بأنه مات عنك وانه اعطاك الحياة الجديدة بحيث لا تبقى مركزا لوجودك بل يصير هو مركز وجودك.
فقط اذا عرفت سر الصليب ينزل اليك هذا السر وتحيا به فتكون مصلوبا مع السيد وقائما معه من بين الأموات اي سالكا حياة جديدة. هذه أخذتَ عربونها بالمعمودية فاذكرها دائما حتى تبقى دائما مغتسلا، لتظل المعمودية فعالة في نفسك كل حين فيتحول شقاؤك الى فرح وتشرق بضياء يسوع، فاذا رآك الناس على هذه الحياة الجديدة يتحولون هم انفسهم الى هذا الضياء.
