قال الرئيس بوش غير مرّة انّ الله كلّفه وأمره باحتلال العراق وغير العراق. من اعتقد هذا انى لك ان تعالجه؟ اللبنانيون عندهم خفّة روح او ثقافة بحيث يعتقد بعضهم ان الله يكلمهم بهذه الامور ولكنهم لا يقولون. انا أفهم انّ المولى عزّ وجلّ يتنازل اليك ليشفيك من مرض لأنك خليقته وحبيبه ولكن ان يكون عنده سياسة للبنان او طائفة في لبنان فهذا عندي امر مضحك. الرب لا يعززك في منفعة لك دنيويّة ولا يعزز طائفة بحيث يعليها على غيرها وينصرها وتتبوأ به في مرحلة من التاريخ فهذا يضحكني اكثر. فالطوائف بشر والبشر اشقياء، متعبون ولا ينحاز الرب الى فريق منهم ولا دخل له في الحرب والسلم فهم يصنعونها بمقدار قدرتهم. والدليل على ذلك ان الدولة الواحدة تنتصر في معركة وتنهزم في أخرى. فأين أمانة الله لهذا القوم في حين وتواريه في حين. هكذا صلّى القسس الألمان لنصرة بلدهم في الحرب العالمية الاولى والقسس الفرنسيون لبلادهم في الحقبة نفسها وكل منها ظن انه فريق الله.
لا مجال هنا لنذكر الحروب الصليبيّة واعتقاد الذين قادوها ان الله بعث بهم الى هذه البلاد. لماذا الله لم يتركهم فيها الى يومنا ولماذا اراد نصرهم واراد هزيمتهم؟ ولماذا تربح اسرائيل وتخسر اسرائيل؟
هناك نزعة متأصّلة في البشر ان يجعلوا الله منقذا لمقاصد هم وضعوها. وكل شعب يعتقد ان الله حليفه يجعل نفسه شعبا مختارا. ومهما كان معنى العبارة لماذا انتصر العبرانيون مرات قبل مجيء المسيح وانكسروا مرات. الانسان يحتاج الى حليف وهو الذي يعلن الله حليفا له. لماذا بقي المسيحيون سبعة قرون في بلاد الشام اكثرية ساحقة واندثروا كليا في شمال افريقيا.
في ظنّي ان من اسباب رقي الغرب منذ القرن الثامن عشر انهم درسوا الشأن السياسي عقليا وما اعتبروا نجاح الثورة الفرنسيّة اكليلا لله ولا مجيء بونابرت الى الحكم والملوك الآخرين هبوط النعمة عليهم. لقد انتهى عصر النبوءة ولم يبقَ لله اليوم نصر ولا فتح والقصّة قصة سلاح وفهم سياسي وتقدم او تخلّف حضاري.
وليس الله مع الشيعة او السنة او المسيحيين او سواهم في الحرب لأنه إله السلام او هو السلام كما تقول الكتب الموحاة. والجماعات الدينية او المعتبرة كذلك تلعب لعبتها السياسيّة بمقدار قوتها وما من احد يحمل تفويضًا إلهيًا لربح اي موقع وليس الله ضد خسارة اي موقع. واذا كان شيء من هذا فإنه محجوب عن فهم ايّ منّا.
# #
#
الله ترك لنا قيما روحية نسلك حسب مضمونها ولم يترك لنا خرائط عسكرية. الله ليس رئيس أركان. اذا قلنا هذا نعني ان الجيش المنتصر هو جيش الله. وهل يقود الله جيشًا آخر اذا ما انتصر وهل في الله مزاجيّة لينحاز؟ فإذا لم تتعلمن مقاربتنا للحرب والسلم فنحن في حروب حقيقتها دينية وظاهرها دنيوي. كان شارل حلو يقول ان حروبنا مع اسرائيل هي حروب انبياء. كان هذا عنده تعبيرا عن الطابع الديني الذي كان اليهود يطبعون به اعتداءاتهم. ولكن اي ولد يعرف ان الانبياء لا يتحاربون وان تفويض الانبياء اوراق مزوّرة يكتبها الناس لمصالحهم.
اذا وضعنا الله جانبا عن هذه المسألة ودعوناه الى نفوسنا التائبة تزول الحرب لأنها عمل القلوب المليئة بالبغضاء. هنا لا بد من الرجاء وان نوقن اننا جميعا باقون لا بقوة السلاح ولكن بقوة المحبة بحيث تحس انك تعظّم الآخر وان محبته اياك تستبقيك في الوجود وان في الارض متسعا كافيا لك وله. هذا يفترض منك ايمانا ان الاخر لا يستطيع تهديدك ولو قال لأنك باق بالرضاء الالهي وانت اعزل وان لك رسالة له ولغيره على قدر ما انت زاهد بالدنيا وربما زاهد بالسياسة. كنت اقول لبعض اصدقائي المسيحيين: لما كنتم غائبين عن المسرح السياسي في السلطنة العثمانيّة كنتم اعظم ازدهارا في الفكر والابداع اي في امور تسري بلا سلاح وبلا مركز سياسي.
انا ليس عندي دروس القيها على المسيحيين المسيّسين اليوم. هم افصح مني في مجالهم. واذا استطعت ان تبذل جهدا في دنيا الفكر والفن والنشاط الاقتصادي تزداد حاجة الناس اليك ويبقى لك فضاؤك ولهم فضاؤهم وتكتشفون معا ان العمل الانساني الكبير يحررك من الخوف وتاليا يحررك من الاتجار بالسلاح واستعماله. في الخمسينات على ما اذكر كان اندره جيد يحاضرنا في سينما روكسي في بيروت وقال لنا ان العالم صنعته الاقليات. لا تخف من الانقراض ان لم تهاجر. الانقراض يأتيك من التحارب ولا تخشى ان تنجب لأن هذا من مشيئة الله وهو يرزقك ويرزق ذريتك. لا تظن انك ستبقى بالدفاع عن نفسك الا بطرق السياسة الشريفة اذ يكون هذا دفاعا عن الوطن كله. وللناس ان يتسابقوا بالفكر وبالانتاج الاقتصادي وان يصفو فكرهم الروحي والفلسفي بسبب من النابغين فيهم وهذا مفيد للأمة كلها. اذا لم نهاجر خوفا فالمسلمون والمسيحيون قائمون في هذا البلد الى الأبد لأن الانسان غير الاناني وغير المترف يحب الاولاد وان يعيشوا معه وأمامه بالفرح والمعرفة. الطائفيّة ستزول من نفسها ان جاهدت كل طائفة على دروب العطاء والتقدّم. اذ ذاك ولو اتيت جسديا من اهلك الا ان سمو قلبك وارتقائك المعرفي يأتيان من كل الجماعات.
# #
#
اذا أصررت على ان تبقى من اهل الدنيا فقط فأنت على صدام فكل جائع الى الدنيا يسعى الى ابتلاعها وحده. اما اذا اقلعت عن الشهرة فأنت مشارك والخبز، اذ ذاك، يبدو لك الخبز المادي دون خبز المعرفة قيمة.
ان تنزع السلاح عن جعبتك يبدأ، عند ذاك، بتطهير نفسك وبجوعك الى الله والمعرفة والعمل الذي يأتي منهما. واذا ابتلعت الكلمة الالهية يستمدّها منك الآخرون فتحييون بها معا وتكونون جماعة تبتغي الطهارة التي هي اقوى عملا من المعصية. مشكلة الخاطئ انه لا يعرف عمقه. مشكلة المسلّح انه لا يعتقد كليا انه معرّض للموت وليس في الموت خلق على اي صعيد.
في هذه البلاد ليس من مشاركة وطنيّة بيننا ما لم ننزّه الله عن ان يكون حليفًا لطائفة ما. الخطر هو من هذا الإله الذي تصطنعه على صورتك ومثالك. جهدك اذًا يبقى ان تعود الى الصورة التي رسمها ربك فيك لا الى صورة إله الحرب التي رسمتها لنفسك.
والقضيّة لا تنتهي بقولك: هذه الفئة ليست مسلّحة. انا ليس عندي استخبارات لأعرف حقيقة الأمر. ولكن الخطأ ليس فقط في اقتناء السلاح ولكن في ان تشتهي اقتناءه. والخطر الأكبر اذا اقتنيته ان تعتقد ان يد الله على الزناد او انها هي التي ترمي القنبلة. ليس من وثنيّة عندي مثل هذه. انا لا ادعوك ان تكون علمانيا في كل مجالات السياسة. هذا ما اؤثره. ولكني ادعوك ان تنزه الله عن رسمه للحروب او قيادتها لأنك تسقط، عند ذاك، في خطيئة استتجار الله لمصلحة لك وللجماعة التي تنتمي اليها واستتجار الله هو استعبادك فكريا لله وانت عبده.
الخروج من استئجارك الله او تسييسه هو باب خلاصك في الايام التي نعيشها، انا لست مؤهلا ان اشير الى العوامل الداخلية والاقليميّة والدوليّة التي تتشابك لإماتتنا. نحن نموت في العمق من عدم عمق النفس او الفكر ومن عدم رؤية الآخر على انه أخونا ونموت من الخوف اي من غياب المحبة.
كل شيء يبدو وكأننا لن نخرج من المحنة الا بعطف إلهي خاص.
