ان يوجدك الله برضاه والنعمة وان تقوم على تراب الارض وهمك الناس والدولة، ان تنوجد من فوقك ومن جنباتك هذا مأمنك في الدنيا قبل ان يجتاحك الملكوت بدفئه في اليوم الاخير. فاذا كنت عظيم الايمان تحيا في كل الاوضاع التي يوفرها لك مجتمعك. بالحق والظلم، في الحاجة والبحبوحة، في الصحة والمرض. لكن الناس ليسوا كلهم عظاما في الايمان فتسندهم لقمة عيش وتبعث فيهم عدالة الدولة طمأنينة ويرتاحون الى جسد سليم. حياتهم مجموعة هذه العناصر، يرصفونها في ما بينها ويأملون ان الدولة تسهر عليهم بحيث تتوافر لهم طبابة ومدرسة وطريق واضاءة وماء حتى يدركوا ان هذه العناصر ليست كلها متوافرة او ليست متوافرة بالمقدار المبتغى. ويرجون قيامة دولة تعي هذه الامور ولكن ليس من دولة فيرتدون الى رعاية انفسهم وبعضهم بعضا بلا حكم قائم ولكن على رجاء ان يقوم المجتمع الطيب، اللطيف مقام الدولة بمقدار.

مشكلة الدولة او احدى مشاكلها انها ليست مؤلفة من حكام الهيين. ومن ليس إلهيّاً يقيم وزنا لذاته وربما لمنافعه فلا تكون الدولة راعية. وفي هذا قال حزقيال: “لم يكن راع ولا سأل رعاتي عن غنمي ورعى الرعاة انفسهم ولم يرعوا غنمي “(34: 9) ويتوسع النبي في الكلام حتى ينسب الى الله انه يرعى بعدل ثم يبين ان الرعاة ظلموا الرعية وشتتوها.

بأي معنى يرعى الله بعدل؟ المعنى انه لا يحابي الوجوه وفي هذا كلام كثير في وصف العدل الالهي. فالميزان الذي يزن الله به الناس واحد. وعقاب الخطيئة الواحدة واحد حتى نبلغ المستوى الاعلى للعدل الالهي وهو المحبة اي اننا نكون قد تجاوزنا نظام المحاسبة ودخلنا الرأفة. يهم الرب اولا ان يقضي للمظلومين لئلا ييأسوا من رحمته ويفقدوا، اذا ذاك، كل ملجأ.

الا ان الله يكشف عدله في هذه الدنيا ليس فقط مباشرة ولكن بالعاملين معه في حكم الارض ما يعني ان معيارهم هو معياره وانهم لا يحابون الوجوه ولا ينقادون الى هوى فلا يؤثرون غنيا متسلطا على فقير ولا ابن طائفة على ابن طائفة اخرى وما الى ذلك من فروق، وفي الادارة لا فضل من منطقة على منطقة لان البلد يعيش بهذا التوازن ولان العدل البشري اذا اقيم في كل مجلس انما يكشف لك ان بهاء العدل الالهي قد هبط على الارض فكما ان الله محبة يمكن ان يمارس المسؤول هذه المحبة الالهية بوسائل الناس.

#   #

#

في بلدنا العدل بين البشر عسير لكوننا منقسمين عشائر او طوائف ولان الحاكم قد يحس نفسه قريبا من ابناء عشيرته فيحيد عن سواهم والجهد الروحي – وليس بسيطا ولا هينا – يتطلب منك ان تقف على مسافة من طائفتك في التركيبة الاجتماعية دون ان تنأى عنها روحيا او ثقافيا لئلا تفتقر. ويتصور في نفسك المجتمع المدني وتنضم داخليا اليه لكي تحكم بالانصاف ولا تنقل احساسك بطائفتك او شريحتك الى الحكم اذ يفوتك، اذ ذاك، ان تنظر الى الناس في وحدتهم.

هكذا يرى الله الى ابنائه البيض والسود والرجال والنساء وابن هذا الدين وذاك ولا يفرق في ابوته بين الصالح والطالح وان اختلفت اساليب تربيته. هكذا في العائلة انت تمارس ابوتك بحيث تحب ابنك الطيع وابنك المشاكس حبا واحدا ولو تباينت طرق ترويضك لهذا وذاك.

الا ان الدولة ليست بالحاكمين فقط لكونها ثمرة المجتمع وليست فقط راعيته. فأنت لا ينبغي في المعاملات والتلاقي الوجداني ان تفرق بين شيعي وسني او ماروني وارثوذكسي ومن اليهم لأنك تنوجد بالعطاء والخدمة كائنا من كان المعطى له، اذ المحبة لا علاقة لها بالوجوه، انها حركة قلبك الى القلوب. واذا عامل المواطنون بعضهم بعضا بتهذيب ولطف يصعد هذا الى صعيد الحكام والقضاة لكونهم من طينة هذا المجتمع الذي يكون قد تآلف على العدل الذي فيه دائما رأفة ورحمة.

واذا كانت المحبة تطرح الخوف خارجا كما يقول يوحنا الانجيلي فهي تتأكل التباعد القائم من حين الى آخر بين هذه الطائفة وتلك وهذا على المستوى السياسي اذ لا بد ان نتربى على ان المواهب التي ورثتها هذه الطائفة او تلك من تاريخ آلامها ومجدها انما هو ارث لنا جميعا. ما هو جميل عند الماروني والشيعي والسني والدرزي هو جميل في إن انا اقتبسته. وهذا خاضع للدراسة العلمية وليس فقط للخبرة التي كسبناها من تعايشنا. عندنا ناس هادئون او هدوئيون – كما يقول الروحانيون الارثوذكس – انعزلوا عن اهوائهم وعصبياتهم يستطيعون ان يصفوا لك حسنات كل طائفة في طبائعها واخلاقها بحيث تفرح لما تسمع وتتمنى ان تكون انت على الجمالات التي توصف لك. وربما جعلك هذا تفهم تباين مواقف سياسية تتصل بتاريخ الطوائف وليس فقط بمنافع زعمائها ولك ان تفرق هذا عن العصبيات وان ترى محللا الايجابيات المحتواة في هذه المواقف.

لست اعلم اذا استطعنا ان يقبل بعضنا نقد طائفته من انسان خارج عنها هذا على الصعيد السياسي. ايضا وايضا اريد ان اشهد لمثقف ماروني بحث في الحرب في الروم الارثوذكس على صفحة كاملة في احدى الجرائد وكان هذا نقدا علميا نزيها لو استثنيت هنة او هنتين بسبب من قلة اطلاع. ربما نحتاج الى مستوى في معرفة التاريخ والعقائد الكبرى وفلسفة السياسة لننقد ذواتنا للآخرين في سبيل بناء للوطن مشترك وهذا مما يساعد على تبديد الخوف من ان الاخر ظالم لنا او لا يعرفنا فنرفع الخوف الى مستوى الحكم.

عندنا بعض العلماء القادرين على ان يبحثوا في الدين الاخر بهدوء وعلم ويتلاقى هؤلاء العلماء في صدق وصداقة عظيمين واخذنا نلمس هذا التقارب في برامج متلفزة. ربما كان الحديث في العقيدة بسبب من الاحترام المتبادل اسهل من تعاطي السياسة لكونها تمس مصالح الارض. ولكن لا بد من تروض عظيم لكي ادافع عن السني ولست سنيا او عن الشيعي ولست شيعيا او عن الاكثرية وانا من الاقلية.

غير اننا في الفكر المحض وفي السياسة في حاجة الى رؤية الله في رعايته فانك عاجز عن ان تنصف الاخرين بتقديرهم وتعظيم تاريخهم في مكامن العظمة ما لم تكن قريبا الى الله لترى رعايته لعباده جميعا.

في الظرف الذي نعيشه القناعة الاساسية عندي ان الله يريد لبنان حرا ليتسنى لابنائه ان ينموا ويتعاضدوا وينتجوا ويبدعوا ويتنقّوا ليتمكنوا من رؤية الله. استقلالهم في حسباني هو من رعاية الله اياهم. الاستقلال في هذا الظرف التاريخي عدل الهي قبل ان يكون عدلا بشريا. ذلك ان الله يريدنا ان نعيش وان نربي اولادنا وذلك غير ممكن ان بتنا بلا كرامة.

غير ان الحرية ان بدت منه من السماء تحتاج الى ان تحفظها وتحبها وتموت من اجلها وما من قيامة بلا موت. هناك نقاط تلتقي في نفسك بين رعاية الله اياك ورعاية جهاد لنفسك. وهذا شيء من الفردوس.