اليوم نقيم عيدا للنور نسميه عيد التجلي يأتي في سياق حديثين عن آلام المعلم. كلاهما انباء عن الصلب وكأن الانجيليين ارادوا انه هو المكان لانبلاج النور.

الحديث الاول الذي يتضمن اعتراف بطرس بالمسيح تم في نواحي قيصرية فيليبس وهي بانياس التي عند سفح جبل الشيخ. بعد هذا بستة ايام صعد السيد ببطرس ويعقوب ويوحنا الى “جبل عال منفردين”. اي جبل هذا؟ يقول التقليد انه جبل ثابور في الجليل. غير ان هذا لا يتجاوز ست مئة متر في حين ان حرمون او جبل الشيخ ينطبق عليه وصف جبل عال. وفي قداس العيد نقتبس من المزامير: “ثابور وحرمون باسمك يتهللان”. غير ان الحجة التي تجعلني اميل الى جبل الشيخ ان السيد وتلاميذه قبل حادثة التجلي كانوا بقرب الجبل.

ولكن ليس هذا هو المهم. جوهر الحدث ان هيئة المسيح تغيرت قدامهم و”أضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور” (متى 2:7). المسيح لا يغيره شيء من خارجه ولا ينسكب نور عليه. ان التلاميذ رأوا النور الذي كان دائما يلتحق به ويخفيه بسبب من ضرورة اتصاله الطبيعي بالناس فلا يبقى على مظهر ساحر لهم يتجاوز الطاقة الانسانية التي اراد ان يكون عليها وحدها بلا معجزة ضياء دائم تسلخه عن الوضع البشري بحيث يأتي شكله البشري كشكل كل الناس ليتحقق التجسد على قياس البشر. واتخاذ الصورة البشرية العادية نسميها الاخلاء على ما جاء عند بولس: “اخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس” (فيليبي 7:2). والمعنى انه حجب المجد الالهي عن وجهه وجسده.

الامر الآخر ان موسى وايليا تراءيا له وان سحابة نيرة ظللتهم وسمع من السحابة قول يقول: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت “دائما يجب ان نذكر لغة العهد القديم وراء ما نقرأه في العهد الجديد. السحابة هي التي كانت تغطي خيمة الاجتماع في صحراء سيناء. وبهاء الرب يحل بها على المسكن. ذكر السحابة اذا اشارة الى ان حضرة الرب كانت على الجبل. ودخل السحابة هذان النبيان واكد لوقا انهما ظهرا بمجد “وتكلما عن خروجه (اي خروج المسيح) الذي كان عتيدا ان يكمله في اورشليم”. وفي قراءتي ان السحابة ضمتهما وان مجدا واحدا كان يلف المسيح ورفيقيه هذين.

لماذا استحضر السيد موسى وايليا؟ يزين لي ان هذين الاعظمين في التراث العبري لم يشتركا في النور الا عندما جمعهما المسيح اليه. في سفر الخروج قال موسى لله “ارني مجدك… فأجابه الله: اما وجهي فلا تستطيع ان تراه لأنه لا يرى وجهي انسان ويعيش”.

كذلك ايليا لما كان في حوريب (سيناء) لم يكن الرب في اي ما حصل هناك من ريح وزلزلة ونار. بعد هذا كان صوت نسيم لطيف وهناك كان الرب “فلما سمع ايليا ستر وجهه وخرج”. وحتى بعد صعوده في العاصفة على مركبة نارية الى السماء لم يصل الى وجه الله.

هناك على ثابور او حرمون ينضم الركنان النبويان الى المجد الذي كان المسيح عليه في السحابة. واثناء خوضهما في المجد كانا يتكلمان معه عن موته لانه هو ذروة المجد. وهذا يفسر ان المعلم تنبأ لتلاميذه عن موته بعد حصول المشهد.

لم يأت يوحنا على ذكر التجلي اذ يكشفه على مد انجيله وعنده باستمرار انه كلما ذكر المجد يريد به الصلب والموت. من هنا ان عبارة “ابني الحبيب” لا تدل حصرا – كما ارى – على النبوة الازلية ولكن على كون المسيح ايضا ابن البشر. لقد سر الاب بما حققه ابنه هنا في الجسد. العبارة تدل على التلاقي بين اللاهوت والناسوت في المسيح. التجلي صورة مصغرة عن كل ما سيحدث للمسيح بين الجمعة العظيمة وصباح الفصح. اصطباغه في الاردن هو كذلك. كل شيء في الانجيل مركز على سر الخلاص مهما تقلبت الصور وتقلب الكلام. الحياة الالهية كلها في هذا الانسكاب.

ما نسميه نور ثابور في الكنيسة الارثوذكسية هو اصلا ما شع عن المسيح وما ينزل في ما بعد على الناس. وفي عقيدتنا ان ما نستلمه من الله نعمة هو نور ازلي ونسميه “قوى او افعالا غير مخلوقة”. هناك الجوهر الالهي الذي لا يمس ولا يخترقه احد لانك ان فعلت ذلك تصر الها بالطبيعة وانت مخلوق. ولكن ان تشترك بالقوة الالهية الازلية فهذا يجعلك مألوها او مؤلها وجوهرك بشري. هذا سر لا يدرك ولكن اهميته انك ان لم تتقبل شيئا غير مخلوق فلست على صلة بالله حقيقية.

لقد شوهدت وجوه قديسين منورة بغير نور الشمس. ولكن بالطبع لا يشاهد أحد هذه الوجوه على نورانيتها ما لم يكن هو نفسه مستنيرًا.

الى هذا قول السيد لتلاميذه: “انتم نور العالم” لأنه هو نور العالم كما قال ذلك عن نفسه. هذه هي استنارة القلب بفضائل الإنجيل وهي مرتكزة على التوبة أي التحرر من الأهواء والشهوات. اللاهوى مقولة في اللاهوت الشرقي تدل على الحرية الداخلية من كل ما يضغط على النفس وما يكبلها بحيث لا يكون المستنير أسيراً لما يعتمل في نفسه من جذور المعصية فيتحول الى وجه الله فيأتي من هذا الوجه انساناً جديداً أو خليقة جديدة كما يقول بولس. طبعا هذه ليست حرية مسجلة الى الأبد في طبيعتنا اذ قد يسقط الانسان اليوم أو غداً. لكن الحرية الحقيقية اذا تأصلت من شأنها ان تصبح ينبوعاً “ينبع فينا الى حياة أبدية”. هذه مسيرة فيها كبوات وليس أحد مضموناً بنعمة يتسربل بها على الدوام. غير ان من عرف الجدة في عمق يكبر حظه في العودة اليها. فكما ان الانسان الموغل في الخطيئة تصعب عليه التوبة كذلك التائب الكبير الذي اكتشف حلاوة الله لا يخطىء بشدة حتى التهور الكبير. الخاطىء انسان تجرحت طبيعته وتشوهت ويحتاج الى ما يشبه الأعجوبة لينهض نهضة كبيرة تحول كيانه من جديد.

غير أنك تلحظ ان بعض الناس الذين ألفوا النور الإلهي لا يطيقون الظلمة ولا يألفونها ويشتاقون دوماً الى النور الذي ذاقوه وتصبح وجوههم مشرقة كوجه المسيح على جبل التجلي.

هؤلاء يهب فيهم الروح ويذهب بهم الى حيث يشاء وكأنهم يقيمون في مسكن إلهي. هؤلاء ينقلون النور الذي فيهم بالشهادة. والشهادة لا الفكر المجرد طريق التواصل بين المحبين. ليس ان ثمة مجتمعاً روحياً صافياً . فالإنسان يحيا بربه وحيداً غير انه يشع ويسطع بالمحبة فاذا انت تقبلتها تتكون فيك صلة بالله مباشرة. هؤلاء يأتون من دواخلهم بعدما تعمدوا بالنعمة النازلة عليهم لأن الله أحبهم وجعلهم لنفسه. وبذا يصبحون ابناء الله في مجانية العطاء الإلهي.

غير ان سواد الناس يعيشون خارج أنفسهم في دنيا هم اصطنعوها وحسبوها كافية لغذائهم. دنيا المال والطعام والشراب والسلطة والمجد الدنيوي. تلك هي دنيا الوهم والتشتت. وهم يتبدون فيها وينالون منها ملذات ترضيهم الى حين ولكنها مليئة بالحزن والقلق والآمال المصدومة وما هو بائد. ينشدون الى آفاق خلابة ليس فيها غذاء ولا فيها استقرار. جوع روحي يستبد بهم اذ لا شيء في هذه الدنيا المصطنعة يقيتك ويثبتك ويقيمك.

هؤلاء لا خلاص لهم ما لم يجدوا نوراً على وجوه الصالحين ويقتبسوه. اذ ذاك تتبدد الأشباح التي اصطنعوها لأنفسهم فيجدون اليقين هذا لا يحتاج فيه المرء الى مادة هذا العالم ومطرباته و”شهوات الخديعة”. لا شيء يغنيك عن ثابور، عن التنقية التي يحدثها الله لقلبك لتصبح قائما بالله والأزل.