ليس في الدنيا حياد. لأن الدنيا قراءة للسياسة والسياسة، منذ أفلاطون، قراءة للإنسان الحر. العبد عنده خارج المدينة. بعده اي في الأزمنة القريبة أدخلنا المرأة الى المدينة وربما ساعدتها اذا ادخلتها الى مجلس الأمة ولطفت رجاله. ويَدخل القوم المجلس أفواجا وأديانا، في ظلال الأرز الذي الله ناصبه كما يقول المزمور. وتعلم في كل ذلك انك لا تستطيع التنطح الى الألوهة. هذا ما فعله آدم فعوقِب في الخروج من الفردوس. والمبتغى العودة الى الفردوس ومنه السياسة الحكيمة.
الرشد السياسي بدا انه نزل على المسلمين والعقل نزل على الموحّدين الدروز ومرشدهم الروحي يدعى شيخ العقل. وحدهم الزعماء الموارنة الذين يتأبّطون في ظهورهم الكلامي بقية المسيحيّين في حاجة الى أن يؤمنوا بجوهر ديانتهم او بكل ديانتهم أعني المحبة. ولكنّّم في حالة انتظار حتى يأتي الترياق من العراق.
لماذا سميت الزعماء الموارنة؟ لأن دنيانا الصغيرة لبنان قائمة على الزعامات او لأن المسيحيين الآخرين ليس فيهم زعماء او لا يريدون هذا النمط من القيادة او لا يستطيعون ولأن القليل اذا عيرته بقلّته او لم تعيّره مضطر على الإنزواء في بلد التوازنات المستحيلة او قد يجد نفسه على غير صعيد ولكن هذا لا يرى في الطاحون السياسي الذي «اسمع فيه جعجعة ولا أرى طحينا».
لنقل اذًا الموارنة لأنهم الوحيدون في الميدان حتى تأتي الإنتخابات بالموارنة الجدد. حرجي في هذه الأسطر اني أسقف أرثوذكسي واني لا ألقّن درسا خارج نطاقي ما يضطرني الى كلام متواضع ولست مدعوا بحكم هويّتي ان التزم احدًا او ألازم أحدا من الإخوة الموارنة وان ضممتهم جميعا الى صدري بحكم كأس الخلاص الواحدة التي نتناولها في القداس. انا تعلّمت على مقاعد اللاهوت انك ان اكلت جسد المسيح وشربت دمه فلكي تأخذهما معك الى خارج الكنيسة اي الى سياسة المدينة. اللاهوت الكاثوليكي يعلّم انه يجوز لك في الدنيا ان تختلف مع اخيك المسيحي لأن للسياسة قواعدها وللكنيسة قواعدها. وهناك طرق للاختلاف ولكن ليس هناك طريق للخلاف ولا للإنشقاق لأنك ان دخلت هذا تكون في الكنيسة قد شربت دينونة لك فيما كنت تحسب انك شربت دم المخلّص. الحاجة اذًا الى منطق، الى ان يستوي الجميع على آرائك الحب.
هناك عبارة تتكرّر «المسيحيون ولا سيّما الموارنة». لماذا «لا سيّما» والموارنة وحدهم يصنعون السياسة ويقولون انها سياسة للمسيحيين جميعا. يخطئون وحدهم لأنهم وحدهم في المواجهة ويوقعون المسيحيين الآخرين في الجب الذي حفره الماروني للماروني ويتألّم الجميع ويضطَهدون في أزمنة الفواجع حين لم يخطئ الجميع.
# #
#
كتب مرة القديس يوحنا الدمشقي منذ ألف ومئتي سنة تقريبا في المجال اللاهوتي «لانمورنن» ولكنه كتب باللغة اليونانيّة التي ألصقت بالأرثوذكسيين. اما في المجال السياسي بعد انقضاء كل هذا الزمان فالمارونية السياسيّة وحدها قائمة ويقع على قادة الكنيسة المارونية ومؤمنيها ان يصحّحوها لأن تجربة الحرب بيّنت انها باطلة وانها أسهمت في اندحار المسيحيين وعلى تهميشهم فالمسيحيون قاسوا جميعا نتائج الغلطة التي يرتكبونها. وحان حين التوبة والاستغفار الصادق وهما وحدهما ينقذان الموارنة وفي الإنقاذ نحن واحد وما كنا واحدا في الغلط.
اذًا «تعالوا الى كلمة سواء» وعندنا نحن اتباع الناصري هي كلمة محبة اي كلمة التلاقي في الحياة الوطنيّة. انا كتبت غير مرّْة اني لا احب التكتل المسيحي لأنه يناقض التكتل الوطني. في الشأن الكنسي الوضع آخر حيث كل المسيحيين واحد. اما في امر دنياكم فالمسلمون والمسيحيون واحد كما قال جبران تويني. ولكن بعد التفسّخ العميم بتنا مضطرين الى تلاقي الموارنة بعضهم الى بعض وفي المبدأ ليس لأحد ان يعلّمهم درسا في المحبة ولكن في الواقع أشكر الله انه جمع السنة والشيعة كما يبدو وجمع الموحّدين الدروز ويبقى ان يجتمع اهل المسيح في هذا العالم المجتزئ لنتساوى في الإخاء الوطني.
ما من شك عندي ان الشعب الماروني الطيب يريد الخلاص في الاتحاد وان يصبح زعماؤه الحاليون دعاة الاتحاد وهذا ليس إزاء المجموعات الأخرى ولكن تأكيدًا لمحبة الماروني للماروني ومحبة الماروني للمسيحي الآخر على طريق المصالحة التي تتضمّن المصارحة بين اللبنانيين جميعا. متى يصيرون واحدا في الوطن كما هم واحد في المسيح؟
هذه دعوة انسان متألّم من الفرقة. فهذا بلد غير معقول بلا موارنته لا في نشأته ولا في آتيه. متــى يعقل الموارنة هذا بلا افتخار ولكن بروح الخدمة التي دعوا اليها ليكونوا مع الجميع بلدا واحدا؟
رجوعا الى الزعامات وهي لا تبدو كثيرة. نريد بينها تلاقيا كبيرا في قواسم مشتركة. انا لا افهم الكثير في السياسة أولست منخرطًا فيها. ان انكفاء الزعامات في المارونية عن التوحد المعقول يؤذن بخرابها وخرابنا جميعا. التضحيات مطلوبة ولست أقول بلا فكر ولا نقاش. هناك تلاحم بالقلب يؤتي التلاحم بالعقل. هذا ما يقوله اللاهوت الأرثوذكسي الذي أجيء منه. فالقلب المستنير يسقط نوره على العقل حتى يتلاحما. لا يفتكرنّ أحد بالاستغناء عن الموارنة. انهم أركان ولكن لا يفتكرن الموارنة بالاستغناء عن أنفسهم. فاذا سقطوا في هذه الخطيئة يموتون ويموت البلد معهم.
أنا لا أعرف الآلية التي يتّخذها الإخوة الموارنة ليصلوا الى الصلح فيما بينهم. هم يعرفون بعضهم بعضا وفن المحادثة عندهم. ولكني استنجد بطريركهم ليجمع كل طاقاته الحيّة ليعود الى ندائهم وجمعهم، ليطهرهم من داء الافتراق والى وحدة فيهم خلاقة. ناشدته في هذه الزاوية مرّة ان يناديهم امام المذبح المقدس اذ لا يبقى له أبوّة ان رفضوا هم بنوتهم له ويفقدونها ان لم يوحدوا قدسيّة كنيستهم الى قدسيّة لبنانيّتهم. انه يستطيع بروح النبؤة ان يتذكّر قول الكتاب: «اضطرهم على الدخول» الى بيت الصدق والعطاء والى التأمّل في حاجة لبنان اليهم. «اليوم، اليوم وليس غدًا» يا سيّدي. اليوم قادة الموارنة السياسيّون يجب ان يتّقوا الله من أجل نفوسهم ومن أجلنا حتى يصير البلد معافى. وبعد توحّد كل اللبنانيين كل في عشيرته لكل حادث حديث. والوحدة إن تمّت تولد الوحدة.
وأنا أصلّي، وأبناء كنيستي يسمعون صوتي على ما أحسب. بقيت وحدتكم يا أحبّتي الموارنة شرطا لنهوضنا جميعا في ظلال الأرز.
